ترامب أو بايدن: فرص تحسن العلاقات الأميركية-الألمانية ضئيلة

نظرة الشعب الألماني إلى الولايات المتحدة تراجعت لمستويات قياسية في ظل حكم ترامب.
الأحد 2020/11/01
هل تتحمل العلاقات الأميركية الألمانية عهدة جديدة لترامب؟

برلين - يتجه الأميركيون الثلاثاء إلى مكاتب الاقتراع لاختيار رئيسهم وسط سباق محموم بين الرئيس الحالي الجمهوري دونالد ترامب والمرشح الديمقراطي جو بايدن، ما يثير تساؤلات عن السياسة الخارجية لواشنطن في الأربع سنوات المقبلة لاسيما مع الدول التي اهتزت علاقتها بالولايات المتحدة على غرار ألمانيا.

وبالرغم من أن العالم يترقب نتائج هذه الانتخابات غير أن برلين ليست متحمسة لها بعد خلافات عرفتها العلاقات بين ألمانيا والولايات المتحدة يبدو أن من الصعب محوها بالرغم من أن البلدين حليفان مقربان.

واختبرت العلاقات الألمانية الأميركية العديد من القضايا على غرار  حرب العراق عام 2003 التي عارضتها برلين والكشف عن عمليات تجسس عام 2017، علاوة على الخلاف بشأن التعامل مع إدوارد سنودن الذي سرب معلومات سرية للغاية من وكالة الأمن القومي الأميركية وهي قضايا شكلت امتحانا عسيرا للصداقة طويلة الأمد التي تربط المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس السابق باراك أوباما.

ولكن الامتحان الأصعب الذي واجهته العلاقات بين البلدين كان مع صعود الملياردير الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

ومنذ وصوله عام 2016، دأب ترامب على تأكيد أن برلين “مقصرة” بسبب عدم وصولها للهدف الذي تعهد به شركاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) بأن يكون الإنفاق الدفاعي عند 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما اتهم ألمانيا بالنفاق على خلفية مشروعها الضخم لخط أنابيب الغاز مع روسيا، وفرض رسوما جمركية على الاتحاد الأوروبي، وألمانيا بطبيعة الحال، بسبب العجز التجاري مع الولايات المتحدة.

كما كان هناك تهديد دائم يلوح به البيت الأبيض وهو فرض رسوم جمركية على السيارات، وهي إحدى الصادرات الألمانية الرئيسية.

وتقول سودها ديفيد-ويلب، وهي خبيرة في السياسة الخارجية الأميركية مقيمة في برلين ومسؤولة في مركز “صندوق مارشال الألماني”، “ترامب لا ينظر إلى حلفائنا باعتبارهم أصولا قيّمة، وإنما يعتبرهم عبئا بصورة أكبر، وشكك علانية في ما إذا كان الاتحاد الأوروبي عدوا وليس حليفا”.

كما تقول ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة لمسؤول الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إن ترامب يستهدف ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد، لأسباب من بينها أنه يرى أن الاتحاد الأوروبي إنما هو بصورة أساسية “امتداد للقوة الألمانية”.

ناتالي توتشي: ترامب يستهدف ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي
ناتالي توتشي: ترامب يستهدف ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي

وأضافت توتشي أن نجم تلفزيون الواقع الأميركي الذي تحول إلى قائد أعلى لديه كراهية “عميقة” تجاه ألمانيا.

وتضيف ديفيد-ويلب “في البداية، أعتقدُ أن ترامب جاء ببعض النوايا الحسنة التي مست وترا حساسا لدى الناخبين الأميركيين”، في إشارة إلى الجهود الخاصة بإثارة موضوع الخلاف حول تقاسم الأعباء في حلف الناتو وقضايا أخرى قائمة منذ أمد طويل.

وتستدرك “إلا أن الأمر وصل الآن إلى نقطة لم يعد فيها الاستئساد في الحديث مُجديا… لقد أصبح مؤلما فقط”.

