تراجيديا أوريست تصنع الحديد من جديد في باريس

ثلاثية أوريست لأسخيلوس التي عمل عليها المخرج الإيطالي روميو كاستالوتشي منذ عشرين عاما، تعود مجددا لترى النور في باريس، المدينة التي ترى في كاستالوتشي نبيا، وذلك بالتعاون مع مسرح الأوديون ومهرجان الخريف في باريس الذي يستضيفه الصرح المسرحي الشهير.
الأربعاء 2016/02/03
ماكينة التراجيديا

اختار المخرج الإيطالي روميو كاستالوتشي عنوانا فرعيا لثلاثية أوريست لأسخيلوس وسمه بـ“أداء عضوي؟” ليعرضه على مسرح الأوديون الباريسي مؤخرا، بما فيه من إشارة استفهام ودعوة إلى اختبار ماهية هذه المأساة وحدودها، وكأنها محاولة لاختبار قدرة الجسد على تحمل وطأتها وأهوالها، إذ نرى الخشبة مليئة بأغراض يومية إلى جانب ماكينات صلبة ثقيلة ذات ضجيج عال، وكأننا داخل مصنع بشري؛ ترسانة من الحديد والأجساد.

ونرى أيضا، فضاء الحرب المرتبط بعودة أغاممنون من طروادة، هذه العودة التي يترقبها قائد الجوقة “الأرنب” الذي يحكي قصة الخيانة التي شهدها قصر أغاممنون في غيابه، إلى جانب ذلك تحضر تكوينات من الغارنيكا لبابلو بيكاسو، ثم مشاهد الشبق الجنسي وحمامات الدم لكليمنتسرا التي تخطط لقتله، لتتتالى بعدها أحداث المسرحية في توليفة عنيفة وغنية بصريا بمشاهد القتل والعُري والدماء والحيوانات التي تتخلل العرض كالأحصنة والقردة.

لا يمكن وصف عرض كاستالوتشي بما يكفي من الكلمات، فهو قائم على حضور الجسد والمتعة البصرية، ليكون الأداء هو الأساس، أما الحوار- الشعر فهو مجرد عنصر داعم، حتى عناصر الكوميديا التي نراها حاضرة، هي أقرب لعيوب مضخمة، أجساد عارية وبدينة لكليمنتسرا وكساندرا التي يتلبّسها الإله أبولو بمشهد جنوني وغرائبي، وكأن الشهوة تفيض عن الجسد وتشوهه، كائنات الشبق واللذة تحضر بوصفها أساس هذه الحرب.

ومع ذلك تتدخل الآلهة لتحكم لصالح أوريست في النهاية الذي انتقم لأبيه بقتل أمه كليمنتسرا، لكن مسيرة الانتقام التي يمرّ بها تعميه، وتغوص به في ماكينة القتل لاختبار حدود الوجود البشري، ليقف المتفرج عاجزا أمام ما يحصل.

القسوة التي تشهدها الخشبة تستعيد التراث الروماني المسرحي العنيف، فالموت وتقنياته حاضرة، والجسد والحديد يلتحمان كحالة الآلة التي نرى أوريست يستخدمها لقتل كليمنتسرا، ماكينة تراجيدية ذات أحكام مسبقة على الجميع، الدماء تستجرّ المزيد من الدماء، لنكون في العرض الذي يستعيد المسرحيات الثلاث ضمن ثلاثة فضاءات، أمام ماكينة تراجيدية تلتهم الجميع تباعا، وخلاص أوريست محكوم بإرادة الآلهة، لا بما يريده أو ما هو صواب. نرى في عرض كاستالوتشي الصيغة الذبائحية في أوجها، فأغاممنون الذي قُتل بثلاث ضربات كذبيحة، يظهر في الجزء الثاني من المسرحية وبتقنية مشابهة للبانتومايم، معلقا في الهواء بوصفه نعجة، بعد أن نبش أوريست وصديقه قبره، فتتصل بعدها هذه النعجة ميكانيكيا بأوريست، ليعود أغاممنون إلى الحياة.

الذبيحة هنا تعادل القتل الذبائحي في سبيل الخلاص- الانتقام، طقوس التضحية أقرب إلى صيغة شيطانية من أجل إحلال التوازن الذي أخل به الشّبق، إلاّ أن أغاممنون ذاته وفي ظهوره الأول نرى أن من يؤدّي شخصيته ممثل مصاب بمتلازمة داون، كأن النقص البشري لا تكفي للتعبير عنه الصيغة الشعرية (الشفهيّة)، فلا بدّ من عيب في الجسد نفسه، ليبدو أغاممنون الأضحية غروتيسكيا في حياته ومماته.

ماكينة من اللحم والحديد والشبق تغرز مسنناتها في البشر لتقودهم في النهاية نحو مصائرهم؛ الموت.. والدماء المتناثرة أثناء ذلك لا تهم، إلاّ أن المأساة البشرية تختفي أمام صفاء الآلهة، سكينتها، أحكامها المطلقة، وهذا ما يحصل في الفصل الأخير حين تحكم أثينا ببراءة أوريست، فالآلهة فوق هذه الآلة وفوق العيوب البشريّة، فهي لا تسيّرها للآلة، فقط تتحكم بسرعة اختراقها للوجود البشري.

16