ترامب التقى بكيم جونغ أون ماذا بعد

نظام كيم يحصل على الشرعية الدولية، وترامب يفاجئ الجميع بوقف المناورات العسكرية في كوريا الجنوبية.
الأربعاء 2018/06/13
القمة تنتهي بالوعود والقليل من التفاصيل

سنغافورة – أخيرا انعقدت القمة، أول ملاحظة تبادرت إلى الأذهان عند عرض أولى صور للرئيس الأميركي دونادل ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، في قمة سنغافورة، التي ظل هناك شكّ في إمكانية انعقادها إلى آخر لحظة. ويعد انعقاد القمة في نظر الكثيرين إنجازا رغم أن الاتفاق الذي توصلا إليه لم يوضح الكثير من حيث التفاصيل حول المسألة الأساسية المتعلقة بترسانة بيونغ يانغ النووية.

بعدما كانت مقررة في 12 يونيو، عمد ترامب إلى إلغاء قمة سنغافورة في رسالة إلى كيم في 24 مايو كتب فيها “أرى أنه من غير الملائم حاليا إبقاء هذا اللقاء المقرر منذ وقت طويل”. لكن مفاجأة جديدة حصلت مع تأكيد ترامب في 27 مايو أن فريقا أميركيا موجود في كوريا الشمالية بهدف التحضير لاجتماعه مع كيم.

وفي 12 يونيو، شاهد العالم أجمع مباشرة على الهواء المصافحة بين الرجلين. انعقدت القمة بسلام، واستمر اللقاء 45 دقيقة بين ترامب وجونغ أون، اللذين كانا إلى قوت قريبا يهددان أيهما سيضغط أولا على الزر النووي، ويتراشقان بأسوأ الأوصاف، ليعلن بعدها ترامب أن اللقاء الذي جمعه مع كيم “كان جيدا جدا”، فيما رد الرئيس الكوري الشمالي بأنه يرغب في تطوير التعاون الوثيق مع نظيره الأميركي.

لقاء تاريخي

تعد هذه الزيارة الأولى من نوعها بعد سبعة عقود من العداء بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، لكن رغم التاريخ المتوتر لم تصل العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ إلى مرحلة أقلقت كل العالم مثلما حصل في الفترة الماضية، على خلفية الحرب الكلامية بين ترامب وكيم جونغ أون.

وهدد ترامب كوريا الشمالية بـ”النيران والغضب اللذين لم يشهد العالم مثيلا لهما في التاريخ”، إذا استمرت التهديدات ضد الولايات المتحدة وحلفائها. ورد كيم جونغ أون ساخرا بالإشارة إلى ترامب على أنه “رجل صاروخ صغير”، ووصفه بـ”الخرف كبير السن”.

خطوة أولى أم قمة تاريخية

أثار الاتفاق على نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية والمصافحة التاريخية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون ردود فعل مرحبة في العالم رغم أن بعضها اتسم بالحذر:

سيول: حدث تاريخي

رحب الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-أن باتفاق سنغافورة قائلا إن “اتفاق سانتوسا في 12 يونيو سيبقى في التاريخ العالمي كحدث أنهى الحرب الباردة”.

بكين: بداية تاريخ جديد

أثنت الصين الحليف الرئيسي لكوريا الشمالية على القمة ودعت من جديد إلى “نزع السلاح النووي بالكامل” من شبه الجزيرة الكورية.

موسكو: خطوة مهمة

اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن “مجرد حصول هذا اللقاء، إيجابي”. وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف “لا يمكننا إلا الترحيب بخطوة مهمة إلى الأمام. لكن الشيطان يكمن في التفاصيل”.

طوكيو: خطوة أولى

أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أن إعلان كيم جونغ أون “نزعا كاملا للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية قد تأكد خطيا. أنا أدعم هذه الخطوة الأولى نحو حل مجمل القضايا المتعلقة بكوريا الشمالية”.

باريس: خطوة مهمة

اعتبرت الوزيرة الفرنسية للشؤون الأوروبية ناتالي لوازو أن الوثيقة التي وقعها ترامب وكيم جونغ أون تشكل “خطوة مهمة” مشككة في الوقت نفسه في “تحقيق كل ذلك في غضون ساعات”. وقالت إن “توقيع وثيقة مع كيم جونغ أون الذي وصل إلى حد امتلاك السلاح النووي، هو عمليا مكافأة شخص خالف كل المعاهدات الدولية”.

الاتحاد الأوروبي: خطوة ضرورية

أشاد الاتحاد الأوروبي بقمة ترامب-كيم باعتبارها “خطوة مهمة وضرورية” تتيح إمكان تحقيق “النزع الكامل للأسلحة النووية” في شبه الجزيرة الكورية.

الوكالة الذرية: مستعدة للتحقيق

أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن استعدادها للمساعدة في التحقق من تطبيق أي اتفاقات مستقبلية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية بشأن برنامج أسلحة بيونغ يانغ النووية.

