تراجع فرص شراء السلم الاجتماعي يربك العهدة الرابعة لبوتفليقة

الاثنين 2014/12/29
تراجع عائدات النفط كشف عمق أزمة الجزائر المريضة برئيسها

الجزائر- تسود مصادر القرار في الجزائر، حالة من التخبط والتردد في التعاطي مع تداعيات تدهور أسعار النفط وتراجع مداخيل الخزينة، ويستمر معها التضارب في تصريحات حكومة عبدالمالك سلال، بين وزير محذر وآخر مطمئن، ورئيس وزراء متردّد ورئاسة تستخدم مُجبرة أسلوب “التحكم عن بعد”، بما يوحي أنّها تعيش خارج عالم الجزائريين وغير آبهة بنذر أزمة عاصفة.

طالب سياسيون وخبراء اقتصاد جزائريون، بـ”رحيل السلطة القائمة، معتبرين إيّاها سبب الأزمة، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال للمتسبّب في الأزمة أن يأتي بالحلول لمواجهة الوضع الذي يهدّد البلاد”. ويستند هؤلاء في دعوتهم إلى “استمرار السلطة في مغالطة الجزائريين بخطابات فارغة ومتناقضة، تؤكد قصورا في الرؤية وفشلا مزمنا في تحقيق النهضة المنشودة، وإضاعة فرصة توظيف حوالي 800 مليار دولار في إحداث التنمية الشاملة”.

وبلغت حدّة الانتقادات البرلمان الجزائري، فقد وجّه نوّاب، في الكتل المعارضة، انتقادات إلى سياسات الحكومات المتعاقبة، ودعوا السلطة إلى تحمّل مسؤولياتها ومصارحة الشعب بالحقائق مهما كانت مرارتها.

ووصف النائب حسن عريبي، في تصريح لـ”العرب”، وضع البلاد بـ”الخطير”، وحمّل المسؤولية للسلطة القائمة، قائلا “حكومات بوتفليقة عبثت بمقدرات الجزائريين، واشتغلت على تبذير الريع على السلم الاجتماعي من أجل الاستمرار في السلطة، بدل التوجّه إلى خلق اقتصاد بديل”.

وأوضح أنّه “لم يبق للبرلمان أيّ دور أو نجاعة، بسبب هيمنة رئيس الجمهورية على كل شيء، فكل السلط مركّزة في قصر المرادية، ولا أعتقد أن حالة التشنّج التي تسود أروقة البرلمان وقاعاته ستغيّر شيئا في الأمر، بدليل أن الحكومة لم تنزل إلى حدّ الآن لتكشف عن خططها البديلة لمواجهة الوضع، لأنها تعوّدت على الاشتغال في الدوائر المغلقة”.

وتابع “المسألة لا تتعلق بتراجع أو انهيار أسعار النفط، وإنما تتعلق بفشل حكومي، وبتبذير متعمّد لمقدّرات الشعب، وبفساد مستشر على نطاق واسع في مفاصل الدولة، وتهريب فظيع للعملة الصعبة إلى الخارج تحت يافطة التجارة الخارجية والاستثمار”.

حسن عريبي: حكومات بوتفليقة عبثت بمقدّرات الجزائريين

من جانبه، اعتبر جمال بن عبدالسلام، رئيس جبهة الجزائر الجديدة، خلال ندوة نظمها “حزب الفجر الجديد” بمدينة بسطيف، أنّ “سياسة شراء السلم الاجتماعي لم تعد اليوم ممكنة بعد ما أصاب الأسواق الدولية للبترول من تراجع كبير في الأسعار”.

وقال نورالدين بحبوح، رئيس “اتحاد القوى الديمقراطية والاجتماعية” خلال الندوة ذاتها، إنّ “الجزائر تجد نفسها اليوم أمام منعرج خطير، إمّا أن يقود إلى حوار شامل يؤدي إلى وضع وتجسيد محاور الانتقال الديمقراطي الحقيقي أو الذهاب نحو المجهول”.

