ترامب في سياقاته الجامحة

ترامب لم يكف منذ أن تسلم ولايته، عن الإضرار بمصالح الحلفاء والشركاء ولا عن محاولات توجيه الإهانات لهم، وأصبح ينظر لقضايا التعاون الدولي بعين رجل أعمال تستثيره الصفقات التي لا ترسو عليه.
الجمعة 2018/10/12
تصدعات كثيرة

نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في استثارة الرغبة لدى كثيرين ممن يهتمون بالسياسة الدولية، بتتبع أخباره أو ردود أفعال وتخريجاته اليومية. فكأنما الرجل ينظر إلى خارطة العالم، ويتابع الحركة فيه، حريصاً أن يكون له في كل عرس قرص، راغباً في أن يضبط العلاقات الدولية على هواه.

ففي يوم الأربعاء الفائت، سجل تعليقه الأول على الهند، في شكل وعيد، لأن الهند وقعت عقداً مع روسيا، بمليارات الدولارات، للحصول على نظام الدفاع الصاروخي أس-400 في إصرار سيادي من الجانب الهندي على توقيع العقد، وتجاهل تهديداته بفرض عقوبات أميركية عليها. وكأن الهند، التي تعتبر حكومتها مقرّبة من الولايات المتحدة وإسرائيل، قد أصبحت في الخانة الإيرانية. قال ترامب ممتعضاً “ستكتشف نيودلهي قريباً رد واشنطن”.

وفي التفصيل الذي تولاه المعلقون، جاء أن الرئيس الأميركي، لن يستثني الهند من قانون تطبيق العقوبات، على كل طرف يشتري من موسكو أو يبيع لها، بجريرة ضمها شبه جزيرة القِرم إلى روسيا في العام 2016.

ولأنه لم يفصح عن طبيعة العقوبة التي ينوي إنزالها بالهند، فقد سُئل في مؤتمر صحافي لاحق عن طبيعة العقوبات المضمرة، بعد أن أبرمت الهند، أثناء زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى موسكو، عقداً بقيمة أربعة مليارات ونصف المليار دولار؛ فأجاب قائلاً بصيغة الوعيد الأولى “الهند سوف تكتشف.. أليس كذلك؟ وسترون في وقت أقرب مما تظنون”.

بدا الرئيس الأميركي في رده هذا، حائراً ومتردداً، أو ينتظر رد الخبراء الذين يحسبون بميزان المصالح، ما إذا كان إعفاء الهند من العقوبات المقررة على البلدان التي تتعاون مع موسكو؛ سيكون مفيداً لواشنطن أم سيُلحق الضرر بما أنجزته حتى الآن، على صعيد العلاقات في القارة الآسيوية.

ويمكن أن يُعد من بين أسباب التردد، أن المعنيين بالمسائل الإستراتيجية في إدارته، كوزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، يؤيدون استثناء الهند من أي عقوبات والاستمرار في استرضائها. لكن موظفي البيت الأبيض، ظلوا يقولون إن التنازل الرئاسي في هذا الشأن، لكن يكبح جماح دول كثيرة بعد الهند، راغبة في التوجه إلى شراء المعدات الروسية.

الخبراء الأميركيون المختصون في العلاقات الأميركية الهندية، والمعارضون لانتشار منظومة أس - 400 أن العقوبات الأميركية للصين، لشرائها هذه المنظومة، لها أسباب أخرى، منها ما يتعلق بما يسمى التهديد الاقتصادي الصيني للأميركيين، ووجود قسم للتطوير في الجيش الصيني، يتبع اللجنة العسكرية المركزية، يقوم برسم الخطط الفنية لإنتاج منتج صيني مطوّر، من كل سلاح تشتريه بكين لمرة واحدة، ولا يوجد مثل هذا التوجه في الهند، ما أوجب فرض العقوبات على الجيش الصيني بجريرة الشراء.

قبل وصول الرئيس بوتين إلى نيودلهي بيوم واحد، أصدرت الإدارة الأميركية تصريحاً مخففاً جداً، فأشارت إلى أن منظومة أس - 400 تمثل نقطة تركيز في سياق العقوبات المقررة على الدول التي تتعاون مع موسكو، وهي الأخطر من بين مشتريات الدفاع والتعاون الأمني. لكن الهنود أنفسهم مضوا في إبرام الصفقة، متفائلين بتأثير شهادة وزير الدفاع ماتيس أمام الكونغرس، لإعفاء الهند وإندونيسيا من العقوبات المقرّرة على المتعاونين مع موسكو على الصعيد العسكري.

والجدير بالذكر أن قانون "كاتسا" CAATSA الذي أقره الرئيس ترامب، وصدر باعتباره يتقصّد إيران وروسيا، يُلزم الإدارة بفرض عقوبات على برامج الصواريخ الباليستية أو أسلحة الدمار الشامل وبيع أو تقديم المساعدة التقنية أو المالية ذات الصلة للدول المتعاونة مع إيران وروسيا.

وفي العام الماضي أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي هذا القانون بأغلبية ساحقة، بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن الرئيس الأميركي هو الذي يملك وحده سلطة تنازل رئاسي للهند، حتى في حال تجاوزها لمسألة العقوبات على روسيا. وقد بادر السفير الأميركي لدى الهند إلى القول إن قانون “كاستا” يستهدف روسيا وإيران حصراً، و”ليس المقصود منه الإضرار بالقدرات العسكرية لحلفائنا وشركائنا”!

غاب عن ذهن السفير الأميركي أن رئيسه لم يكفّ منذ أن تسلم ولايته، عن الإضرار بمصالح الحلفاء والشركاء ولا عن محاولات توجيه الإهانات لهم، وأن الرجل ينظر لقضايا التعاون الدولي بعين رجل أعمال تستثيره الصفقات التي لا ترسو عليه.

وفي هذا السياق، تعمد إيقاع تصدعات واسعة على مستوى التعاون التقليدي مع القارة الأوروبية الحليفة. وظل ينطق سياسياً بلغة المال والأكلاف، منزوعة عن أسبابها الإستراتيجية، على النحو الذي يجعل الولايات المتحدة تتراجع ولا تتقدم، بينما هو يباهي بما يعتبره إنجازات باهرة لإدارته!

8