تراكم الديون يُعقّد نشاط الشركة التونسية للكهرباء

شركة الكهرباء التونسية تواجه عجزا ماليا متفاقما ما يثير مخاوف من زيادة محتملة في أسعار الاستهلاك نتيجة جمود مشاريع الطاقة البديلة.
الاثنين 2021/07/19
آفاق ضبابية في طريق أمن الطاقة

تتفاقم أزمة الشركة التونسية الحكومية للكهرباء بسبب تراكم ديونها في ظلّ محدودية دور الدولة في معالجة وضعيتها لمواجهة مشكلة الانقطاعات المتكررة وتكاليف الصيانة بسبب عدم تحقيقها للإيرادات، مما جعل احتمالات الزيادة في أسعار الاستهلاك تتعاظم، في وقت يتراجع فيه مستوى خدماتها فيما يتم تحميل المواطنين عبء خسائرها المستمرة.

تونس- تتزايد متاعب تونس بشأن تأمين استقرار إمدادات الكهرباء بشكل مستمر نتيجة ما تواجهه شركة الكهرباء الحكومية (ستاغ) من وضع مالي مأزوم منذ سنوات بسبب الديون التي خلفت عجزا ماليا متفاقما.

وتواجه الشركة الحكومية مزيجا من المشكلات التي أدت في نهاية المطاف إلى عجزها عن تأمين إمدادات الكهرباء بشكل مستمر في بعض المناطق خلال هذا الصيف جراء عدم توفر السيولة الكافية للقيام بأعمال الصيانة الدورية على الشبكة.

وتتشعب مشاكل ستاغ وصعوباتها حسب الخبراء والمراقبين، حيث يعتبر هؤلاء أن تفاقم الديون من سنة إلى أخرى حال دون تسوية الوضعية المالية لهذا الكيان الحكومي، ما جعل إمكانية رفع الدعم والزيادة في أسعار الاستهلاك واردة أكثر من أي وقت مضى.

عبدالقادر الجلاصي: هناك إمكانية لرفع الدعم وزيادة أسعار الفواتير مرّتين سنويا

وقال عبدالقادر الجلاصي الكاتب العام للجامعة العامة للكهرباء والغاز لـ”العرب”، “توجد مشاكل هيكلية وظرفية للشركة تتمثل أساسا في أن سعر البيع لا يغطي كلفة الكهرباء والغاز، ما جعلنا في وضعية مالية خانقة”. وأضاف “هناك حوالي 40 في المئة لا يغطي فيها سعر الكلفة سعر البيع، ونستورد الغاز من الجزائر في وقت يجب أن تتدخل الدولة”.

وبخصوص الديون المتفاقمة التي تتخبّط فيها الشركة، قال الجلاصي “هناك ديون مستحقة لدى المستهلكين تقدر بحوالي 200 مليون دينار (72.5 مليون دولار)”.

ولمواجهة اتساع الديون لم يستبعد الجلاصي إمكانية رفع الدعم تدريجيا من الآن حتى سنة 2025 والترفيع في أسعار الاستهلاك مرّتين سنويا. وقال إن “الحكومة مطالبة بسداد ديون الشركات والمؤسسات العمومية المقدرة بأكثر من مليار دينار (360 مليون دولار)”.

ورغم أن تونس أعلنت في 2017 عن خطة لإنتاج الكهرباء من المصادر البديلة لتلبية احتياجات البلاد المستقبلية من الطاقة بعد توقعات ببدء تراجع إنتاج النفط والغاز والذي يعدّ المحرك الأساسي لإنتاج الكهرباء، إلا أن المشروعات تسير ببطء شديد للغاية.

وأكّد بلحسن شيبوب مدير عام الكهرباء وانتقال الطاقة بوزارة الصناعة والطاقة والمناجم مؤخّرا أن تونس تطمح إلى زيادة حصّة الطاقات البلديلة في إنتاج الكهرباء إلى 30 في المئة بحلول سنة 2030 واستثمار نحو 360 مليون دولار سنويًا في القطاع لتحقيق أمن الطاقة.

واعتبر خلال حديث في ندوة حول تمويل وتنفيذ مشروع للطاقة الشمسية أن قطاع الطاقة المتجددة هو محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن شأنه أن يولد فرص العمل ويقلل من تكلفة إنتاج الكهرباء. وأشار إلى أن برنامج تطوير الطاقة المتجددة المنفّذ منذ العام 2015 يهدف إلى تحقيق قدرة 4 غيغاواط بحلول سنة 2030.

