ترامب.. حسابات المخاطرة في التقارب مع تركيا وكسب الأكراد

أثارت السياسة المزدوجة الذي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إطار خططه للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية تساؤلات حلفائه الأوروبيين بشأن نوايا الإدارة الجديدة في ملف العلاقات التجارية مع تركيا والأكراد، ورغم ما فرضه وجود التنظيمات الإرهابية من تشكيل تحالف أميركي مع القوات الكردية لمحاربتها، إلا أن ترامب يتحرك نحو تأسيس تقارب إيجابي مع أنقرة من خلال عقد صفقات تجارية قد يكون ثمنها على حساب الأكراد.
السبت 2017/08/12
التحالفات الهشة تثير المخاوف

واشنطن - زاد فوز دونالد ترامب غير المتوقع في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2016 من التعقيدات المتعلقة بعلاقات واشنطن مع كل من أنقرة والأكراد. وطرحت تساؤلات عديدة بشأن السياسات التي يمكن أن تعتمدها إدارة ترامب تجاه تركيا والأكراد.

فهل سيستمر الرئيس الجديد في دعم القوى الكردية في سوريا التي تحارب داعش، أم سيعمل على الاستمرار على نهج التحالف التركي مع الناتو؟

في المقابل أثارت تصريحات ترامب الموجهة للحلفاء الأوروبيين بالناتو بشأن تحمّل المزيد من الأعباء المالية أثارت شكوكا ومخاوف متزايدة حول مستقبل الحلف، خاصة في ضوء الإعجاب الذي أبداه ترامب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين.

وهي عوامل قد تكون لها انعكاسات غير مباشرة أيضا بشأن نوايا الإدارة الجديدة في ملف العلاقات التجارية مع تركيا والأكراد، إلى جانب قضية الاستقلال الافتراضي لحكومة إقليم كردستان وموقف واشنطن من دعمها. ومن الصعب توقّع تصرفات أي رئيس أميركي جديد، فما بالك بدونالد ترامب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوجه اهتمامه إلى عقد صفقات تجارية مع تركيا قد يكون ثمنها على حساب الأكراد

الخطاب الضبابي لترامب

لقد طاف الرئيس الأميركي الجديد جميع جهات البلاد بتصريحاته وادعاءاته ليتراجع عنها أو يتجاهلها لاحقا بكل بساطة عندما يتبيّن أنها غير مناسبة. فعلاقة ترامب بالحقيقة والدقة ضعيفة جدا، وكثيرا ما يُهوّن من الملاحظات الملتهبة على أنها مجرد حديث خاص بين الرجال ولا يستحق أن يؤخذ بجدية.

وبالرغم من ذلك كله، يمكن للمرء أن يميّز عبر كل ذلك الضباب الخطابي البعض من المسالك العريضة التي ستحدد نهج العلاقات الأميركية مع تركيا والأكراد. لقد عبّر ترامب عن ولعه بالجهتين وصرّح عن رغبته في العمل والتعاون معهما على السواء.

فخلال الحديث عن المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا في العام الماضي صرح قائلا “أنا معجب كثيرا بالقوات الكردية، وفي الوقت ذاته لدينا احتمال بإمكانية أن تكون لنا علاقات ناجحة جدا مع تركيا، وسيكون من الرائع حقا إن استطعنا أن نجمع بينهما”.

ولا يمكن تجاهل أن ترامب يعتبر مستجدا في سياق إدراك العلاقات الجيوسياسية المعقدة خاصة بالشرق الأوسط، وهو ما يفسر خلطه سنة 2015 بين كلمتي “القدس” و”الأكراد”، وذلك عندما سئل خلال الحملة الانتخابية عن رأيه في قاسم سليماني، زعيم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

إضافة إلى كون ترامب يفتقد إلى الاطلاع الكامل على الفروق الدقيقة في القضية الكردية متعددة الأبعاد، فكيف سيعبّر عن إعجابه بمختلف أصناف الأكراد الذين يجب عليه التعامل معهم في تركيا وسوريا والعراق؟

