ترامب رئيس أميركي جديد يستثمر الإعلام الاجتماعي والخطاب الشعبوي

السبت 2016/11/12
نهج الرئيس ترامب سياسة غاضبة في قلب البيت الأبيض

واشنطن- ليلة ترقب وهدوء في ولاية فرجينيا المتأرجحة، العيون متربصة على شاشات التلفاز في حيّ عرف بغناه وبتنوعه الديني والعرقي، على أطراف العاصمة واشنطن بالقرب من أهم مكتب في العالم حيث البنتاغون. أول استطلاع رأي يظهر على شاشة التلفاز يوضح أن 68 بالمئة من الشعب الأميركي يدعم التغيير في سياسة واشنطن والبلاد. مناصرو المرشحة كلينتون في حالة ارتياح إلى حد ما. أما رموز الجمهوريين الذين ادّعوا أنهم لن ينتخبوا المرشح الجمهوري ترامب، أو بأنهم سينأون بأنفسهم عن هذه الانتخابات، فقد كانوا بحال لا تختلف عن حال نظرائهم من الديمقراطيين.

بدأت عملية عد المجمع الانتخابي وإذا بمؤشر المرشح الجمهوري يتقدم خطوة خطوة. مازال الكثيرون يتساءلون على الهواتف ومواقع رصد الانتخابات المستقلة والأخرى التابعة للحزبين، الكل يترقب ولايتي فلوريدا وكارولينا الشمالية. وها هي المؤشرات والنسب تعلو في تلكما الولايتين لصالح الجمهوريين شيئا فشيئا. صرخ أحدهم “يا إلهي هذا مستحيل، لا يمكن أن يكون حقيقيا، ترامب يتقدم في ولاية فرجينيا”.

ولاية فاز بها الرئيس أوباما لدورتين انتخابيتين وبنسب ساحقة. إنه تغير جوهري وصاعق للكل، الخبراء ومعطيات التوقعات الانتخابية التي كان الإعلام يتعاطى بها ويبثها على مدى الأيام الأخيرة من الانتخابات. وبدءاً من هذه اللحظة عرفت حملة كلينتون وأنصارها، ضمنياً أن هذه الليلة ستكون مظلمة وطويلة على هيلاري، مع أن أنصارها الشباب أخذوا يغزون كل المناطق في هذه الولاية المتأرجحة، طارقين الأبواب لحث الناخبين على الاقتراع لصالح مرشحتهم بعيون تدمع وأيدٍ ترتجف.

تغير قواعد اللعبة

استطاع الرئيس المنتخب دونالد ترامب قلب الموازين وصنع ما لم يُصنع. لقد غيّر كل قواعد اللعبة الانتخابية و السياسية، غير آبه بعلوم الاستطلاع ورأي صحافة وساسة واشنطن. ليفوز بالبيت الأبيض بـ290 صوتا في المجمع الانتخابي. يا له من فوز صاعق على الجميع. بداية سعي ترامب نحو المكتب البيضاوي كانت قبل عامين. عرف بخطابه العنصري ضد المجتمع اللاتيني والمسلم، فهاجم المهاجرين غير الشرعيين القادمين من المكسيك واصفاً إياهم بالقتلة والمغتصبين وحفنة من تجار المخدرات، متوعداً ببناء حائط فصل على الحدود الأميركية المكسيكية وإجبار المكسيك على تمويله. هاجم المجتمع الأقلوي، وتناول رجال السياسية التقليديين في الحزب الجمهوري. أهان السيناتور جون ماكين، وانتقد الجيش وتطاول على جنود مسلمين استشهدوا من أجل حروب أميركا.

القلق المتفشي بين ناخبي الطبقة العاملة في العالم الصناعي، يغذيه ترامب باستمرار، مراقبا ما حصل في المملكة المتحدة وتصويت "البريكست" في يونيو الماضي، الذي أوضح ارتفاع الشعبوية المحافظة والتي أصبحت اليوم حقيقة قائمة

