ترامب بريطانيا

جونسون ليس كما يظن البعض نسخة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ربما يلتقيان في أولوية مصالح بلديهما في العلاقات الخارجية، ولكن لن يجسد جونسون شعار "بريطانيا أولا".
السبت 2019/07/27
حكومة يمينية الطابع تحتاج إلى حسم كثير من الملفات الشائكة في وقت قصير

حكومة من أكثرية مؤيدة لـ”البريكست” حتى ولو من دون اتفاق، هي أول إنتاج لرئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون. حكومة يمينية الطابع تحتاج إلى حسم كثير من الملفات الشائكة في وقت قصير، ربما يكون آخرها إنجاز “البريكست” في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر المقبل.

طلاق لندن وبروكسل بالنسبة إلى جونسون حتمية تاريخية لا مفر منها. يفضل أن يتم باتفاق ولكن لن يلغى لأي سبب كان. الطريق إلى الخروج ليس معبدا ورئيس الوزراء الجديد يدرك أنه يحتاج لإنجاز الكثير من الترتيبات الداخلية والخارجية قبل الموعد المحدد، ولكن ليس بالطرق الترامبية أبدا.

جونسون ليس كما يظن البعض نسخة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ربما يلتقيان في أولوية مصالح بلديهما في العلاقات الخارجية، ولكن لن يجسد جونسون شعار “بريطانيا أولا”، بذات الطريقة التي يمارس بها ترامب شعاره “أميركا أولا” منذ أن جاء إلى السلطة قبل ثلاث سنوات.

لا تشبه بريطانيا الولايات المتحدة في إمكاناتها وقدراتها، ولا يتشابه الرئيسان في الأدوات والأساليب. حقيقة أن لندن حليفة تاريخية لواشنطن لا تمنحها الاستثناء في سياسة ترامب، فالأدلة كثيرة وليس آخرها تخلي الولايات المتحدة عن بريطانيا في أزمة ناقلتها المحتجزة من قبل إيران.

الناقلة المحتجزة والملف الإيراني عموما يحتاجان إلى حسم من رئيس وزراء بريطانيا الجديد قبل الخروج. هو واحد من ملفات عدة يحتاج جونسون إلى مناقشتها مع الأوربيين على طاولة مفاوضات الخروج الجديدة ذاتها، التي ستكون أكثر وضوحا، وعملية أكثر مما كانت عليه في زمن تيريزا ماي.

ثمة توقعات بأن يلجأ جونسون إلى الانتخابات المبكرة، إذا ما احتدمت المناقشات بينه وبين البرلمان حول الخروج

الملفات الداخلية في الرعاية الصحية والاجتماعية بالإضافة إلى التعليم والأمن، لا تقل أهمية عن “بريكست” بالنسبة للشارع البريطاني، لذلك بدأ جونسون العمل عليها فورا، وهو يسابق الزمن فيها لأن البريطانيين ملوا الانتظار ولن يمنحوه رفاهية الوقت التي عاشتها سلفه تيريزا ماي.

يدرك جونسون أن عامل الوقت يضغط أيضا على معارضته. فهم يريدون النيل منه في أي زمان ومكان، ولكنهم يخشون اختيار لحظة خاطئة ينقلب فيها السحر على الساحر. وما رفض زعيم العمال جيرمي كوربين لدعوة الليبراليين الديمقراطيين في التصويت على الثقة بالحكومة الجديدة، إلا دليل على هذه الخشية.

تعرف المعارضة أن نسبة كبيرة من الشارع البريطاني تعوّل على رئيس الوزراء الجديد، وتعرف أيضا أن الانشقاقات التي تسببت بها استقالة ماي داخل حزب المحافظين لا تعني انهيار الحزب واستعداده للتخلي عن السلطة. الالتفاف حول جونسون حتى اللحظة الأخيرة سيكون خيار المحافظين تماما كما فعلوا مع ماي.

ثمة توقعات بأن يلجأ جونسون إلى الانتخابات المبكرة، إذا ما احتدمت المناقشات بينه وبين البرلمان حول الخروج. هذه التوقعات تتنبأ بفوزه بأغلبية كافية لتشكيل حكومة دون تحالفات مع أحزاب أخرى. وهو أمر وارد ولكنه مشروط باستعداد البلاد فعلا للخروج دون اتفاق، أو بالحصول على اتفاق جديد مع بروكسل.

ثلاثة أشهر قبل موعد الخروج ستكون بالتأكيد أصعب اختبار لجونسون في حياته السياسية. لا يحلم البريطانيون برئيس أقصر حكومة في تاريخ البلاد، وإنما بقائد يخرج ببريطانيا من مأزق “الخروج”، وإن كان من أصول تركية وليس سليل ملوك.

9