ترامب.. أكثر من مرشح وأقل من رئيس

الثلاثاء 2017/01/24
الرئيس الجديد لا يليق بدور أميركا ولا بتوقعاتها

لم يحصل أن أثار مرشح للرئاسة الأميركية الجدل الذي أثاره دونالد ترامب، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس منذ انتخابه في الثامن من نوفمبر 2016. ترامب، الملياردير النيويوركي المتجهم، تعهد في خطاب النصر الذي ألقاه بنيويورك أن يكون رئيسا لكل الأميركيين، لكن ما حصل منذ إعلان انتخابه وصولا إلى لحظة أدائه القسم، أبان أن الرجل يثير الانقسام بالقدر الذي يثير فيه الجدل.

مفارقات كثيرة اتصلت بشخصية الرئيس الجديد، سياسية واقتصادية ودبلوماسية ونفسية، محلية ودولية، انطلاقا من البحث عن استعادة الدور الأميركي المفقود في العالم، الذي بدده ميراث سلفه، وصولا إلى انعكاس شخصية الرئيس الجديد على تصوراته الاقتصادية والسياسية، مرورا بخطابه ومنطوقه قبل وخلال وبعد حملته الانتخابية.

ترامب الذي أصبح يرمز إلى الشخصية الأميركية الجديدة، البراغماتية النفعية والمباشرة في تعبيراتها، أصابه ما أصاب رؤساء العرب والعالم الثالث بأن تحول إلى مادة للنوادر والنكت السياسية، إلى الدرجة التي قيل فيها عن ترامب إنه الرئيس الوحيد في العالم وفي التاريخ الذي يتمنى كل من صوت له وكل من لم يصوت له، ألا يحقق وعوده الانتخابية.

تصور ساخر لكنه يعكس الانقسام الحاد الذي طال المجتمع الأميركي بعد انتخاب ترامب، ولئن يعتبر الاصطفاف جنب مرشح معين مسألة من عاديات السياسة في الولايات المتحدة أو في غيرها، إلا أن منسوب الانقسام المترتب عن صعود ترامب لسدة الرئاسة في أعظم دولة في العالم، يشي بأن الأمر أعمق من مجرد اختيار سياسي حر ومستقل. ترامب إفراز أزمة يعيشها الواقع السياسي الأميركي، ودليل على خلل في النظام الانتخابي بالولايات المتحدة، وهو أيضا قرينة على أن “العقل السياسي” الأميركي أصابه دوار مؤقت سمح بمرور إفراز مؤقت يحمل اسم ترامب، تلك كانت حصيلة التصورات المتصلة بالحدث الذي طبع نهاية العام الماضي وبداية العام الجديد، بين انتخاب دونالد وأدائه القسم.

دونالد ترامب الذي قدم خطابا شعبويا يمينيا عنصريا متصالحا مع وضعه وانتمائه وتكوينه، لن يتغير ليصبح يساريا أو حقوقيا أو حالما بالعدالة، لكنه أيضا لن يتوصل إلى ترجمة كامل جموحه الخطابي إلى أفعال حقيقية

بعيدا عمّا أحاط بعملية انتخاب ترامب رئيسا من مواقف ساخرة أو جدية، فإن أهمية الحدث (انتخاب رئيس لأعظم دولة في العالم) يقتضي أيضا الذهاب بعيدا في تحليل البنية السياسية التي أنتجت هذا الخيار. تحليل أدى بالبعض على القول إن الحدث يمثل أحد مثالب الديمقراطية بهندستها المعاصرة. المفهوم الأخير يعني، من جملة ما يعنيه، أن الديمقراطية قد تفرز، بعد وقائع سياسية واقتصادية وإعلامية معقدة ومتداخلة، مرشحا لا يتوفر على المؤهلات اللازمة للمنصب، أو ألا تعني بالضرورة أن الفائز هو الأجدر، وفي التاريخ المعاصر أمثلة صارخة تؤكد أن للديمقراطية بما وصلت إليه أثارها السلبية وأعراضها الجانبية مثل بعض الأدوية التي تعالج أمراضا وقد تفرز أخرى.

زاوية أخرى للنظر إلى المسألة تكمن في ركون البعض إلى عدم التخوف من انتخاب رئيس على شاكلة ترامب، انطلاقا من كون العملية السياسية لا تدار فقط من البيت الأبيض، أو لعلها لا تدار من البيت الأبيض أصلا. ثمة عقل سياسي أميركي عريق يقبع خارج الرئاسة ويحدد المسارات الكبرى للسياسة الأميركية. هذا العقل يتكون من مراكز البحوث والدراسات، ومن أجهزة الاستخبارات ومن اللوبيات المالية والسياسية النافذة، وهي هياكل ومؤسسات متداخلة ومتنافسة، ترسم السياسات وتحرص على تنفيذها بما يتلاءم مع هدف وحيد هو المصالح الأميركية. وفي سياق هذا “الاعتماد المتبادل” بين العقل السياسي الأميركي ورئيس الدولة الأعظم، يتكفل الأخير بتنفيذ السياسات المرسومة سلفا وعلى المدى الطويل. فالرئيس في الدستور الأميركي، هو “رئيس الدولة ورئيس الحكومة في الولايات المتحدة. يؤدي أدوار رئيس السلطة التنفيذية للحكومة الاتحادية والقائد الأعلى للقوات المسلحة”.

العديد من القراءات السياسية الأميركية لم تبد تخوفا من الجموح الخطابي “الترامبي” أثناء حملته الانتخابية، لسببين. الأول أن أداء المرشح للانتخابات ليس محكوما بالضوابط السياسية والدبلوماسية التي تقيّد عمله كرئيس. والثاني أن العقل السياسي الأميركي، إضافة إلى المؤسسات التشريعية والقضائية، سيتدخل حال مباشرة الرئيس لمهامه لتعديل الممارسة الرئاسية.

دونالد ترامب الذي أدى القسم يوم 20 يناير الماضي، وقدم خطابا شعبويا يمينيا عنصريا متصالحا مع وضعه وانتمائه وتكوينه، ما أثار امتعاض العالم في بعض فصوله، لن يتغير ليصبح يساريا أو حقوقيا أو حالما بالعدالة، لكنه أيضا لن يتوصل إلى ترجمة كامل جموحه الخطابي إلى أفعال حقيقية. ولكن ذلك لا ينفي أن مرحلة ترامب ستختلف حتما عن حقبة سلفه باراك أوباما، إن داخليا أو خارجيا، لكن الاختلاف لن يكون منعرجا ولن يمثل قطيعة، وتلك أيضا من “محاسن” الديمقراطية، حيث لا يمكن أن “ينقلب” الخلف على السلف (بالمعنيين) وإن اختلف معه، لأن الدولة تصون قيمها ومبادئها وشعاراتها ودستورها.

اقرأ أيضا:

مؤيدو ترامب أقل ضجيجا من معارضيه

إجماع على التخوف من جموح الرئيس الجديد

12