استراتيجية ترامب كانت تعتمد دائما على شيء واحد، هو مخاطبة جمهوره الغاضب من سياسة أوباما الإقصائية والضريبية. ذلك الغضب الكبير الذي اجتاح البلاد بسبب أداء الحكومة الفيدرالية، قائلاً يوماً إنه يتفهم ما يريده المواطن الأميركي من السياسي الذي أصبح منغمساً في مستنقع واشنطن من أجل تحقيق مصالحه السياسية الخاصة على حساب مصالح المواطنين الذين انتخبوه. خطاب من أجل التغيير سمعناه من قبل، واستراتيجية اتبعت من قبل، في طريق أوباما عندما خاض معركة الانتخابات في العام 2008. راهن ترامب على إعادة بناء ائتلاف ريغان والذي ضم الكثير من الناخبين البيض، وخاطب الطبقة العاملة التي كان من المتوقع أن تصوّت للديمقراطيين وخاصة في الولايات المتأرجحة. واستغل خوف بعض المتطرفين من تغيير هوية أميركا وخاصة بعد السياسة الليبرالية المتبعة في الاقتصاد والمجتمع والسياسة الخارجية.

ترامب الحقيقي

استطاع أن يستغل القلق المتفشي بين ناخبي الطبقة العاملة في العالم الصناعي، مراقباً ما حصل في المملكة المتحدة وتصويت “البريكست” في يونيو الماضي، الذي أوضح ارتفاع الشعبوية المحافظة، والتي أصبحت اليوم حقيقة قائمة. الكثير من الناخبين البيض في أميركا كانوا يبثون أخباراً تشي بكونهم غير راضين عن خطاب ترامب. كانت لـ”العرب” لقاءات كثيرة مع عدد كبير من الناخبين ومن فئات مختلفة من المجتمع الأميركي في ولاية فرجينيا والتي يعرف مجتمعها القريب من واشنطن بتنوعه وانخراطه بالعمل السياسي والعسكري.

معظم من سألناهم أكدوا لـ”العرب” موقفهم بالنأي بأنفسهم عن هذه الانتخابات التي سادتها السلبية والتفرقة. ولكن في نفس الوقت الكثير منهم عبّر عن الغضب من سياسة أوباما المتفردة الإقصائية، بل عن الامتعاض الكبير من سياساته على جميع الأصعدة القومية والاقتصادية والخارجية. كان إحساس الكثيرين بأنهم غير مشمولين بالعملية السياسية قوياً. لذا نرى أن الكثير من الولايات الصناعية كولاية أوهايو وميشيغن ووسكانسن وبنسلفانيا كانت من حصة ترامب.

خطاب كراهية وتفرقة أعلنته حملة الرئيس المنتخب ترامب. لم تشارك أصوات السود ولا المهاجرون معه، وكان تأثير المارد الأبيض الذي خرج من الفانوس كبيراً. تلك الأغلبية البيضاء التي ترى أن هوية البلاد قد تتغير في حال جاءت سيدة لتحكم البيت الأبيض. استطلاعات الرأي بعد إعلان النتائج تظهر أكثر من 36 بالمئة من الأميركيين خائفين من نصر ترامب وأكثر من 20 بالمئة يعبّرون عن قلقهم. أسواق أوراق الأموال تهتز بشكل حادّ رغم أن المنتخب هو رجل أعمال كبير وصاحب إمبراطورية اقتصادية عملاقة.

استراتيجية ترامب تعتمد دوما على شيء واحد، هو مخاطبة جمهوره الغاضب من سياسة أوباما الإقصائية والضريبية. ذلك الغضب الكبير الذي اجتاح البلاد بسبب أداء الحكومة الفيدرالية

فتاة أدلت بصوتها للمرشحة كلينتون في منطقة فرجينيا تقول لـ”العرب”، “لا أعلم من هو ترامب؟ هل هو ذاك الذي قال في خطاب نصره إنه رئيس لجميع الأميركيين؟ أو هو الذي قال إن كلّ اللاتينيين مجرمون؟”. قلق وحذر يشوب الأجواء العامة من هذا الفوز المفاجئ. إذ لطالما سوّق دونالد ترامب نفسه على أساس الرجل القوي الذي لا يستسلم بسهولة، وقد ظهر هذا جلياً في حملته الانتخابية واثقاً من انتصاره رغم أن الكثير من العاملين معه كانوا غير واثقين.

