ترامب في السعودية.. قمة إعادة الاستقرار للمنطقة وإحياء العلاقات التاريخية

شكلت زيارة الرئيس الأميركي للسعودية منعطفا في تاريخ العلاقات بين البلدين. وأحيت الزيارة التحالف التقليدي والتاريخي بينهما. وعمد ترامب إلى استرجاع متانة العلاقات مع السعودية وتدارك تبعات أخطاء الرئيس السابق باراك أوباما، لما تمثله السعودية من قوة إقليمية في الشرق الأوسط. ووجه من حاضنة قبلة المسلمين خطابا يدشن به صفحة جديدة مع العالم الإسلامي، ويختار السعودية ودول الخليج لتشكيل تحالف يتخذ من التصدي لتوسع إيران استراتيجية وإن اختارت الثوب الإصلاحي بتجديد انتخاب حسن روحاني في ولاية رئاسية جديدة.
الاثنين 2017/05/22
التاريخ يعيد نفسه من جديد

الرياض – جددت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسعودية، الزيارة الخارجية الأولى في حقبته الرئاسية، العلاقات التاريخية بين البلدين، وأحيت تحالفا تقليديا ساهم في استقرار إقليمي ودولي.

وعكس استقبال الرئيس الأميركي، ذي التوجه الشعبوي، في قصر اليمامة بالرياض رغبة سعودية أميركية في تصحيح مسار العلاقات الثنائية التي توترت في عهد سلفه السابق باراك أوباما.

وتلقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب السبت استقبالا حافلا في المملكة العربية السعودية وحصد عقودا بلغت قيمتها أكثر من 380 مليار دولار، بينها 110 مليارات هي قيمة عقود تسلح تهدف إلى مواجهة “التهديدات الإيرانية”.

وعقد ترامب لقاء قمة مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بحضور كبار مسؤولي البلدين، كما أجرى لقاءات ثنائية مع مسؤولين سعوديين.

وأكد مساعدون للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن جولته الخارجية الأولى هي “استعراض رمزي أمام حلفاء الولايات المتحدة المقربين، الذين تأمل إدارة ترامب في أن يجددوا جهودهم لمواجهة التطرف والتعصب حول العالم.

ويأمل ترامب خلال جولته الأولى في أن يعبر عن ثقته في حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، إذ تدعي إدارة ترامب أن إدارة سلفه باراك أوباما تجاهلتهم، في إشارة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وتجنب زيارة إسرائيل خلال رحلته الأولى للمنطقة عام 2009.

الرئيس الأميركي ترامب يسعى خلال زيارته للسعودية إلى إعادة تنظيم الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط

وتتناقض الحفاوة التي حظي بها ترامب في السعودية، من باب الطائرة إلى مقر إقامته ثم في قصر اليمامة الملكي، مع الاستقبال البرتوكولي لسلفه الرئيس السابق باراك أوباما الذي زار السعودية في أبريل 2016 والذي شابت العلاقات بين إدارته والمملكة توترات على خلفية الاتفاق النووي الموقع مع إيران.

ودخلت العلاقات الأميركية السعودية في حالة فتور بعد توقيع إدارة الرئيس السابق أوباما الاتفاق النووي الإيراني، وهو الأمر الذي رآه عدد من المراقبين بأن الرياض ستكون مجبرة مستقبلا على تنويع حلفائها، وفسره المحللون على أنه تقارب أميركي إيراني على حساب العلاقات السعودية الأميركية.

وقال الكاتب الصحافي السعودى محمد الساعد في تصريحات لوسائل إعلامية إن “العلاقات الأميركية السعودية شهدت ثماني سنوات عجاف في ظل وجود الإدارة السابقة بقيادة باراك أوباما، وكانت العلاقات بين البلدين باردة، ولكن الآن بزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأخذ العلاقات السعودية الأميركية منحى جديدا”.

وتتطلع الرياض إلى الحصول على تأكيدات أن إدارة ترامب ستواصل نهجها المتشدد إزاء إيران وتواصل ضغوطها لوقف ما ترى السعودية أنه أنشطة مزعزعة لاستقرار المنطقة من جانب طهران.