ولهذا السبب، يأمل الكثيرون في ألمانيا ألا يفوز ترامب بولاية ثانية بعد انتخابات الثالث من نوفمبر، وأن يبدأ خصمه الديمقراطي جو بايدن بإصلاح العلاقات.

ولكن حتى إذا ما فاز بايدن، فإن التوقعات تشير إلى أن هناك حدا لمدى الإصلاح الذي يمكن تحقيقه.

ومؤخرا، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إن “أي شخص يعتقد أن وجود ديمقراطيّ في البيت الأبيض سيعيد الشراكة عبر المحيط الأطلسي إلى ما كانت عليه من قبل، هو شخص لا يحسن تقدير حجم التغيرات الهيكلية التي حدثت”.

ويتفق مع ماس وزير الخارجية الألماني السابق زيجمار جابرييل الذي يؤكد على أن العلاقة بين برلين وواشنطن لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه.

وأرجع جابرييل ذلك إلى أن أوروبا، وألمانيا بالتبعية، فقدت تأثيرها العالمي لصالح آسيا على مدار العقود القليلة الماضية.

وقال لصحافيين من “رابطة الصحافة الأجنبية” في ألمانيا إن “الولايات المتحدة اليوم، وستظل على المدى البعيد، أقل اهتماما بأوروبا وأكثر اهتماما بمنطقة المحيط الهادئ”، وقد عكست رئاسة ترامب لنا “هذا التطور بشكل مبالغ فيه”.

وكما كانت ألمانيا بمثابة كيس ملاكمة لترامب يسدد لها اللكمات التي تعكس ازدراءه للنظام القائم على القواعد الراسخة، فإنه يبدو أن الشعور متبادل.

فقد أظهرت دراسة نشرها مركز بيو للأبحاث الشهر الماضي أن نظرة الشعب الألماني إلى الولايات المتحدة قد تراجعت لمستويات قياسية في ظل حكم ترامب، ووصلت إلى مستوى لم يتم تسجيله من قبل إلا في عام 2003 في ذروة التوترات بشأن غزو العراق.

كما تصدّر ترامب أكثر من مرة في استطلاع سنوي للأمور التي يخافها الألمان أكثر من غيرها، حتى أن المخاوف من أسلوبه في السياسة تغلبت على المخاوف من فايروس كورونا هذا العام.

وفي غضون ذلك، تراجع عدد الأشخاص الذين يهاجرون إلى الولايات المتحدة من ألمانيا. وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي أن عام 2019 شهد هجرة أقل من عشرة آلاف شخص إلى الولايات المتحدة، وذلك للمرة الأولى منذ إعادة توحيد ألمانيا.

كما أثرت المخاوف بشأن سلامة الديمقراطية الأميركية على صورتها لدى الألمان، حيث تتمتع الولايات المتحدة تاريخيا بمكانة مرموقة في أذهانهم باعتبارها دولة تقوم بالتحرير في زمن الحرب ومدافعة عن الديمقراطية.

ويقر جابرييل بأن الولايات المتحدة فقدت جزءا من بريقها النموذجي كـ”مدينة فوق تل”.

ويضيف “الديمقراطية الأميركية موجودة منذ أكثر من مئتي عام؛ والألمانية منذ عام 1945 فقط، واضطررنا إلى الغرق في الدماء حتى نصل إلى تلك النقطة”.

وأكد على ضرورة عدم إعطاء أهمية كبيرة لنتائج الانتخابات الأميركية.

وشبّه ثنائية ترامب-بايدن الحالية برحلة إلى الطبيب، وقال “إذا كنت تعاني من مشاكل في القلب… وكان لديك طبيب لا يهتم بك على الإطلاق ولا يكترث لأمرك، فإنك تشعر بخيبة أمل شديدة. ثم يأتي طبيب آخر، وهو في هذه الحالة جو بايدن، يكون أكثر لطفا معك وأكثر ودا تجاهك. ولكن مشاكل قلبك لا تزال كما هي”.

6