ترامب في السعودية لطمأنة الحلفاء وتنشيط الأعمال ومناقشة التطرف

بحنكة رجل أعمال ناجح ومسلّح بفريق عمل وصفه خبراء بأنه من "أفضل وأمهر" ما يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه، يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على معالجة إخفاقات إدارة سلفه باراك أوباما خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، حيث غطت الرغبة في توقيع الاتفاق النووي على بقية المصالح الأميركية الحيوية في المنطقة وأثرّت سلبا على العلاقات مع الحلفاء دون أن تضمن التزام إيران بوعودها. وبغاية تصويب ما خرج عن مساره اختار ترامب أن تكون السعودية أول وجهة يزورها في أولى زياراته الخارجية الرسمية.
الخميس 2017/05/18
ماتيس يمهد الطريق لترامب

واشنطن – تركت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على مدى السنوات الثماني الماضية في كل منطقة من مناطق العالم الهامة للولايات المتحدة أعداء وحلفاء متوتّرين وفوضى عارمة، لكنها في نفس الوقت شكلت دافعا هاما للقوى والدول الكبرى في الشرق الأوسط لإعادة النظر في سياساتها وتوجهاتها ودفاعاتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

يتوجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب السبت إلى السعودية في أولى زياراته الخارجية الرسمية، لكن ومثلما جاءت مرحلة أوباما برئيس مختلف فإنها جاءت أيضا بحلفاء مختلفين، الأمر الذي يجعل من القمة الأميركية السعودية تاريخية بكل مقاييسها وتوجهاتها ومخرجاتها.

عندما يلتقي الرئيس الأميركي بالمسؤولين السعوديين في الرياض السبت يمكنه أن يتوقع استقبالا أفضل مما استقبلت به المملكة سلفه باراك أوباما الذي اعتبرته الرياض متساهلا مع إيران وصاحب موقف فاتر فيما يتعلق بعلاقة تعد دعامة للتوازن الأمني في الشرق الأوسط.

لكن، أيضا عليه أن يتوقع أنه سيستقبل بمزيج من الترحاب والقلق. وتتطلع الرياض إلى الحصول على تأكيدات بأن إدارة ترامب ستواصل نهجها المتشدد إزاء إيران وتواصل ضغوطها عليها من خلال التصريحات والتصرفات لوقف الأنشطة المزعزعة لاستقرار المنطقة من جانب طهران، وهو أمر تعترف به الإدارة الأميركية.

وتعد زيارة ترامب للسعودية المحطة الأولى في أول جولة خارجية له منذ توليه منصب الرئاسة في يناير الماضي. ويحرص المسؤولون الأميركيون والسعوديون على تسليط الضوء على الرمزية الكبيرة في اختيار الرئيس الأميركي أن يكون مهد الإسلام أول محطة له بدلا من كندا والمكسيك المتاخمتين للولايات المتحدة.

ويوضح إليون أبرامز، الباحث بمجلس العلاقات الخارجية، أنه “من الملفت للنظر أن ترامب أوضح خلال حملته الانتخابية أنه يسعى للخروج من الحروب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط الكبير، ومع ذلك يستهل جولته الخارجية بزيارة هذه المنطقة”.

من المتوقع أن يعلن ترامب عن مبيعات كبرى للأسلحة للسعودية وإجراء مباحثات حول الصراعات في اليمن وسوريا وإيران

واستعدادا لزيارة الرئيس الأميركي أطلقت الرياض موقعا إلكترونيا خاصا بما وصفته بـ”الحدث التاريخي”. وتحت شعار “العزم يجمعنا”، يتصدر صفحة الموقع عدّ تنازلي باليوم والساعة والدقيقة والثانية لوصول ترامب إلى المملكة، مرفقا بعبارة “القمة العربية الإسلامية الأميركية – قمة تاريخية لغد مشرق”.

وقال الموقع إن الاجتماع بين ترامب والمسؤولين من دول عربية ومسلمة يجدد التزام المشاركين فيه بـ”الأمن العالمي والشراكات الاقتصادية الراسخة والعميقة والتعاون السياسي والثقافي البناء”.