ويصنف ترامب إيران بالخطر الإقليمي ويعد طموحها تهديدا لمستقبل السلام العالمي، وانتقد منذ أن كان مرشحا للحزب الجمهوري وفي حملته الانتخابية الاتفاق النووي الإيراني، معربا عن رغبته في “تمزيقه”.

وتعمد طهران إلى بث الفوضى في المنطقة العربية بخوضها حروبا بالوكالة في كل من سوريا والعراق وتوظيف الطائفية للتحريض على الفتنة وتقسيم المنطقة وفق مخططاتها البراغامتية واسترجاع نفوذها الفارسي اللآفل.

ووصف معهد المشروع الأميركي لأبحاث السياسة العامة إيران بأنها “لاعب دولي خطير ومتطور”. وحذّر من استمرار طهران في بسط نفوذها الإقليمي عبر “القوة الناعمة” كإحدى الوسائل المتاحة ضمن “حزمة من الخيارات في منظومة تعدد الاستراتيجيات التي باستطاعتها البناء عليها والمزج بين وسائل أخرى لبلوغ نتائج أشد فعالية”.

ولن تكف إيران عن سياساتها التخريبية في المنطقة رغم انتخاب حسن روحاني الإصلاحي المعتدل رئيسا لإيران السبت، فكل من يتولى السلطة في طهران لا يخضع إلا لسلطة المرشد الأعلى خمائني ولا يتبع إلا توجيهاته المتشددة. ورغم أن شعبها اختار الثوب الإصلاحي إلا أن تجربة الولاية الأولى لروحاني أثبتت أن التشدد والإصلاح وجهان لصورة واحدة تعكس الولاء لتعليمات المرشد.

رغبة سعودية أميركية في تصحيح مسار العلاقات الثنائية

التصدي للطموح الإيراني

وجه دونالد ترامب في زيارته للسعودية خلال يوم التصويت الشعبي لاختيار الرئيس الإيراني الجديد، ولقائه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز رسالة إلى الرئيس المنتخب بأن واشنطن ستشكل تحالفا استراتجيا مع حلفائها لمواجة طموحها التوسعي.

واجتمع الرئيس الأميركي مع دول مجلس التعاون الخليجي الست في إطار جهوده لمعادلة قوة إيران بقوة عربية على غرار حلف شمال الأطلسي.

وبعد سنوات من الفتور في ظل إدارة باراك أوباما على خلفية الاتفاق النووي مع طهران، وجدت دول الخليج في ترامب حليفا تعيد معه بناء العلاقة التاريخية مع واشنطن.

وتتهم دول الخليج إيران بالتدخل في شؤون دول المنطقة، وبينها البحرين التي تسكنها غالبية من الشيعة وتشهد اضطرابات داخلية منذ عام 2011.

وتجد هذه الدول في إدارة ترامب آذانا صاغية تتفاعل مع قلقها من “التدخلات الإيرانية”، خصوصا مع تكثيف مسؤولي هذه الإدارة اتهاماتهم لطهران بزعزعة استقرار المنطقة وتلويحهم باتخاذ إجراءات بحق الجمهورية الإسلامية.

ودعا وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون السبت الرئيس الإيراني حسن روحاني بعد فوزه بولاية ثانية إلى العمل على “تفكيك” ما أسماه “شبكة إيران الإرهابية” وإلى وقف اختبارات الصواريخ البالستية.

واعتبر خبراء ومحللون سياسيون أن القمة الأميركية السعودية رسالة دعم “أميركية للمملكة ضد إيران، لا سيما مع تشابه وجهات نظر المملكة والإدارة الجديدة بالولايات المتحدة تجاه طهران في الفترة الحالية”.

ويخيم التوتر بين السعودية وإيران بسبب عدد من الملفات، أبرزها الملف النووي الإيراني الذي ترى الرياض أنه يهدد أمن المنطقة، والملفان اليمني والسوري؛ حيث تتهم السعودية إيران بدعم نظام بشار الأسد بسوريا وتحالف مسلحي “الحوثي” باليمن.

ولفت محللون إلى أن السعودية نجحت في إقناع الولايات المتحدة بأهميتها كلاعب إقليمي يحمل على عاتقه حماية الأمن القومي العربي، باعتبارها القوة المهيمنة في الشرق الأوسط ولديها القدرة على توفير المساعدات وجمع الدول العربية على طاولة واحدة.

وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في مؤتمر صحافي الخميس الماضي، ردا على سؤال حول ما تتوقعه الرياض من ترامب في ما يتعلق بإيران، إنه “بعد الاتفاق النووي أصبحت طهران أكثر عدائية؛ تُهرب سلاحا للحوثيين، تتدخل في سوريا، وتشارك في التوتر في العراق، وتدعم الإرهاب، وتحاول تقويض الاستقرار في المنطقة”.

وتقود الرياض في اليمن المجاور منذ مارس 2015 تحالفا عسكريا عربيا في مواجهة المتمردين الحوثيين وإلى جانب قوات الرئيس عبدربه منصور هادي، وترفض تدخل حزب الله إلى جانب قوات النظام في سوريا.

ولفتت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إلى أن “الرئيس دونالد ترامب يسعى خلال زيارته للسعودية إلى إعادة تنظيم الدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط؛ من خلال تأكيد الدعم الأميركي القوي للدول الإسلامية السنّية وإسرائيل ضد إيران”.

وعلى غرار التصدي للخطر الإيراني تناولت أعمال القمة الإسلامية العربية الأميركية مكافحة المسلحين الإسلاميين المتطرفين وسبل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

تجد دول الخليج في إدارة دونالد ترامب الجديدة آذانا صاغية تتفاعل مع قلقها من التدخلات الإيرانية في المنطقة

مواجهة التطرف

في أول ظهور له على الساحة الدولية خاض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأحد في السعودية، في اليوم الثاني من زيارته للمملكة، امتحانا بالغ الخطورة وهو “إلقاء خطاب حول الإسلام”.

وإذا كانت هذه المهمة شائكة بالنسبة إلى أي رئيس أميركي، فإن الخطاب الناري الذي امتاز به قطب العقارات خلال الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض والأوامر التنفيذية المثيرة للجدل التي أصدرها بعيد تسلمه مفاتيح المكتب البيضوي لمنع مواطني دول مسلمة من الدخول إلى الولايات المتحدة، والتي جمدها القضاء لاحقا، تجعل مهمة ترامب هذه أكثر صعوبة.

ويأتي الخطاب في وقت يحاول فيه ترامب التغلب على تداعيات قراره بإقالة مدير مكتب التحقيقات الاتحادي جيمس كومي في التاسع من مايو الماضي، وسط اتهامات بأن ترامب يحاول وقف تحقيق اتحادي في روابط حملته الانتخابية مع روسيا العام الماضي. وجاء في مقتطفات من خطاب ترامب وزعها البيت الأبيض على الصحافيين “إنها معركة بين مجرمين متوحشين يريدون إبادة الحياة البشرية وأناس متحضرين من كل الديانات يريدون حمايتها”.

ويجسد خطاب ترامب جهوده لفتح صفحة جديدة مع العلاقات مع العالم الإسلامي بعد هجومه المتكرر على المسلمين خلال حملته الانتخابية العام الماضي ومحاولة فرض حظر على سفر الكثير منهم إلى الولايات المتحدة.

وفي مسعى لاحتواء فضيحة سياسية تختمر في بلاده بدأ ترامب أول جولة خارجية منذ توليه الرئاسة للسعودية حيث ألقي كلمة أمام القمة العربية الإسلامية الأميركية.

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال خطاب ألقاه الأحد في القمة العربية الإسلامية الأميركية قادة الدول المسلمة المجتمعين في الرياض إلى مكافحة “التطرف الإسلامي” وعدم انتظار الولايات المتحدة لتقوم بهزيمة “العدو” نيابة عنهم.

وشدد ترامب على ضرورة أن تؤدي الدول العربية والخليجية دورا أكبر في مكافحة الإرهاب. ومن الواضح أن ترامب اعتمد لهجة مختلفة تماما عن تلك التي اعتمدها خلال حملته الانتخابية في مقاربته للإسلام والتي اتهم بسببها بإذكاء العداء للإسلام.

خطاب ترامب يجسد جهوده لفتح صفحة جديدة مع العلاقات مع العالم الإسلامي بعد هجومه المتكرر على المسلمين خلال حملته الانتخابية العام الماضي

وقال في خطابه إن مكافحة الإرهاب “ليست حربا بين الأديان المختلفة، أو المذاهب المختلفة، أو الحضارات المختلفة”.