ومع ذلك هناك عدة مشاكل على مستوى تمويل المشاريع في قطاع الطاقة المتجددة، منها بطء المواعيد واشتراط عدة ضمانات من البنوك ناهيك عن ارتفاع الضريبة رغم الحوافز المقدمة للمستثمرين.

ويشير رئيس الغرفة النقابية للخلايا الكهروضوئية علي الكنزاري إلى إشكالية الربط بالكهرباء. وأوضح في تصريحات صحافية أنه من بين 30 مشروعاً مرخصاً تم توصيل مشروع واحد فقط بقدرة 1 ميغاواط.

عماد الدرويش: الحلّ إمّا في مضاعفة إنتاج الغاز أو تسريح بعض عمال "ستاغ"

في المقابل أكد المسؤول عن برامج البيئة والطاقة وتغير المناخ في وفد الاتحاد الأوروبي كوينتين بينيو التزام الاتحاد الأوروبي بدعم تونس في الانتقال الطاقي.

ولفت إلى أنه لتحقيق هدفه المتمثل في حياد الكربون بحلول سنة 2050، سيحتاج الاتحاد الأوروبي إلى استيراد الكثير من الطاقة النظيفة. وقال “لهذا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى سوق في الجوار المباشر تكون ديناميكية ويمكن أن تنتج ما يتجاوز احتياجاتها”.

وتبلغ طاقة إنتاج محطة قرطاج 471 ميغاواط، وهي توفر نحو عشرة في المئة من الطلب المحلي على الكهرباء، وتسعى تونس لتنفيذ استراتيجيتها المتعلقة بإنتاج الطاقة البديلة من خلال خطط طموحة لتشجيع القطاعين العام والخاص. ويرى خبراء في مجال الطاقة أن التوظيف العشوائي الذي حصل في عام 2011 عمّق الأزمة ورفّع في كلفة الرواتب، ما ساهم في تراكم ديون الشركة.

ويؤكد عماد الدرويش الخبير الدولي في مجال الطاقة أن “ستاغ” تشتري سنويا ما يعادل 4.65 مليار دينار (1.67 مليار دولار) من الغاز جزء منها يأتي من الجزائر، لكن الشركة تبيع للمواطنين بأقل من تلك القيمة أي بنحو 1.43 مليار دولار لأن أسعار الكهرباء مدعومة، وهذا هو السبب الهيكلي المتراكم الذي أفرز عجزا.

وقال لـ”العرب” إن “إنتاج الكهرباء بالغاز اقتصادي وأقل كلفة من الطاقات البديلة التي تتطلب استثمارات، وفيها مشاكل مثل الطاقات التي تشتغل بالرياح والشمس، ووجودها لا يعطي 5 أو 6 في المئة، بينما تطمح الدولة إلى الوصول إلى 20 في المئة”.

وبخصوص الحلول الممكنة للتقليص من الديون المتفاقمة للشركة كما هو الشأن لباقي الشركات الحكومية، قال الدرويش إنه “إلى جانب العجز الهيكلي تم في 2011 توظيف 3 آلاف عامل جديد تحت الضغط، فأصبحت الشركة عاجزة، باعتبار فاتورة الرواتب الإضافية”. واستطرد “من يريد أن يجد حلولا عليه أن يضاعف إنتاج الغاز أو يقوم بتسريح العمّال”.

تفاقم الديون من سنة إلى أخرى حال دون تسوية الوضعية المالية لهذا الكيان الحكومي، ما جعل إمكانية رفع الدعم والزيادة في أسعار الاستهلاك واردة أكثر من أي وقت مضى

وتتصاعد تشكّيات المواطنين من سوء الخدمات على غرار ضعف الشبكة وتكرر الانقطاعات دون موجب أحيانا. وتعود آخر زيادة في استهلاك الكهرباء والغاز إلى عام 2017، حيث عدلت الحكومة الأسعار لتوفير عائدات بقيمة 175 مليون دينار (62 مليون دولار). وسبق أن قامت الشركة باتخاذ خطوة زيادة الأسعار بنسبة 10 في المئة في فاتورة استهلاك الكهرباء، بينما بلغ معدل الزيادة في سعر الغاز الطبيعي حينها 12 في المئة.

وتتصاعد المخاوف من إمكانية تسبب عدم تطوير شبكات الكهرباء بما يتناسب مع تزايد الاستهلاك في أزمة شبيهة بتلك التي تشهدها الدول التي تعيش نزاعات مسلحة وحروب كليبيا ولبنان والعراق.

10