تراجيديا شعرية سعيدة بلسان مزدوج

التراجيديا السعيدة لأدرينالين تجعله كتابا يأخذ قارئه إلى أقصى الحب والحرب وتأمل الشعر والحزن والوحدة والوحشة في الآن ذاته.
السبت 2018/06/23
نصوص تبدأ من ذات الشاعر

لم يعد الشعر ذاك النص المكتفي بشحنته العاطفية والخارج من عزلة شاعره وحركة انفعالاته اللاشعورية، بل بات النص الشعري يملك وعيا حادا قادرا على اقتحام العلوم والأفكار وحتى الأخبار والأحداث الحقيقية بقلب اللغة وعقلها، يقفز بقارئه إلى عوالم لا هي حقيقية ولا هي خيالية وهذا ما نحن بصدده في قصائد غياث المدهون. 

اندرجت سبعُ قصائدَ -هي ما يشكل مجموعة “أدرينالين” للشاعر الفلسطيني السوري المقيم بالسويد غياث المدهون- مؤخرا ضمن القائمة الطويلة لأفضل كتاب مترجم إلى الإنكليزية بالولايات المتحدة. تتفاوت القصائدُ حجما وخصائص فنية في بعض الجوانب، لكنها تتشاركُ في جوانب أخرى كثيرة. وتتآلفُ في وحدة فنية ورؤيوية تتجه إلى الوقوف أمام خطر العالم ومخاوفه ولصالح السخط من فظاعاته. أليس هذا ما يرفع منسوب الأدرينالين في الدم؟

التراجيديا السعيدة

ثمة “شيزوفرينيا”، وهو عنوان القصيدة الأولى من الكتاب، في هذه العبارة التي وردت في قصيدة “العاصمة”، “ورغم كل التراجيديا السعيدة التي تمر بها حياتي/ رفضتِ أن تطلقي رصاصة الرحمة على رأسي حين رجوتكِ أن تفعلي/ ومنحتني حياة جديدة”.

ثمة أيضا تآلف أضداد في هذه العبارة. وتلك إحدى سمات الشعر المخصوصة، لكنها قبل ذلك سمة حياة الشاعر، بعيدا عن وطنه في الشمال الأوروبي، قريبا منه انحيازا وتعلقا روحيا. حر في بلاد الرجل الأبيض، ولكنه مقيد برغبة مستحيلة في العودة ورفضِ لممارسات جاره هذا، المتواطئ ضد بلده. هذا ما يقدمه غياث في شكل مانيفستو شعري في قصيدته الأولى التي كتبت بعد زيارة لمدة أسبوعين لمدينة إيبر، تزامنت مع ذكرى مرور مئة عام على أول هجوم بالسلاح الكيمياوي في التاريخ. وقد جرى ذلك في حقول الفلاندرز خلال الحرب العالمية الأولى.

أغلب النصوص تضم خطابا واصفا ووعيا مميزا لشاعر يفكر في الشعر لحظة كتابته ويتأمل جوهره وجوهر خصوصيته

ويقول الشاعر “ينتابني شعور بالخجل الشديد، نعم بالخجل الشديد من ضآلة الحروب التي وقعت في بلادي أمام الحروب العظيمة التي وقعت في بلادكم، حروب بلادي الصغيرة التافهة آمام آلة حروبكم الضخمة المتطورة التي تطحن الأخضر واليابس”.

ثمة توتر حاد في نبرة صوت الشاعر، ولا غرابة؛ فالأدرينالين في ارتفاع متزايد أمام حجم الكارثة وحجم تغليفها وتزيينها لكي تبدو أقل قبحا في وجه العالم. ههنا يكون الشعر شهادة على حقيقة ما مدفونة تحت تراب الإعلام وشركاته التي يحكمها الساسة وساستهم. والعبارة مطردة في الكتاب، إذ يخلع الشاعر بهرج البلاغة ويسمي الأشياء بأسمائها، في تجانس مع رؤية الشكل الشعري الذي يبني فيه قصائده وتجانس أكبر مع الواقع وحياته وطبيعة اللحظة التاريخية التي تنشأ فيها هذه القصائد، لكن ذلك لا يعني عزوفه عن خلق نسق إبداعي مخصوص في الكتابة، يكسر منطق النثر فيها من ارتباط سببي وخطية زمنية، ليرتفع بها إلى مصاف الشعرية.

