ترامب.. تغيير النظام الإيراني أم إصلاحه

السبت 2018/02/03

عانت أمتنا العربية من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وكذلك من نقمة ثروة النفط في بعض بلدانها رغم أنه نعمة كبيرة في الاقتصاد والتنمية. وبين إسرائيل والنفط خاضت شعوبنا وجيوشنا ودولنا حروبا ومهمات صعبة استنزفت الموارد البشرية والمادية، واستهلكت أجيالاً من ازدحام مشاريع النهوض بعد الإخفاقات أو تقاطع الرؤى والبرامج والسياسات في الواقع العربي.

الصراعات الداخلية في أمتنا، وفي العراق وسوريا تحديدا، كانت موزعة بين توجهات الأحزاب في محاولة تحديث المجتمعات أو بخلفيات مرجعياتها الفكرية وأحياناً التبعية المطلقة أو المترددة. عاصرنا الاغتيالات السياسية والانقلابات تحت مختلف التسميات وتجارب السجون والتعذيب وحتى المجازر نقداً أو بالتقسيط لتصفية الخصوم دون ضجة قانونية أو إعلامية من المجتمع الدولي.

تحت سقف الكراهية والمؤامرات جرت في العالم وفي زمن السلم وخارج الحروب تصفيات ترقى إلى جرائم إبادة ضد الإنسانية، وكانت إرهابا بكل معنى الكلمة. لكن الإرهاب انتقل من حيز الإجراءات والقمع إلى حيز التنظيم والتسليح والتبويب العقائدي مع احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان تحت ذريعة دعم الحكومة الأفغانية الموالية لموسكو في ديسمبر 1979 وهو ذات العام الذي استولى فيه الخميني على مقاليد السلطة في إيران بعد إسقاط نظام الشاه في 11 فبراير.

أفغانستان بطبيعتها الجبلية الوعرة والقاسية كانت وما زالت أرضاً خصبة لتنامي الاحتقان المذهبي والديني والقبلي؛ التدخلات الروسية فيها أوقدت الاصطفافات الداخلية والخارجية كما جرت الأحداث في الاحتلال الأميركي للعراق.

القاسم المشترك في الحالتين كان الحالة الإيرانية في انتصار ثورة الطائفة والمذهب والحلم القومي الإمبراطوري على أحلام الشعوب الإيرانية وقواها الرافضة لسياسة الشاه. تلك السياسة التي ابتعدت عن رؤية الحقائق وراء معظم الثورات الشعبية في دول العالم لاستلاب حقوقها في العيش الكريم والرفاهية وتوفر فرص العمل والصحة والتعليم والسكن والمساواة.

الاتحاد السوفييتي حينها زرع بذرة استدعاء فكرة المقاومة في استنفار العقيدة، والنظام الإيراني الجديد استثمر ثورته باستقطاب دعاة الإسلام السياسي لتثبيت أركان عقيدته الأيديولوجية من جهة لتمرير صادرات دولته الحاكمة، ومن جهة أخرى عمل على شحن الولاء المذهبي وهو على يقين من تمدده في مفاصل عابرة للحدود الوطنية. وفي الواقع الأفغاني تحالفت الأحزاب الطائفية المنتمية إلى التوجه الإيراني والمدعومة منه بما عرف بـ“طهران 8”، مقابل التنظيمات المذهبية المسلحة المنضوية تحت الحلف المبرم بين فصائلها السبعة والذي أطلق عليه “بيشاور 7”.

أي إن بذور الفتنة المذهبية في الأرض الأفغانية وحجم التجاذبات الدولية واختلاف إرادات الشعب الأفغاني شرذمت بنادقه بحكم الانتماءات وأيضاً لتنوع مصادر التمويل والتسليح، لذلك توزعت نقاط الاختلاف أو الالتقاء مع المشروع الإيراني على الاختلاف العقائدي والالتقاء البراغماتي لتسويق التوافقات على المستوى السياسي والتكتيكي والاستراتيجي.

الشواهد حاضرة في المفترقات الطائفية ومفارقاتها الدموية في باكستان أو في بعض دول أفريقيا؛ أما في العراق وسوريا ولبنان واليمن فإن بذور الثورة الإيرانية في 1979 تحولت إلى غابة من الإرهاب بعد عام 2003 حيث نكبة الاحتلال الأميركي للعراق وسقوط بغداد المروع بيد أحفاد تيمورلنك، ثم تمددت واتسعت تلك الغابة بعد الاتفاق النووي المشبوه مع إيران في العام 2015.

النظام الإيراني تفوق على كل المحاور الأساسية التي كانت سببا لمصائب أمتنا بمقياس التنافس على احتلال الأراضي العربية أو ارتكاب الانتهاكات وتسخير كل الطاقات حد إفقار الشعب الإيراني لتنفيذ مخططاته خارج حدوده، ابتداء من العراق بعد استثمار حماقة الاحتلال الأميركي.

