تراجيديا الواقع العربي تتجسد على الخشبة برؤى مختلفة

أعمال شاركت في مهرجان المسرح العربي تناقش تحديات مواجهة التطرف والإرهاب وتراجع سقف الحريات والأوضاع المأساوية للمواطن العربي نتيجة التردي الفكري والثقافي.
الأربعاء 2019/01/16
الفرد العربي والديكتاتوريات وقضايا أخرى

استمرت عروض مهرجان المسرح العربي بالقاهرة في تقديم نماذج من المسارح العربية المختلفة، والتي وإن اختلفت في مقارباتها الفنية فإنها تكاد تشتبك مع بعضها من حيث معالجاتها للواقع العربي المأزوم، ولقضايا الإنسان العربي الراهنة؛ من تطرف وأزمات سياسية واقتصادية وحتى أخلاقية، وغيرها.

تواصلت عروض الأعمال المسرحية العربية في إطار مهرجان المسرح العربي في دورته الـ11، حيث قدمت مسرحيات “اعمل نفسك ميت” و”الحادثة” و”جنونستان” و”ذاكرة قصيرة” و”رحمة” و”عبث” و”قمرة 14” و”ليلك ضحى”، وهي أعمال تميزت برؤى وأفكار تعتمل في الأجواء المجتمعية العربية، وقد ناقشت تحدياتها في مواجهة التطرف والإرهاب وتراجع سقف الحريات والأوضاع المأساوية للمواطن نتيجة التردي الفكري والثقافي.

وناقش عرض “الحادثة” ثيمة القهر في مجتمعاتنا العربية، فيما اشتبك “ليلك ضحى” مع كابوس الإرهاب الداعشي كاشفا عن خطورة ما تواجهه فنون القوة الناعمة جراء هذا الإرهاب، كما واجه عرض “جنونستان” عالم الفساد والدكتاتورية. وقد جاءت التناولات الإخراجية احترافية إلى حد كبير كاشفة عن إمكانيات متميزة على مستوى إدارة فريق التمثيل والدراما الحركية وجمالية السينوغرافيا.

القاهر والمقهور

يقوم عرض “الحادثة” لمؤلفه لينين الرملي وإخراج عمرو حسن على فكرة القهر وصياغة علاقة القاهر بالمقهور، فالنص يقوم على حالة نفسية تتمثل في قهر رجل لامرأة يقوم بخطفها وحبسها لديه في فيلا يملكها، ويبدأ في إرغامها على حبه وأن تمهله فرصة مدتها شهر فقط حتى يتاح لها أن تتعرف عليه جيدا، فربما تقع في غرامه في تلك الفترة القصيرة، ومع تطور الحدث تنعكس الأمور، وتتبدل لعبة القهر من الرجل للمرأة إلى العكس تماما، وكأن ثيمة القهر هي علاقة أبدية لا تنتهي أبدا، فالمقهور يتماهى مع القاهر إلى أن يتحول إلى قاهر جديد.

وأشار عمرو حسن إلى أنه على مستوى السينوغرافيا عمد إلى تحويل الفيلا وهي مكان الحدث إلى مكان أشبه بالسجن ودعم ذلك الأمر بالدراما الحركية، فالحدث فيه الكثير من التشويق الذي يدفع الجمهور إلى التسمر في أماكنه حتى النهاية، ليتعرف على نهاية تلك المرأة التي تم اختطافها.

ويحلم العرض الأردني “سلالم يعقوب” لمخرجه الحاكم مسعود بمجتمع حاضن للإبداع، حيث دار حول العالم الفيزيائي سلالم يعقوب المتفرغ لعمله والمنعزل، والذي يتوصل إلى اختراع فيزيائي، لكنه يواجه ما يعطل طاقاته ومشروعاته العلمية ويلاقي عقبات شديدة من المجتمع الذي يعيش فيه تبدأ من بيته، فيتحول إلى أداة انتقامية من هذا المجتمع المحبط والقامع للعلم ولحرية التفكير.

تناولات المخرجين جاءت احترافية كاشفة عن إمكانيات متميزة على مستوى إدارة فريق التمثيل والدراما والسينوغرافيا

وقد أشار مخرج العرض إلى أن المسرحية تسعى إلى إيجاد بيئة مناسبة للإبداع تتيح فرصا للجميع لأن يقدموا ما لديهم من إبداع علمي وفكري. وقال إنه يقدم نصا بصريا، يطرح خلاله رؤيته الإخراجية في مشاهد تشرح وتختزل الحكاية عبر تضافر لغة الجسد مع لغات الموسيقى والإضاءة وبقية العناصر المسرحية الأخرى.

أما مؤلف موسيقى العرض عبدالرزاق مطرية فرأى أن الموسيقى في عرض سلالم يعقوب تعد عنصرا مهما ولغة أساسية في صياغة الرؤية الإخراجية، وأن عروض الصورة تتيح فرصة أوسع لتلعب الموسيقى دورا أكبر ورئيسيا في العرض، عكس النصوص الأخرى.