من جهته، شدّد الخبير الاقتصادي، محمد لالماس، على أنّ “الجزائر عرفت أزمات مماثلة في الثمانينات والتسعينات، وتمّ حينها ترديد نفس الخطاب الذي يردد الآن، لكن لا شيء تحقق، فبمجرد عودة أسعار النفط إلى الصعود، تعود السلطة معها لمخططات التبذير و”سياسة العنتريات” وشراء السلم الاجتماعي. وعليه ليس هناك أي مؤشر في الأفق على استخلاص دروس الماضي، ومن أوصل الجزائر إلى هذا المنحدر هو السلطة الحاكمة، التي لا ينتظر منها أي بديل، فهي التي فشلت قبل 20 و30 سنة، وهي التي تقود البلاد الآن إلى الاصطدام بجدار صلب”.

وقال الخبير الاقتصادي، فارس مسدور، في تصريحات إعلامية، إنه لاحظ حالة من الإحباط واليأس والخوف لدى أغلب المواطنين، نتيجة إجراءات التقشف التي أعلنتها الحكومة، مضيفا أن المواطن لم يستفد في زمن البحبوحة المالية، فكيف له أن يصبر في سنوات “شد الحزام”؟

وأوضح مسدور أن أكبر خطأ قامت به الحكومة هو إلغاء وزارة الاستشراف وعدم الاعتماد على التخطيط، قائلا “سيدنا يوسف عليه السلام خطّط لـ15 سنة والجزائر لم تخطط لشهر واحد بعد انهيار البترول”.

ولاحظ المتتبعون تضاربا واضحا، في تصريحات أعضاء الحكومة في التعامل مع الأزمة، حيث نفى وزير التجارة، عمارة بن يونس، أي تدخل حكومي من أجل إعادة النظر في سياسة الاستيراد، في حين حذّر وزير المالية، محمد جلاب، من تأثر التوازنات المالية للخزينة العمومية في ظل استمرار تراجع المداخيل، وبقي رئيس الوزراء متردّدا مكتفيا بعقد مجالس حكومية مصغّرة دون الكشف عن أي خطة بديلة.

جمال بن عبدالسلام: سياسة شراء السلم الاجتماعي لم تعد ممكنة اليوم

أما رئيس الدولة، فقد اكتفى بإسداء توجيهات لوقف التبذير وعدم المساس بالخطوط الكبرى ذات العلاقة بالسلم الاجتماعي مثل السكن ودعم المواد الاستهلاكية والأجور وغيرها.

وأكدت مصادر مقرّبة من الحكومة الجزائرية لـ”العرب”، أنّه “لم يتم إلى حد الآن الاهتداء إلى أي خطة بديلة، لمواجهة تداعيات انهيار أسعار النفط في السوق العالمية على التوازنات الاقتصادية والسياسية للبلاد، رغم أنّ المتأثر الأوّل بتراجع مداخيل البلاد، هي سياسة شراء السلم الاجتماعي التي ضمنت للسلطة البقاء في مراكز القرار طيلة الـ15 سنة الماضية، والجاري الآن هو سباق بين أعضاء الحكومة للظهور أمام الرأي العام بمظهر “صديق الشعب” لاستبعاد صورة من يقف وراء القرارات المؤلمة المحتملة”.

وتابعت أنّ “كل الاحتمالات واردة، وقد يتمّ اللجوء إلى اتخاذ إجراءات مؤلمة، تعيد مسألة الاستقرار الاجتماعي إلى الواجهة، وتنسف معها كل الشعارات والأرقام التي روّجت لها طيلة السنوات الفارطة، للردّ على المنتقدين وعلى المعارضة السياسية، وقد تتحوّل أعوام الرفاه إلى سنوات شدّ الحزام للجزائريين، في ظلّ عجز الحكومات المتعاقبة للرئيس بوتفليقة على خلق اقتصاد بديل للريع النفطي.

ويقول مراقبون إنّ السلطة التي غامرت بالزجّ بالبلاد في انسداد خانق، بسبب تمسكها بالولاية الرئاسية الرابعة لبوتفليقة، تجد نفسها اليوم في وضع لم تكن تتصوّره. فمنذ نزول الأسعار عن سقف 80 دولارا للبرميل دخلت الحكومة الجزائرية في حالة من التخبط بسبب ارتباط وجودها ووجود السلطة التي نصبتها بمدى تنفيذ وعود شراء السلم الاجتماعي وتنامي المطالب الاجتماعية والاحتجاجات والإضرابات عن العمل المطالبة بتحسين الظروف المعيشية لأصحابها والاستفادة من ريع النفط، الذي وظف ثلث مداخيله في الحماية الاجتماعية ودعم المواد الاستهلاكية.

2