ترامب لا يعترف بالهزائم: يخلق أزمة ثم يتراجع ليعلن نصرا زائفا

الرئيس الأميركي يتراجع عن إضافة سؤال حول الجنسية في التعداد السكاني ويأمر وزارة التجارة بتجميع بيانات المواطنة عبر التوسع نحو وسائل أخرى.
الأربعاء 2019/07/17
ترامب يحول "جرّافة الإدارة" إلى الاتجاه المعاكس

واشنطن - لم يخف الرئيس دونالد ترامب سياساته عن العالم، ودائما ما كانت تصريحاته صريحة وواضحة، حيث رسم المحللون نمطا مألوفا اتبعه الرئيس الأميركي في جل النهج التي اتبعها أو أعلن رغبته في اعتمادها دون اهتمام بنتائجها والردود التي من شأنها أن تحشدها، فهو يخلق أزمة ثم يتراجع عن دعواته ليعلن نصره وينتقل إلى مسألة أخرى ليتناولها بنفس الطريقة.

ويرى الكاتب زيك ميلر أن أحدث مثال على هذا النمط تراجع ترامب عن دعوته إلى إضافة سؤال حول الجنسية الأميركية إلى نماذج الإحصاء المتعلقة بتعداد سكان الولايات المتحدة سنة 2020.

وتوجّه إلى شعبه مؤكدا أنه سيجد طريقا آخر للتأكد من تنظيم إحصاء كامل “للسكان غير المواطنين”. ومثلما يصوّر النمط، جاء هذا التراجع إثر أزمة خلقها ترامب عند إعلانه لرغبته، حيث تزامنت مع إعداد خطط لمداهمة المهاجرين غير الشرعيين الذين تمكنوا من دخول حدود البلاد.

وحول الرئيس “جرّافة الإدارة” إلى الاتجاه المعاكس عندما أعلن عن تراجعه المتعلق بمسألة التعداد السكاني، وأمر وزارة التجارة بتجميع بيانات المواطنة عبر التوسع نحو وسائل أخرى عوض التقيد بالتعداد السكاني الذي ينظم مرة كل عشر سنوات، حيث أصبحت المؤسسة قادرة على التعاون مع وزارة العدل وغيرها من الأطراف التي يمكن أن تمدها بالبيانات التي تحتاجها.

والأسبوع الماضي، ظهر ترامب في حديقة الورود بالبيت الأبيض ليتحدث عن التطورات في قضية التعداد السكاني بعد أن منعت المحكمة العليا الإدارة الأميركية طلب إدراج سؤال عن المواطنة. وحتى في مواجهة الهزيمة، بقي الرئيس مصمما على إبراز أنه ربح في النهاية بفضل الأمر التنفيذي الذي أصدره.

وقال “إننا لا نتراجع عن جهودنا الهادفة إلى تحديد نسبة مواطنة سكان الولايات المتحدة”.

ولم يعترف ترامب يوما بالأخطاء التي اقترفتها إدارته منذ توليه الحكم، حتى وإن كانت البسيطة منها. وذهب الرئيس إلى حد لوم القضاء والمحكمة العليا التي طلبت أن تبرر السلطة التنفيذية السبب وراء رغبتها في إدراج سؤال عن المواطنة.

وبعد نزاع دام عامين في المحكمة ومع الصحافة لتضمين مسألة الجنسية، أصرّ ترامب على أن هذا الأمر غير ضروري. وادعى أن تبادل البيانات بين المؤسسات هو الذي سيعطي نتائج أكثر دقة.

ترامب لم يعترف يوما بالأخطاء التي اقترفتها إدارته منذ توليه الحكم، حتى وإن كانت البسيطة منها وذهب إلى حد لوم القضاء والمحكمة العليا التي طلبت أن تبرر السلطة التنفيذية السبب وراء رغبتها في إدراج سؤال عن المواطنة

وبعد 12 ساعة من توقيع الأمر التنفيذي، ادّعى ترامب دون أن يقدّم دليلا على قوله إن إدارته اكتشفت بالفعل نسبة المواطنين الدقيقة.