وتابع “إنها معركة بين المجرمين البرابرة الذين يسعون إلى القضاء على الحياة، والناس الاتقياء من كل الأديان الذين يسعون إلى حمايتها”، مضيفا “إنها معركة بين الخير والشر”.

واعتبر عضو مجلس الشورى السعودي عبدالرحمن هيجان خلال تصريحات إعلامية أن “زيارة ترامب تحمل عدة مضامين، أولها توجهه لحاضنة قبلة المسلمين، فهو يدرك أن مجيئه للسعودية يعني خطابه لكل المسلمين في كل أنحاء العالم”.

ووقعت دول مجلس التعاون الخليجي الست والولايات المتحدة في الرياض الأحد مذكرة تفاهم لإنشاء مركز لمكافحة “تمويل الإرهاب”، خلال قمة جمعت الرئيس الأميركي دونالد بقادة الخليج.

واتجهت الأنظار نحو خطاب ترامب لا سيما بسبب اللهجة الناقدة للإسلام التي انتهجها قطب العقارات خلال حملته الانتخابية والأوامر التنفيذية المثيرة للجدل التي أصدرها بعيد وصوله إلى الرئاسة لمنع مواطني دول مسلمة من الدخول إلى الولايات المتحدة، والتي جمدها القضاء لاحقا.

ومع أن المرشح الشعبوي كان معروفا بتصريحاته المدوية والصاعقة إلا أن اقتراحه هذا، الذي سريعا ما تخلى عنه، أثار غضبا عارما في العالم الإسلامي وشكل صدمة لغالبية الأميركيين الذين طمأنهم منافسو ترامب بأن دستور الولايات المتحدة يمنع أي تفرقة على أساس الديانة.

وأشارت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إلى أن تصميم ترامب على أن تكون السعودية محطة انطلاق أولى جولاته الخارجية كرئيس للولايات المتحدة، بدا “مثيرا للغرابة” منذ البداية، لا سيّما وأنها أحد أقدس الأماكن الدينية، لدين يعتبره ترامب “مُعاديا لهم”، وهو الإسلام، فضلا عن زعمه بأن المملكة كانت ستفقد كيانها لولا ارتدائها عباءة “الحماية الأميركية”.

لكن ترامب المرشح هو غير ترامب الرئيس، فبعد عام ونيف على هذه التصريحات من المرجح أن زعيم أقوى دولة في العالم اعتمد لهجة أكثر اعتدالا قد لا تكون في نهاية المطاف بعيدة جدا عن تلك التي اعتمدها سلفاه باراك أوباما وجورج بوش الابن.

وكان جورج بوش الابن زار بعد أيام قليلة من هجمات 11 سبتمبر 2001 التي تبناها تنظيم القاعدة مسجدا في واشنطن وألقى خطابا أكد فيه “الإسلام هو السلام”، مشددا على أن “وجه الإرهاب” لا يمت بصلة إلى هذه الديانة التي يؤمن بها المئات من الملايين حول العالم.

أما باراك أوباما فاختار في يونيو 2009 في مطلع عهده جامعة القاهرة ليلقي منها خطابا تناول فيه نظرته إلى الإسلام.

ويومها استهل الرئيس الديمقراطي خطابه قائلا بالعربية “السلام عليكم”، متوجها إلى مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، قبل أن يدعو إلى وضع حد “لحلقة الارتياب والشقاق”، مضيفا “جئت أبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم”. وغادر الرئيس الأميركي الـ45 الرياض الإثنين متوجها إلى إسرائيل، المحطة الثانية في جولة مثقلة بالمواعيد. وسيشارك في بروكسل ثم صقلية في قمتي حلف الأطلسي ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى.

ولا تزال داخل الولايات المتحدة ارتدادات الزلزال السياسي الذي أحدثته في واشنطن إقالة ترامب لمدير الـ”إف بي آي” تتوالى، وكذلك تلك المتعلقة بالتحقيق في وجود صلات بين أعضاء من فريق الرئيس وروسيا.

ومع هذا غادر الرئيس الأميركي واشنطن الجمعة، وحمل نفسه متوجّها إلى السعودية، تاركا وراءه فضيحة متصاعدة تتعلق بتعامله مع التحقيق في صلات جمعت بين فريق حملته الانتخابية مع روسيا وفق ما ذكرته واشنطن بوست الأميركية.

7