إن التراجيديا السعيدة لأدرينالين تجعله كتابا يأخذ قارئه إلى أقصى الحب والحرب وتأمل الشعر والحزن والوحدة والوحشة في الآن ذاته. تخاطب الذاتُ المتلفظة في الكتاب أكثر من امرأة. فيكون خطابها مزدوجا مثل لسان الحية. شق للحياة والحب والشعر وشق آخر للموت والحرب والألم، لكن منبت اللسان واحد؛ إنه القصيدة.

شعرنة العالم

في هذا كله لا يفقد المدهون حسه الساخر، إذ لعل السخرية هي آخر الأسلحة. لعلها المدية الوحيدة الجارحة التي يمكن خدش العالم بها ولو خدشا صغيرا كي يقال له: ها إنك تنزف أيضا ولو قليلا. ها إن دمك أحمر، كالحب الذي يصلني ببلادي، كالموت الذي يبعدني عنها.

محاولة شاعر لمحاربة الفيزياء
محاولة شاعر لمحاربة الفيزياء

تتصدر هذه العبارة إحدى صفحات الموقع الرسمي للشاعر، لكن القارئ لأدرينالين يستعيدها قسرا، ليدرك أنها ليست شعارا أكثر من كونها رؤية ونمط حضور في الكتابة والحياة، مقترنين بعضهما ببعض. وفي هذا السياق، يستدعي الشاعر مراجع مختلفة نصية أو خارج نصية ليستفزها ويشحنها بالتوتر في قصيدته. يعلق بها على ما يحدث في حياتنا المعاصرة أو يعيد إنشاءه على نحو جديد.

ومن بين هذه المراجع تحضر كليشيهات متنوعة ومغالطات مختلفة، لا يجد المدهون حرجا في إطلاق هاءات متتالية داخل قصيدته، ضحكا عليها وسخرية منها في أكثر من موضع من الكتاب. يقول “جميعنا يعلم أن فلسطين أرض بلا شعب… هههههه…” وفي الصفحة الثانية عشرة، يعلق على نيل فريتز هابر عالم الكيمياء اليهودي الألماني جائزة نوبل في الكيمياء، لأنه باكتشافه الأمونياك أنقذ الملايين من الناس، لكنه مكتشف غاز الكلورين أيضا وقاتل الآلاف من الجنود اختناقا.

يفعل ذلك مع الأخبار القديمة. فينشئها بشكل مختلف. يجعل لها كينونة جديدة في سياق قصيدته ووحدتها العضوية. ويوظف التقنية ذاتها مع النصوص المقدسة أيضا، على غرار تضمينه لمقطع قرآني في سياق جديد يحوله إلى عنصر من إنشاء مغاير، يتعلق بمرجعه الأول، موسعا دلالته ومغيرا لها في الآن ذاته “فأتبعكِ كما يتبع صاحب امرئ القيس صاحبه/ البلادُ البلادُ العبادُ العبادُ؟/ وأفر منكِ كما: يَفِرُ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ”.

وفي اجتماع كل هذه الخصائص وغيرها، يتبدى خطاب واصف ووعي مميز لشاعر يفكر في الشعر لحظة كتابته ويتأمل جوهره وجوهر خصوصيته في كتابته هو بالذات. فتبرز عبارات من قبيل “أنا صاحب القصائد التي تتحدث عن الموت، وكأنها تتحدث عن الأمل” (قصيدة العاصمة) و”غرفتي وقعت بحب حذائك الأخضر/ أنا أغرق فيك كما يغرق السوريون في البحار/ يا إلهي/انظري إلى أين أوصلتنا الحرب/حتى في أسوأ كوابيسي، لم يخطر لي/ أنني في يوم من الأيام/سأقول في قصيدة: أغرق فيك كما يغرق السوريون في البحار”.

 وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن “أدرينالين” هي بشكل ما محاولة متناغمة مع مضمونها لمحاربة الفيزياء. فصاحبها الذي يتطرق إلى هذه العلاقة بين الشعر والفيزياء في أكثر من قصيدة يعي أيضا من خلال هذه القصائد، وبشكل حاد، الفراغ الذي يعيش قربه أو فوقه في نفس اللحظة التي يحاول فيها مقاومة هذا الفراغ بهذه القصائد (“وأعتقد أن هناك بعض الأمل لأن يكون هناك بعض الأمل”). ولعله من الطريف الإشارة إلى أن ذلك هو ذاتهُ المدلول الاشتقاقي لعبارة أدرينالين التي تعني في جذورها اللاتينية “قرب اللاشيء” وفي جذورها الإغريقية “فوق اللاشيء”.

14