وقال ديل هو، مدير مشروع حقوق التصويت بالاتحاد الأميركي للحريات المدنية “قد يعلن ترامب نصره اليوم، لكن القضية مثلت هزيمة كاملة ومهينة له ولإدارته”. وقوبل إعلان ترامب بصمت معظم حلفائه بدلا من صخبهم المعتاد الذي يرافق الإجراءات الرئاسية.

ويذكرنا المشهد بما حدث قبل ستة أشهر في نفس المكان، حين أعلن ترامب أنه “فخور جدا” بالإعلان عن إنهاء إغلاق المؤسسات الحكومية الجزئي الذي بدأ إثر فشل المفاوضات حول الميزانية مع طلب تمويل الجدار الحدودي بين المكسيك والولايات المتحدة الذي أصرّ ترامب على بنائه لوقف عبور المهاجرين إلى بلاده.

وعلى الرغم من تبجح ترامب، لم يتلق مشروعه أي تمويل من المشرعين، حيث تراجع الرئيس في مواجهة الانتقادات المتزايدة وادعى النصر على أي حال. وقال في كلمة ألقاها في حديقة الورود إن المعارضين الديمقراطيين أكدوا له أنهم “يرغبون في إعطاء الأولوية لأمن الشعب الأميركي”.

وبعد أسابيع، رفض المشرعون طلب ترامب مرة أخرى، لكنه ادعى أن الجدار كان يبنى حينها وزعم أن “تسلق جبل إفرست سيكون أسهل من عبور هذا الجدار”.

وفي الحقيقة، أمر ترامب بتعلية السياج الحدودي الموجود، وتبدو النتيجة نسخة فاشلة من الجدار الذي وعد ببنائه خلال حملته الانتخابية.

واتبع ترامب نمطا مشابها بعد أن فقد حزبه الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، وهي هزيمة مكّنت خصومه الديمقراطيين من الإشراف على تحقيقات الكونغرس وقال الرئيس حينها “أعتقد أننا حققنا نسبة قريبة جدا من النصر الكامل”.

ومن وجهة نظر ترامب، يشكل الاعتراف بالهزيمة مخاطرة سياسية وجودية للمرشح الذي حشد مؤيديه بوعود وشعارات تعد بالفوز حتى الملل.

وحتى في سياساته خارج حدود الولايات المتحدة، يندفع ترامب إلى إعلان النصر على الرغم من أن الحقائق ترسم صورة مختلفة تماما. وبعد اجتماعه الأول مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، أعلن ترامب على تويتر أنه “لم يعد هناك تهديد نووي من كوريا الشمالية” على الرغم من عدم حدوث تغيير في مخزون البلاد، ثم أصرّ على أن اللقاء الثاني الذي عقد في فيتنام كان ناجحا على الرغم من انسحابه الذي أكده للصحافة خلال مؤتمر صحافي قبل مغادرته العاصمة الفيتنامية. حيث أشار إلى أن المحادثات تأثرت بمسألة العقوبات الاقتصادية المفروضة على كوريا الشمالية بسبب برامجها النووية والباليستية.

وفي الشهر الماضي، أعلن ترامب في تغريدة على تويتر أن واشنطن توصلت إلى اتفاق مع المكسيك بشأن الهجرة، وأنها علّقت الرسوم الجمركية العقابية التي كانت تهدد بفرضها إلى أجل غير مسمى للحد من زيادة المعابر الحدودية غير القانونية. وعلى الرغم من تراجعه، وجد الرئيس نافذة لإعلان فوزه حيث قال إن المكسيك وافقت على اتخاذ تدابير لوقف تدفق المهاجرين إلى حدود الولايات المتحدة الجنوبية، وعلى أن تستقبل المهاجرين الذين يعبرون أراضيها في اتجاه أميركا طلبا للجوء في انتظار رد محاكم البلاد.

وجاءت تصريحاته كما لو أنه حقق أحد الوعود المركزية التي أدلى بها أثناء ترشحه لولاية أولى أثناء استعداده لإطلاق حملته الرسمية الثانية.

5