من المعروف على مستوى السياسة الخارجية الأميركية، أن التعامل مع الملف الكردي يعتمد تقسيما ما بين التيارات المعتدلة أو ما يمكن أن يصطلح على تسميتهم بـ”الأكراد الطيبين” و”الأكراد الأشرار”، الذين يمثل حزب العمال الكردستاني بنزعته الراديكالية المتشددة أحد أبرز أطيافهم، ولكن هذه التصنيفات بحد ذاتها قد لا تعدّ توصيفا دقيقا أو ثابتا بقدر ما تخضع للمتغيّرات وما تفرضه متطلبات الوضع.

قوة تتلقى دعما أميركيا

دفع تفاقم خطر تنظيم داعش في العراق وسوريا الولايات المتحدة إلى دعم تنظيمات حليفة لحزب العمال الكردستاني، على غرار حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وأجنحتها التي تضم وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة.

وفي العراق عملت الولايات المتحدة بالفعل مع حزب العمال الكردستاني للمساعدة على إنقاذ الإيزيديين في جبل سنجار، عندما أطلق داعش هجوم الإبادة في حقهم في أغسطس 2014.

وقد يشك البعض في أن التوصيف الإرهابي لحزب العمال الكردستاني قد يترك جانبا في نهاية الأمر، بما أن الولايات المتحدة رفضت استخدامه في الحديث عن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردي وكذلك وحدات حماية المرأة. وعلى الرغم من جهل ترامب الظاهر في كل هذه المسائل، إلا أنه سيكون من الخطأ إنكار قدرته على التعلّم بسرعة ثم التطبيق.

دعم الحلفاء

يبدو الرئيس الجديد أكثر استعدادا للتعامل مع تركيا بإيجابية مقارنة بسلفه أوباما. وإذا تأكدت هذه النوايا فسيكون على ترامب الحسم في ثلاث نقاط مركزية محددة للتعاون بين تركيا مع الولايات المتحدة، والتي تشمل إنهاء التعاون مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وأجنحته الرديفة في سوريا، وتسليم المعارض والداعية الإسلامي فتح الله غولن الذي تدعي أنقرة مسؤوليته عن المحاولة الانقلابية الصيف الماضي، فضلا عن تنسيق الحرب ضد تنظيم داعش.

وواجه ترامب بعد مرور مئة يوم من تنصيب إدارته صعوبات في محاولته حل هذه المشاكل الثلاث. فمثلا، حاولت الولايات المتحدة في أكتوبر 2015 إيجاد صيغة عملية للمشكل الأول عن طريق إحداث ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية، والتي قامت بدمج وحدات حماية الشعب الكردي ووحدات حماية المرأة إلى جانب بعض العرب والمقاتلين الآخرين تحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي بهدف تجاوز الاعتراض التركي، لكن تركيا لم تقبل بهذه المعالجة التي كانت في معظمها مجرد تغيير في المسميات، وهو ما يزيد من تعقيد أي إمكانية لحل هذا الاختلاف خاصة بعد أن قرر ترامب على ما يبدو مواصلة دعم القوات الكردية في معاركها ضد داعش، عوضا عن دعم تركيا وحلفائها من المعارضة السورية.

وقد يمارس الرئيس الجديد قدرا أقل بكثير من الضغوط على تركيا بسبب مشاكلها الداخلية عموما وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان، إذ يوجه اهتمامه إلى عقد صفقات تجارية بين البلدين، قد يكون ثمنها على حساب الأكراد.

كما أن هذه الصفقات قد تساعد على إعادة تنشيط الاقتصاد التركي العليل. فبعد انتخابه مباشرة ذكّر ترامب مستمعيه بالقول “لدي مبنى كبير، كبير في إسطنبول. إنه منشأة ناجحة بشكل كبير. يسمى هذا المبنى برجي ترامب، إنهما برجان وليس واحدا فقط، ليس البرج الواحد الاعتيادي، إنهما اثنان”.

7