إيران تؤدي مهمة الإجهاز على بقايا الدولة السورية، فالجولان المحتل بجغرافيته السورية المحدودة أجهزت عليه الطموحات الإيرانية بالاستيلاء على سوريا كدولة، ونَسَخَتها إلى أفغانستان أخرى وبذات المصادر الروسية والإيرانية والأميركية وأيضا التركية وذلك بتمويلها لميليشياتها الطائفية بما وفر لإسرائيل حجة حماية أمنها الحيوي، لأن إيران تتحدث عن أهمية القتال على الأرض السورية كجزء من دفاعها عن أمنها الوطني، أي عن إيران أولا، وكذلك تفعل روسيا في مبرراتها للقضاء على إرهاب الجماعات المتطرفة على حدودها أو داخل أراضيها، وأميركا أيضاً تدحر الإرهاب كي لا يستهدف مرة أخرى ولاياتها بعد تجربة الهجوم على البرجين في 11 سبتمبر 2001.

قصف مفاعل تموز العراقي من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي في 7 حزيران 1981 وبعد يومين من ذكرى نكسة حزيران 1967، وأثناء الحرب الطويلة بين إيران والعراق في ثمانينات القرن الماضي، كان تعاوناً صريحا في الأهداف واكتمل في توافق الرؤية الأميركية في معاقبة العراق تاريخيا، وفق التهديدات المسبقة والمعلنة وذلك بتسليمه إلى إيران وهي العدو اللدود مع علم الإدارة الأميركية بنوع العملاء الذين نصبتهم حكاما على مصير شعبه، وما سيتبع ذلك من جره إلى مستنقعات الحرب الأهلية والانتقام الطائفي.

التباهي بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية أو الانتصار بالحرب على الإرهاب، تحرك قطاره من محطة متزامنة بين الميليشيات الطائفية المسماة بالحشد الشعبي وبين قادة الحرس الثوري الإيراني الذين تبادلوا التهاني حين كان قاسم سليماني في قاطع عمليات البوكمال السورية؛ وبعدها محطة انتصار رئيس الوزراء حيدر العبادي التي انتهت برغبته بالانتصار في تحالفاته الانتخابية على غريمه وقائده زعيم حزب الدعوة نوري المالكي إن تمت الموافقة الإيرانية على تلك الرغبة، رغم أن الوقائع تؤكد غير ذلك ونعني به إرجاع العراق إلى توقيتات إرهاب نوري المالكي أو أحد قادة الميليشيات حيث الاحتلال الإيراني للعراق هذه المرة بنسبة 100 بالمئة.

روسيا في قاعدة حميميم السورية احتفلت بانتصارها على الإرهاب كليا، والرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطاب الاتحاد قال إنه فخور بالإعلان أن حملة القضاء على داعش أنجزت مهمتها بنسبة 100 بالمئة.

هل فعلا اكتملت المهمة؟ وإلى أي مهمة تتجه نسبة مؤشرات القضاء على الإرهاب؟ لم يعد في العراق ما يدعو إلى الحذر من استرجاع العراق لعافيته ولفترات ليست بالقصيرة، فالمهمة اكتملت بعد الاحتلال، بل إن المهمة أنجزت لحظة تفكيك مؤسساته وجيشه بأوامر الحاكم المدني وبنصائح ومشورة عملاء النظام الإيراني.

الرئيس الأميركي يشير بوضوح إلى عدم تكرار أخطاء سياسة الرئيس باراك أوباما التي وضعت إدارته وأميركا في هذا الموقف الخطر. ويعني به إضافة إلى التهديدات النووية لكوريا الشمالية الاتفاق الأسوأ في التاريخ، على حد تعبيره، أي الاتفاق النووي مع إيران الذي وصفه ترامب في جملة إحراجات بين وعده الذي قطعه بعدم الموافقة مرة ثانية على التوقيع لاستمرار رفع العقوبات عن إيران، وبين احتمال المزيد من العقوبات، وربما يكون ذلك مخرجا بديلا له قابلية الاستمرار في ضوء عدم إلغاء الاتفاق، وأيضا عدم فرض التعديلات على الاتفاق وهي تعديلات ترفضها إيران.

بعد خطاب الاتحاد قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد علي خامنئي، إن نفوذ إيران في المنطقة حتمي وسيستمر مع مواصلة دعم إيران للميليشيات وعدم تقليص النفوذ رغم الضغوط الأميركية.

قريباً جدا، ربما هي عبارة تجارية جدا لموعد افتتاح مشروع أو بداية ما على الأبواب، إلا أن دونالد ترامب استخدمها في خطاب الاتحاد لتنبيه الأعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب لمخاطر التهديد النووي. أما أبوابنا في العراق وسوريا وغيرهما فهي مفتوحة كمناطق للتجارة الحرة لكن لبضائع الإرهاب والمافيات التي تروج للبضائع الفاسدة والمحرمة والمزورة ومن كل المناشئ؛ مع هذا ما زال هناك من يعتقد أن الإصلاح الداخلي هو الطريق لتغيير النظام الإيراني.

كاتب عراقي

8