وفي خطوة تؤكد على تغيّر السياسيات الدفاعية والاستراتيجية وعلى تصميم السعودية للاضطلاع بدورها كمحرك محوري لإرساء رؤية لدى العالمين العربي والإسلامي، خصوصا في ظل الظروف العالمية الراهنة وفي سياق الحرب على الإرهاب، وجّهت الرياض دعوات إلى قادة دول عربية وإسلامية لحضور قمة عربية إسلامية أميركية ستستضيفها الرياض في الحادي والعشرين من مايو بمناسبة زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لها.

وإلى جانب لقاء المسؤولين السعوديين سيجتمع ترامب أيضا مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست ويتناول الغداء مع قادة أكثر من 50 دولة إسلامية في مسعى ينظر إليه البعض من المراقبين على أنه محطة رئيسية لتقريب وجهات النظر خصوصا في ظل الاتهامات الموجهة لترامب بمعاداة المسلمين بعد أن أصدر أمرا تنفيذيا يحظر دخول مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة استنادا إلى مخاوف على الأمن القومي. وأوقفت محاكم أميركية العمل بهذا الأمر.

وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض إن النقاش في لقاء ترامب مع قادة مجلس التعاون الخليجي سيدور حول كيفية تدعيم هياكل المجلس الذي يضم في عضويته البحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر والسعودية والإمارات لزيادة فعاليتها.

الولايات المتحدة تقف مع حلفائها المقرّبين في المنطقة ولا تتخلى عنهم

رسالة واضحة

ترسل زيارة ترامب “رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة تقف مع حلفائها المقرّبين في المنطقة ولا تتخلى عنهم”، على حد ما صرّح به مسؤول سعودي كبير لوكالة رويترز، فيما يعكس رأي الكثير من القادة الخليجيين في أوباما الذي اعتبروا أنه منح الاتفاق النووي مع إيران أولوية أكبر من التحالف الأميركي الخليجي.

وكانت زيارة أوباما للسعودية في أبريل 2016 قد طغت عليها مشاعر الغضب في منطقة الخليج من نهجه في المنطقة وشكوك في مدى التزام واشنطن بالأمن الإقليمي.

وفي إشارة إلى وجهات نظر دول الخليج عن قيام إيران بدور من خلال قوى تعمل لحسابها في الصراعات الإقليمية في سوريا والعراق والبحرين واليمن قال المسؤول “هذه الإدارة (الجديدة) تأتي.. وتقول ‘لا. انتظروا لحظة’. إيران نشطة”.

وكانت إدارة ترامب وصفت الاتفاق النووي مع إيران بأنه “أسوأ اتفاق” تم التفاوض عليه على الإطلاق ووجه مسؤولون كبار في الإدارة انتقادات متكررة لتصرفات إيران في دعم الرئيس السوري وأنشطتها الصاروخية ودعمها لجماعات متشددة في المنطقة.

وقال مصطفى العاني، مدير برنامج الأمن والدفاع في مركز الخليج للأبحاث في جدة، إن قادة الخليج يودون أن “تصنف الولايات المتحدة الميليشيات التي تحظى بدعم إيراني ضمن الجماعات الإرهابية”.

وتتطلع السعودية أيضا للمزيد من الدعم الأميركي في الحرب الدائرة في اليمن، حيث يقاتل تحالف تقوده الرياض جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران وقوات موالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح لإعادة الحكومة المعترف بها دوليا إلى السلطة. ومن المتوقع أن يعلن ترامب خلال جولته عن مبيعات كبرى للأسلحة للسعودية، وإجراء مباحثات حول الصراعات في اليمن وسوريا إلى جانب الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

فرص الأعمال

لن تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية العادية والقمم المعلن عنها، حيث قال هربرت مكماستر مستشار الأمن القومي إن ترامب، المعروف عنه ولعه بتويتر، سيشارك في ندوة عن تويتر مع مجموعة من الشباب. وسيلقي الرئيس الأميركي كلمة عن “ضرورة التصدي للأفكار المتشددة”، وسيشارك في افتتاح مركز جديد يهدف إلى “مكافحة التطرف ونشر الاعتدال”.

