تراجيديا الرهان على الإسلام السياسي

الخلل عميق. ويجب أن تكون المقاربة أعمق إذا ما أراد الجيل الجديد للحركة الإسلامية الخروج من الدائرة المأساوية والحلقة المفرغة.. فهل سيفعلها؟
الأربعاء 2018/06/20
الوجه الحقيقي للتداول السلمي للسلطة

التركيبة الذهنية والنفسية لجماعات الإسلام السياسي وقادتها ومنظريها لا يمكن لها أن تبني تحالفا دائما أو تؤسس لحوار بنّاء مع غيرها من الأيديولوجيات أو الحساسيات السياسية والفكرية، إذ سرعان ما تنفرط لتحل محلها علاقة عدائية بل وأكثر تصادما ودموية من قبل، ذلك أن العقيدة الإخوانية، على وجه التحديد، مبنية على مبدأ المؤامرة والتشكيك الدائم في أي طرف لا يقتسم معهم الانتماء التنظيمي، لذلك يسعون إلى الانقلاب عليه فإن نجحوا صاروا جلادين وإن أخفقوا قاموا بدور الضحية، وهم بذلك لا يستطيعون الاستمرار خارج هذه اللعبة كما تبيّن معظم تجاربهم وهم يتنقلون بين الحكم والمعارضة بمختلف البلدان في التاريخ الحديث والمعاصر.

كل السلطات التي تحالفت مع الإسلام السياسي، أو حاولت توظيفه لحسابات سياسية، أو أنه هو الذي حاول توظيفها (لا فرق)، انتهت في الأخير إلى الاصطدام به بنحو دراماتيكي.

الأمثلة كثيرة، من بينها مثلا: قصة جمال عبدالناصر مع الإخوان إبان ثورة الضباط الأحرار حين تحالف مع الإخوان المسلمين طمعا في تقليم أظافر الأزهر الذي كان يدعم “الفكر الإقطاعي التقليدي”، ثم سرعان ما اصطدم بهم أو اصطدموا به (لا فرق)؛ قصة أنور السادات حين استعملهم لأجل تصفية الإرث الناصري، وقد كانت نهايته مأساوية على أيديهم بعد أن اغتالوه في حادث المنصة الشهير؛ قصة عبدالفتاح السيسي الذي عيّنه الإخوان بدل المشير الطنطاوي، وظنوا أنه سيكون يديهم على الجيش، لا لسبب سوى أنه “حافظٌ لكتاب الله ويصلي الفجر”، لكنه سرعان ما انقلب عليهم قبل أن يقلبوا الطاولة على الجميع؛ قصة السعودية التي احتضنت أقطاب الإخوان المسلمين الهاربين من القمع الناصري، على رأسهم محمد قطب، مأمون الهضيبي، ويوسف القرضاوي، وغيرهم، وقد مكنهم أمراء البلد من السيطرة على مختلف مرافق التعليم بالسعودية بما في ذلك الجامعات، وذلك قبل أن ينفرط العقد مؤخرا بعد أن كاد ينفرط في عدة مناسبات سابقة، من بينها صمتهم المطبق أمام ثورة جهيمان العتيبي، بالحرم المكي، وتذبذبهم أمام غزو العراق للكويت، وتفاصيل أخرى؛ قصة أميركا إبان حروب المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفييتي حين دعمت أسامة بن لادن، بالمال والسلاح، ثم انفلت من رهاناتها وانقلب عليها في الحادي عشر من سبتمبر.

قصة أردوغان الذي تحالف مع فتح الله غولن، زعيم إحدى أكبر الجماعات الدينية في العالم الإسلامي، لأجل القضاء على العلمانية التركية باعتبارها العدو المشترك، لكنه سرعان ما ارتدّ لأجل القضاء عليه هو بالذات، وكذلك فعل أردوغان مع الأكراد الذين تحالفوا معه باعتباره الأخفّ ضررا من الفاشية القومية الأتاتوركية، لكن الاصطدام كان مدويا في الأخير؛ نفس المأساة يكررها الإسلام السياسي في سوريا حين يصطدم بين الفينة والأخرى بأحد حلفائه أو أصدقائه في ميادين القتال، ولا يحد من بأسهم على بعضهم البعض سوى شدة بأس عدوهم المشترك؛ وعموما تظل قصة حياة حسن الترابي تعبيرا دراماتيكيا عن الحالة الانقلابية لزعيم سياسي تحالف مع كل الانقلابات التي شهدتها بلاد السودان منذ انقلاب جعفر النميري، بل يوقع بنفسه على أسوأ القرارات عندما يكون في السلطة (قرار إعدام المفكر محمود محمد طه على سبيل المثال)، لكنه في كل مرة يجد نفسه مرميا في غياهب السجون، وفي انتظار الانقلاب القادم.

وفي المغرب يبدو أن ورطة رهان الدولة على الإسلام السياسي ستكلفها أكثر مما حسبت، وأكثر مما تتحمّل.. كل ذلك يعني بالحس السليم أننا أمام تيار دراماتيكي بحكم بنيته النفسية والثقافية؛ يتوجّس ولا يظن خيرا، يتكتم ولا يظهر أمرا، يتوعد ثم يحسب كل صيحة عليه، إما أنه يعيش متخيّلا نفسه في المرحلة المكية كاستضعاف، وإما أنه يعيش متخيلا نفسه في المرحلة المدنية كاستقواء، لا يستطيع العيش في وضع طبيعي متوازن حيث لا يَضطهد أحدا ولا يضطهده أحد، وحيث يَترك الآخرين يعيشون ويتركونه يعيش. والسؤال الآن، لماذا يعجز الإسلام السياسي عن العيش في وضع طبيعي لا يكون فيه جلادا ولا ضحية؟

ثمة شيء مؤكد لا يقبل التشكيك، إذا لم يبدأ أعضاء الجيل الجديد للإسلام السياسي في تناول هذا السؤال بالذات بحس استراتيجي سليم، فسيبقى الحال هو الحال، والمآل هو المآل، يدورون حول نفس الدائرة المأساوية على الدوام، بحيث لن نراهم مرة أخرى إلا في موقع الجلاد على طريقة النميري، والخميني، والبغدادي، وأردوغان، وغيرهم، أو في موقع الضحية على طريقة سيد قطب، وعبدالقادر عودة، ومحمد بديع، وغيرهم، أو قد يكونون على الأرجح في موقع الجلاد والضحية معا كما هو حال علاقة رجب طيب رجب أردوغان بفتح الله غولن، أو كما هو حال العلاقات بين مختلف فصائل الإسلام السياسي داخل الثورة المغدورة بسوريا، والتي تظل علاقات تناحرية لا يحدها سوى بأس “العدو”.

الخلل عميق. ويجب أن تكون المقاربة أعمق إذا ما أراد الجيل الجديد للحركة الإسلامية الخروج من الدائرة المأساوية والحلقة المفرغة.. فهل سيفعلها؟

13