وقال كاتب ومخرج عرض “ليلك ضحى” الفنان غنام غنام إن النص يتنقل في حقل ألغام، إلا أنه يمشي بدقة، ويحوم حول تلك الألغام الموقوتة، دون أن ينفجر أحدها، إذ على المبدع أن يمتلك الوعي الذي
يؤهله لأن يكون مشروعا مبشرا، ومنارة تهدي من يأتي بعده ليسير على خطاه، وليس مشروعا استشهاديا يتسبب عمله الفني في مقتله.

وأضاف أنه توقف كثيرا للتأمل في ظاهرة الإرهاب وفكّر في كيفية تقديمها ومواجهتها فنيا، حتى سنحت له الفرصة حينما قرأ خبرا في إحدى الجرائد حول انتحار زوجين سوريين قبل دخول داعش إلى بلدتهما، هربا من الأسر وإنقاذا للزوجة من الاغتصاب، وقبل وفاة الزوج كتب رسالة يشرح فيها أسباب الانتحار، وهو ما دفعه (غنام) إلى صياغة هذه القصة في عمل مسرحي.

وتابع أن العرض يتحدث عن الموت ويأخذنا بسلاسة ورومانسية إلى ذلك المصير المفجع لقصة زوجين هما “ليلك وضحى”. ثم استطرد قائلا “نناقش تحولات المجتمع الذي يربي بداخل كل واحد إرهابيا صغيرا، فالأمور الداعشية هنا ليست في ذلك التنظيم المسلح بقدر ما هي في السلوكيات والأخلاق والممارسات الحياتية وبالتالي يحضر الموت هنا في كل دقيقة حتى نبشر بالحياة، فمن الموت تولد الحياة.

أزمات الأوطان

جاء العرض الأردني “جنونستان” كوميديا سوداء كاشفا عن أن الواقع العربي بات تراجيديا أكثر مما يحدث على الخشبة وأن السخرية هي الحل، وقال مؤلف ومخرج المسرحية الأردني حكيم حرب إن عرضه “جنونستان” يتحدث عن دولة افتراضية خيالية، لا تمت بصلة إلى الواقع، تمتلئ بالفساد والدكتاتورية، ونقدمها من خلال الكوميديا السوداء، ونحب أن نقول من خلالها إن التخلص من الفاسد أو الدكتاتور لا يكون بالقضاء عليهما، لأنهما يمتدان ويتناسلان في الواقع، إنما يتم القضاء على الدكتاتورية وكل مظاهر الفساد بتغيير ثقافتنا؛ بمحاربة الدكتاتور والفساد الموجودين داخل كل واحد منا.

أعمال تميزت برؤى وأفكار تعتمل في الأجواء المجتمعية العربية، وقد ناقشت تحدياتها في مواجهة التطرف والإرهاب

وعالج العرض الإماراتي “المجنون” للمخرج محمد العامري هموم المواطن العربي وحلمه الدائم بالسلام والمحبة. والعرض مأخوذ عن رواية “المجنون” لجبران خليل جبران إضافة إلى السيناريو التأملي الذي كتبه العراقي قاسم محمد منذ ما يقرب من 23 عاما.

وقد كشف العامري عما دفعه إلى تقديم هذا النص تحديدا دون غيره، مؤكدا أن النص يحمل الكثير من التماس مع ما يقربنا من المتلقي عبر طرح مشاكله وهمومه وقضاياه التي تشغله في اللحظة الراهنة، الأمر الذي يجعلنا مشتبكين مع الواقع هنا والآن.

وقال بوكثير دومة مؤلف العرض التونسي “قمرة 14”  إنه يعمل دائما على التراث، وهو ما قام به في نص العرض حيث استدعى من التراث والتاريخ التونسي ثلاث شخصيات مثلت الثورة في فترات مختلفة، وهي: متصوفة تونسية في القرن الـ13، وخيرالدين باشا وهو ثائر إصلاحي تشريعي وإداري في القرن الـ19، ثم منصور وهو ثائر صعلوك من الجنوب قام بما يشبه ثورات الصعاليك، وهذه الشخصيات يلتقي بها أحد الشباب المعاصرين في أرشيف إحدى الوزارات السيادية حيث يعمل، وقد خرجت له هذه الشخصيات من الأوراق المكدسة في الأرشيف الذي يقع في أحد الدهاليز بهذه الوزارة أثناء “الثورة” التونسية.

وكشفت مخرجة العرض دليلة مفتاحي أنها جعلت الكاتب يكتب النص ثلاث مرات، وأضافت أن العرض يرصد 800 عاما من الخيبات التي تعقب الثورات التونسية والتي يتم إجهاضها باستمرار منذ ذلك التاريخ. وأشارت إلى أن العمل يمثل لها تطهيرا عبر المساءلة، مساءلة الشخصيات ومساءلة التاريخ بعد سلخه.

15