الرياض تتطلع إلى الحصول على تأكيدات بأن إدارة ترامب ستواصل نهجها المتشدد إزاء إيران وتواصل ضغوطها عليها من خلال التصريحات والتصرفات

وسيكون للاستثمارات جانب هام من الزيارة، حيث تعرض السعودية صفقاتها الاستثمارية الكبيرة مع الشركات الأميركية لإظهار ما تحقّق من تقدم في برنامجها الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي، رؤية المملكة 2030، في حين تقول واشنطن إن صفقات لبيع أسلحة أميركية بعشرات المليارات من الدولارات في الطريق.

وكان ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركي، قال خلال كلمة ألقاها في الغرفة التجارية الأميركية، إن إدارة ترامب تبحث عن صفقات جديدة للشركات الأميركية بالمملكة، وهو الأمر الذي يتفق مع توسيع نطاق سياسة الاستثمار التي أقرتها الإصلاحات الاقتصادية للرؤية المستقبلية.

وأوضح وزير الخارجية أن واشنطن تدعم الخطة السعودية رؤية 2030 الهادفة إلى إحداث تغيير في الاقتصاد وتحسين الأوضاع الاجتماعية للسعوديين. وقال “عندما تستثمر الشركات الأميركية في الاقتصاد السعودي فإن كلاّ منا سيربح، وذلك بخلق منصب شغل للأميركيين، في حين تستفيد اقتصاديات دول الخليج من التعامل مع المستثمرين الأميركيين بوصفهم الأفضل عالميا”.

ويعقد السبت في الرياض منتدى سعودي أميركي لرؤساء الشركات التنفيذيين من المنتظر أن يتم فيه توقيع عدد من الصفقات في مجالات الدفاع والكهرباء والنفط والغاز والصناعة والكيماويات، كما تصدر تراخيص جديدة لشركات أميركية للعمل في المملكة.

ويمثل الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع وجه رؤية المملكة 2030. ويحرص على إظهار نجاح السعودية بعد عام من طرح الرؤية. ومن المنتظر أن يوقع الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو العملاقة للنفط صفقات مع شركات أميركية كبرى من أجل تدعيم الصناعات المحلية.

وستوقع شركة جنرال إلكتريك عددا من مذكرات التفاهم. وقال مصدر مطلع إن من المنتظر أن توقع الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) وشركة إكسون الأميركية للنفط اتفاقا بروتوكوليا لتطوير مشروعهما المشترك في صناعة الكيماويات في تكساس.

وقال المسؤول بالبيت الأبيض إن المملكة دخلت المرحلة الأخيرة من التفاوض على صفقة سلاح قيمتها 100 مليار دولار.

وتتنافس البورصات العالمية على حصة من الطرح العام الأولي لأرامكو الذي يتوقع أن يكون الأكبر من نوعه في التاريخ. وفي الوقت الحالي تتصدر بورصة هونغ كونغ المتنافسين في آسيا بسبب الروابط الاستراتيجية التي تربطها بالصين، وهي من المستوردين الرئيسيين للنفط السعودي. وسيواجه وفد بورصة نيويورك منافسة شديدة إذ تسعى البورصات المتنافسة إلى تعديل قواعدها لزيادة فرصها في الفوز.

بدأ ترامب بتصحيح فشل السنوات الثماني الماضية في كل مجال من المجالات بشكل يضمن للولايات المتحدة مواجهة التحديات القادمة. ويقول خبراء إن زيارة ترامب إلى السعودية والقمم التي سيعقدها ستوضحان الكثير من الأشياء للرئيس الأميركي الذي سيكتشف عن قرب إنجازات رؤية السعودية 2030 وأيضا للقادة المشاركين في القمة، والذين لم يتواصل أغلبهم مع الرئيس الأميركي بشكل مباشر ورسمي وتعرفوا عليه من خلال تصريحاته وتغريداته المثيرة للجدل.

7