أسلو: العمل يبدأ

قالت وزيرة الخارجية النروجية إينه إريكسن سوريدي “من الإيجابي أن تحصل مناقشات في أجواء جيدة. الإعلان الذي صدر عن ذلك يتضمن الكثير من النقاط المشتركة مع إعلانات مماثلة شهدناها في السابق. الآن يبدأ قسم كبير من العمل”، مضيفة “لا يزال يتوجب القيام بالكثير”.

لكن، رغم أن قمة ترامب – كيم تبدو خطوة مهمة لتخفيف القلق العالمي من كابوس الحرب النووية، إلا أنه لا يمكن الجزم بنجاح طويل المدى للاتفاق الذي تم توقيعه بين ترامب وكيم جونغ أون ويقضي بالتزام الويلات المتحدة بتقديم ضمانات أمنية لكوريا الشمالية، مقابل التزام كوريا الشمالية الراسخ بنزع السلاح النووي بالكامل من شبه الجزيرة الكورية.

وسيتولى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو المفاوضات، بعد أن لعب دورا أساسيا في إعادة إطلاق الحوار مع بيونغ يانغ. وتتضمن وثيقة الاتفاق التزامات سابقة لبيونغ يانغ لم يطبقها النظام الكوري الشمالي، ولا تشير إلى نزع للسلاح النووي “قابل للتحقق ولا رجعة فيه” وهو ما كانت الولايات المتحدة تصر عليه قبل قمة سنغافورة.

وتعهد كيم بموجب الوثيقة “بأن يلتزم بشكل ثابت وحاسم نزع سلاح نووي كامل من شبه الجزيرة الكورية”، والتزم المسؤولان تطبيق الوثيقة “بالكامل” و”قريبا جدا”.

وقال ترامب في مؤتمره الصحافي بعد القمة إنه سيوقف المناورات الحربية السنوية مع سيول والتي تندد بها بيونغ يانغ، إذ تعتبرها محاكاة لاجتياحها. وأضاف “سنوقف المناورات ما سيوفر علينا مبالغ طائلة”، مضيفا أنه يريد سحب قواته من الجنوب “في مرحلة ما”.

ولم تكن المناورات مشمولة في الوثيقة المشتركة، الأمر الذي أطّره بعض المراقبين ضمن موقف ترامب من حلفاء الأطلسي قبل بضعة أيام وبياناته السابقة حول الناتو.

واعتبروا أن ذلك يعد في حد ذاته دليلا على أنه لا يمكن الوثوق في الرئيس الأميركي الذي لا يؤمن بالأعمال الجماعية المشتركة ويفضل التفاهمات الثنائية والتسويات الخاصة، على طريقة صفقاته التجارية.

وجاء الإعلان مفاجئا لكل من المسؤولين العسكريين الكوريين والأميركيين، حيث قال القصر الرئاسي في كوريا الجنوبية إنه يحتاج “إلى التعرف على المعنى الدقيق أو نوايا” بيان ترامب، وأضاف أنه مستعد “لبحث إجراءات مختلفة للمساعدة في مضي المحادثات قدما بشكل أكثر سلاسة”. وقالت متحدثة باسم القوات المسلحة الأميركية في كوريا إنها لم تتلق أي توجيهات تتعلق بوقف التدريبات المشتركة.

وقالت اللفتنانت كولونيل جنيفر لوفيت المتحدثة باسم القوات الأميركية في كوريا في بيان إن القوات “لم تتلق أي توجيهات حديثة عن إجراء أو وقف التدريبات… بالتنسيق مع شركائنا (الكوريين الجنوبيين) سنواصل وضعنا العسكري الراهن حتى نتلقى توجيهات حديثة من وزارة الدفاع أو القيادة في المحيطين الهندي والهادئ”.

وتصور مسؤول كوري جنوبي في بادئ الأمر أن ترامب أخطأ التعبير. وإذا نفذت الخطوة ستكون واحدة من أكثر الخطوات الملموسة والمثيرة للجدل التي تسفر عنها قمة ترامب مع كيم الذي تعهد بالمضي قدما في نزع السلاح النووي لكنه لم يورد تفاصيل.

وكتب روبرت كيلي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بوسان “تنازلان إضافيان من ترامب في المؤتمر الصحافي” وقف المناورات العسكرية مع الجنوب والأمل بسحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية”، مضيفا “وماذا حصلنا من كوريا الشمالية؟ توقفوا عن التنازل دون مقابل”.

شرعية النظام الكوري

المصافحة التاريخية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكيم جونغ أون أمام أعلام البلدين وتوقيعهما وثيقة مشتركة في مراسم رسمية وتبادلهما المجاملات، عوامل أضفت شرعية على نظام كوريا الشمالية على الساحة الدولية.

ويلفت المحللون إلى أن ترامب تعامل على قدم المساواة مع رجل بدا قبل بضعة أشهر فقط كأنه يضع العالم على شفير حرب نووية ويتهم نظامه بانتهاكات رهيبة لحقوق الإنسان.

وقال المعلق الأمني انكيت باندا إن “مظاهر هذه القمة، من المصافحات إلى الإعلام وترتيب المقاعد، لا يمكن تفريقها عن لقاء بين دولتين ذات سيادة ترتبطان بعلاقات دبلوماسية طبيعية”.

