تراجيديا المثقف الجزائري

الجمعة 2016/07/08

منذ عدة أشهر ونحن نشاهد صراعا محتدما، لا يريد أن يتوقف حتى يومنا هذا، بين وزارة الاتصال ( الإعلام ) الجزائرية وبين بعض الصحف التابعة للقطاع الخاص التي سحب منها إشهار الدولة. والقصد من ذلك هو الوصول بها إلى الإفلاس ثم الاختفاء نهائيا من المشهد الإعلامي والثقافي الجزائري. في هذا المناخ يلاحظ عدم تحرك كل من الشخصيات المثقفة والمفكرة ذات الثقل النوعي المعنوي في البلاد، والتنظيمات والجمعيات والروابط الثقافية التابعة للمجتمع المدني ولو شكليا.

وهنا نتساءل: لماذا لم ترم هذه الشخصيات والتنظيمات الثقافية والفنية بثقلها بشكل موحد منظم وتلقائي للدفاع عن هذه المنابر؟ وهل يعني مثل هذا تواطؤ هذه الشخصيات وهذه الروابط والجمعيات الثقافية مع السلطة التنفيذية والسياسية أم أن تصرفها هذا يعود سببه أساسا إلى كون الصحف الجزائرية التابعة للنظام الحاكم أو للقطاع الخاص لم تتبن يوما قضية الثقافة كقضية وطنية محورية ومصيرية، وأنها لم تقم إلى يومنا هذا بمهمة التنوير الثقافي والفكري المطلوب منها من أجل إخراج البلاد من حالة التصحر الثقافي الروحي الدائم؟

إن الحقيقة المرة ينبغي أن تقال بكل صراحة: إنه منذ نشأة الصحف الجزائرية التابعة للنظام الحاكم أو التابعة للقطاع الخاص وهي تضع الشأن الثقافي في الدرجة الأخيرة حيث نجدها تختزل مهمتها في بعض المتابعات الثقافية والفنية الشكلية والسطحية، وفي نشر شذرات تقليدية ومتخلفة لا يمكن أن تبني هرم الحياة الفكرية والثقافية والفنية وهي بذلك عطلت ولا تزال تعطل الإقلاع الثقافي والفكري والفني الذي هو أحد الأسس الحضارية المفقودة في الجزائر.

وفضلا عن هذا لم تدافع عن حقوق المثقفين المادية والمعنوية بل إن معظمها تكتفي بدور سلبي يتمثل جوهريا في عدم الاهتمام بالمواهب وبالكفاءات في مختلف مجالات الإبداع الفكري والثقافي والفني.

وفي الحقيقة فإن الصحف اليومية الجزائرية لا تخصص المكانة اللائقة للفكر النقدي الحر. وزيادة على هذا فإنها كثيرا ما تنوب عن السلطة وتقوم بتضييق الخناق على الكثير من ألمع المبدعين والفنانين والمثقفين الجزائريين عن طريق تهميش إنتاجهم، وعدم تشجيعه وتثمينه، وزيادة على كل هذه العوائق فإن سيف ديموقليس مسؤولي الأقسام الثقافية والفنية، يسلط دائما على رقابهم سواء بواسطة ممارسة الرقابة عليهم أو بواسطة دفن إنتاجهم في الأدراج.

لا شك أن هذا الوضع المزري هو نتيجة لغياب وتغييب بذور “مشروع” النهضة الثقافية للدولة الوطنية، ولا شك أيضا أن علاقة المثقفين بالسياسيين في الجزائر هي من أكثر العلاقات تعقيدا حيث نجد المثقفين يقصون من لعب دور المهندسين الروحيين الذين يهندسون الأشكال والمضامين الجديدة للمدنية والتحديث.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15