ترامب رجل الأعمال الثري ارتبط اسمه بعالم الجمال والنساء والبناء والتجارة. علاقته وطيدة بعائلته التي وقفت معه في الانتخابات بشكل كبير وانخرطت في العمل السياسي تماماً. فهو أب متحمّس لأولاده ولنجاحاتهم. أبناؤه شركاء له في إمبراطوريته الاستثمارية، ويبدو أن دوراً كبيراً سينتظرهم في عالم القيادة، وخاصة ابنته الكبرى إيفانكا ترامب سيدة الأعمال الناجحة التي تهتم بقضايا المرأة والطفولة.

انفراجٌ وفرح في أوساط المجتمع الأبيض، ها هي الولايات الأميركية تعود لهم بعد 8 سنوات من تحكّم مجتمع الأقليات بها. ناخب جمهوري أبيض قال لـ”العرب”، “لطالما قيل عنا أصحاب الرقاب الحمراء وأننا ضد الجميع. ولكن دعّمنا الحزب الديمقراطي طويلاً، ودعّمنا سياساته وقادته. ولكننا اليوم نحتاج تغييرا جذريا وإعادة للقوة إلى الولايات المتحدة الأميركية من خلال بناء اقتصاد متعافٍ وجيش لا يهزم”.

ماذا يريد الأميركيون

يبحث الأميركيون من مناصري ترامب الذين اتضح أن نسبتهم كبيرة، عن رونالد ريغان جديد. يريدون دولة الرفاهية والأسواق الحرة الأكبر من المارد الصيني. يريدون أن يكونوا القوة العظمى التي تتحكم بالاقتصاد العالمي. كل هذا سيعود بعد عودة السلطة إلى الأغلبية البيضاء والرأسمالية الصحيحة صاحبة الأسواق الحرة والحكومة اللامركزية. وهذا ما وعد به ترامب الرئيس المنتخب، من خلال عقد اتفاقيات تجارة ذكية، ومن خلال الانقضاض على ذلك الشبح الصيني وبسط هيمنة أميركا على العالم من خلال اقتصادها، ومن خلال شخصية ترامب غير المبالية والجريئة.

يؤمنون أنه سيكون قادراً على اتخاذ القرارات، غير مكترث تجاه الحسابات السياسية. وخاصة في المؤسسات الحزبية التقليدية التي حاربته منذ البداية بسبب استقلاله عنها. ولكن السؤال الذي يسأله المراقبون، كيف لمثل هذه الشخصية الهجومية أن تعمل مع مجلسي النواب والشيوخ الجمهوريين وفيها عدد كبير من شخصيات قاومت ترامب بعنف وبشكل علني؟

عرف ترامب بخطابه العنصري ضد المجتمع اللاتيني والمسلم، فهاجم المهاجرين غير الشرعيين القادمين من المكسيك واصفاً إياهم بالقتلة والمغتصبين

المجتمعات العربية، كانت لـ”العرب” وقفة خاصة مع أكبر تجمع بينها، وهو في مدينة ديربون الواقعة في ولاية ميشيغن والتي فاز بها ترامب فوزاً كبيراً. لقد كان صادماً انتخاب عدد من العرب المسلمين لترامب، حيث أوضح استطلاع رأي ظهر قبل أسبوعين من يوم الاقتراع أن 12 بالمئة من الأميركيين العرب يتفقون مع نهج ترامب. وإن كانت هذه النسبة حقيقة فهذا لا يعكس ما كان يسوّق له المثقفون العرب من ترهيب الناخبين العرب من ترامب، فقد ركزوا في حملاتهم ضده على أنه رجل عنصري مناهض للإسلام والعرب.

جاء خطاب نصر ترامب في الساعة الثالثة فجرا من يوم الأربعاء حيث شكر فيه أنصاره وأطرى على كلينتون التي خابرته هاتفياً مباركة له النصر. قال إنه سيعمل على مصلحة الأميركيين جميعاً، وعلى مصلحة أميركا أولاً، وأنه سيكون رئيساً لجميع الأميركيين. أكّد في خطابه على العمل على توحيد الصفوف والبلاد المنقسمة بشكل كبير. خطاب مغاير لما كنا عهدناه لمدة عامين.