وأضاف في تغريدة على تويتر أن ذلك لم ينطو بالضرورة على “كلفة باهظة” لكن “ذلك أضفى شرعية لا شك فيها على نظام كوريا الشمالية”.

وعلق مايكل كوفريغ من معهد الأزمات الدولية في واشنطن بأن القمة تمثل “انتصارا هائلا لكيم الذي حقق إنجازا فعليا بلقائه وجها لوجه مع الرئيس”، مضيفا أن والده وجده “كانا يحلمان بذلك”، وأن “ذلك يشكل نقطة إيجابية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والأسرة الدولية على صعيد مفاوضات من المتوقع أن تكون طويلة وشاقة”.

واستبق الزعيم الكوري الشمالي القمة التاريخية مع ترامب، بخطوة أخرى لا تقل أهمية، وهي المصالحة مع كوريا الجنوبية. وأصبح كيم أول زعيم لكوريا الشمالية تطأ قدماه الجنوب منذ الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953 بعد أن صافح مون فوق حاجز خرساني قصير يرسم الحدود بين البلدين في قرية بانمونجوم التي تعرف بقرية الهدنة.

وتأتي الخطوات ضمن تغيرات استراتيجية إقليمية ودولية، تدفع الزعيم الكوري الشمالي إلى إعادة التفكير في خياراته الاستراتيجية في مرحلة يبدو واضحا أن النظام العالمي فيها يتغير وأن نظاما جديدا بدأ يتشكل على أنقاض القديم.

بدوره، رأى ترامب، رجل الأعمال السابق، أن على الولايات المتحدة أن تصفي ملفاتها وكل مصادر القلق التي يمكن أن تعيق تركيزها على الحرب ضد الصين وتنفيذ سياسة التوجه نحو آسيا. وإذا كان النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية قد هدف خصوصا إلى تجنب أي حرب جديدة، فإن واجب الحفاظ على السلام لا يبدو أولوية ملحة في ملامح النظام المقبل.

وجاءت القمة في وقت مازال حلفاء أميركا التقليديون يترنحون فيه من جراء الانقسامات التي شهدتها قمة مجموعة السبع في مطلع الأسبوع.

ومن الخلافات الأخرى انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني والذي أدى إلى انتقادات دولية وخلافات إدارته مع الصين على الرسوم الجمركية وتعثر مساعي تعديل اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا. كما يلقي تحقيق اتحادي في ما تردد عن تدخل روسيا في انتخابات عام 2016 بظلاله على رئاسته.

وترتدي قمة سنغافورة أهمية كبرى على صعيد إرث المسؤولين ويمكن مقارنتها بزيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى الصين في العام 1972 وقمة رونالد ريغان مع ميخائيل غورباتشوف في ريكيافيك، غير أن المحللين قالوا إن القمة لا تشبه من قريب أو من بعيد ما حققه الرئيس ريتشارد نيكسون بزيارته للصين الشيوعية عام 1972 والتي أنهت قطيعة استمرت العشرات من السنين بين واشنطن وبكين.

وكتب ديفيد روثكوبف في صحيفة الدايلي بيست قائلا إن “القمة التي عُقدت بين ترامب وكيم أثبتت انتصار الضجيج والصياح على التجربة. كان هذا الحدث هو أول قمة للتلفزيون الواقعي في تاريخ الولايات المتحدة.

أبرز النقاط

لكن على عكس البرامج التلفزيونية الأكثر واقعية التي تحتوي على دراما صغيرة وحتى على شيء من الإنسانية، كانت هذه القمة منذ بدايتها وحتى نهايتها تشبه علاقة رومانسية تجمع بين اثنين لا تعتمد على الحب الحقيقي أو الاحترام المتبادل، بل على حاجة كل من الزعيمين إلى أن يكون معروفا ومحبوبا لدى الجماهير التي تشاهده في المنزل”.

واعتبر روثكوبف أن ترامب وكيم أثبتا أنهما غير جديرين بالثقة عندما يتعلق الأمر بالتزام كليهما بالاتفاقيات الدولية، مشبها الاتفاق بينهما باتفاق أصدقاء المدرسة الذين يتعهدون بالبقاء أصدقاء حتى بعد الخروج منها، الأمر الذي لا يتحقق في الأغلب، مما يزيد من التأكيد على الفراغ التام في ممارسة هذا الالتزام.

مع ذلك، يرى روثكوبف أن هذا الحدث كان مهما للغاية، وربما أفضل بكثير من اندلاع حرب نووية بين الطرفين وإن كان يمثل الحد الأدنى الذي يجب أن تكون عليه أي قمة دبلوماسية دولية.

وستحدد الأيام القادمة نتيجتها وهل ستكون حقا خطوة في طريق تحقيق السلام أم اتفاق بين زعيمين "يصعب التنبؤ بأفعالهما ويمكن الغاءه في أي لحظة، وفق ما تحدده السياقات الإقليمية والدولية في ظل نظام عالمي يعيد ترتيب أركانه وسياساته ونظمه.

Thumbnail
7