أسئلة مفتوحة حول ماهية سياسة البيت الأبيض تحت عهد ترامب؟ ماذا عن الوعود التي قدمها لناخبيه حول أمن الحدود و بناء حائط العزل بين أميركا والمكسيك؟ وماذا عن إعادة المهاجرين غير الشرعيين والذين تفوق أعدادهم العشرة ملايين مهاجر؟ وماذا عن منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة؟ وماذا عن تهديده بتشكيل محكمة خاصة لمحاسبة هيلاري كلينتون وتشكيل محكمة خاصة تنظر في قضية البريد الإلكتروني المسرب؟

وماذا عن خطة أوباما الخاصة بالرعاية الصحية والذي وعد بإعادة صياغتها؟ وعن دعم الناتو الذي ردّد مراراً أنه سيوقفه في حال أصبح رئيساً؟ وماذا عن الاتفاق الإيراني الذي قال إنه سيمزقه؟ وماذا عن الملفات الساخنة في الشرق الأوسط كالعراق وسوريا وقضية اللاجئين ومحاربة داعش؟ ماذا عن السياسة الأميركية مع الدب الروسي وبوتين؟ كلها أسئلة تحتاج إلى أجوبة في المستقبل القريب وسوف تتوضح في عملية نقل السلطة لفريق عمله.

فريق ترامب

عن فريق ترامب تقول المصادر لـ”العرب” إن الأسماء التي تم تداولها بالفعل بشكل قويّ، كلها من معسكر اليمين المتشدد والمؤمنة بسياسة التدخل، أغلب هؤلاء عمل مع الرئيس جورج بوش الابن، ومن بينهم رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش عمدة ولاية نيويورك، ورودي جولياني وهو رئيس مهمة نقل السلطة، وجون بولتون السفير السابق بالأمم المتحدة، وكريس كريستي عمدة ولاية نيوجرسي، والمرشح الأول لوزارة الخارجية السيناتور بوب كروكر وهو من كبار خصوم سياسة أوباما في سوريا.

ترامب رجل الأعمال الثري ارتبط اسمه بعالم الجمال والنساء والبناء والتجارة. علاقته وطيدة بعائلته التي وقفت معه في الانتخابات بشكل كبير وانخرطت في العمل السياسي تماماً

أما المرشح لوزارة الدفاع فهو السيناتور جيف سايشنز والذي وعد بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران، والجنرال مايكل فلن كبير المستشارين للأمن القومي والاستخبارات، ورينس بريبس المرشح ليكون كبير الموظفين، بالإضافة إلى رجل الأعمال كار إيكان للخزانة الأميركية. أسماء كثيرة يتم تداولها من عهد جورج بوش ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس، تضاف إلى اسم ستيفن هاردلي الذي كان كبير المستشارين في السياسة الخارجية في زمن بوش الابن.

رفض ترامب دفع الأموال لشراء إعلانات تلفزيونية في حملته. في الوقت الذي غزت فيه إعلانات المرشحة كلينتون وسائل الإعلام. اتبع استراتيجية الإعلام الاجتماعي مثل الفيسبوك وغيره، حتى أنه في آخر أيام حملته فتح بثاً مباشراً متلفزاً خاصاً بحملته، لأنه يعلم تماماً أن وسائل الإعلام التقليدية لن تتعاطف معه، حيث اتهمها مراراً بأنها غير حيادية. متابعو الإعلام الأميركي الليبرالي وحتى اليميني منه، لم يكونوا متعاطفين مع ترامب ولم ينصفوه. كل الإعلام كان متعاطفاً مع كلينتون، وبدا هذا جلياً للمشاهد، خاصة في المناظرات. لم يقتصر هذا فقط على الإعلام الأميركي، بل أيضا كان واضحا من التغطيات في الإعلام الأوروبي والعربي.

لجأ ترامب إلى نفس أسلوب أوباما في حملته الانتخابية الأولى فجعل من التويتر منصة لشغل العالم ومخاطبة أنصاره برسائل لا تزيد عن 130 حرفاً. وما أغفله الإعلام كان حجم مشاعر الشعب الأميركي السيئة بسبب ما آلت إليه أميركا في عهد أوباما، حيال حكومة متخمة بالموظفين لا تعمل بشكل فعال، وارتفاع في نسبة الضرائب وخلق برامج حكومية يستطيع القطاع الخاص تنفيذها، وضمان صحيّ أقرب للاشتراكي كلف خزينة الدولة الكثير من أموال دافعي الضرائب. كل هذا لم يقم الإعلام الأميركي بتسليط الضوء عليه ففشل بعكس حجم غضب المواطن الأميركي في الولايات والمدن الصغيرة.

12