ترامب لن يكرر النموذج الليبي مع كوريا الشمالية

منطقة شبه الجزيرة الكورية تملك ديناميات مختلفة تبدو أكثر كبحا لأي توجهات عدائية من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لإسقاط نظام كيم، مع وجود قوى دولية مؤثرة في موازين القوى.
الثلاثاء 2018/05/22
النموذج الليبي يثير إشكالية العدالة الغربية المفقودة

شكل استدعاء جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي مؤخرا للنموذج الليبي في تفكيك السلاح النووي للتعامل مع كوريا الشمالية رسالة مقلقة اعتبرتها بيونغ يانغ محاولة “شريرة” تهدف إلى إخضاعها لمصير مماثل لليبيا والعراق.

وهدد هذا الأمر بإلغاء القمة التاريخية المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الكوري الشمالي كيم جونع أون، الشهر المقبل في سنغافورة، قبل أن يخرج ترامب لاحقا ليخالف وجهة نظر مستشاره، ويؤكد أن النموذج الليبي ليس هو ما يدور بتفكيره تجاه كوريا الشمالية، وأن كيم جونغ أون سيظل موجودا في الصفقة النووية التي ينوي إبرامها معه.

بغض النظر عن تلك التصريحات التي تدخل في سياق المناورات التفاوضية أو حتى تناقضات الرؤى داخل إدارة ترامب ذاتها، فإن ما يسترعي الانتباه أكثر هو أسلوب توظيف النموذج الليبي كرسالة ضاغطة تحمل في طياتها دروسا للدول الأخرى، ويعكس استحضار ذلك النموذج مدلولين أساسيين.

الأول، يبدو مختزلا وضيقا في تجربة الضغط الأميركي لإجبار العقيد الليبي الراحل معمر القذافي على التخلي عن السلاح النووي في العام 2003. والثاني، أكثر اتساعا ويمتد إلى مجمل تجربة النظام الليبي ككل في التعامل مع القوى الغربية وما آلت إليه.

ذلك أن تحولات القذافي من الصدام إلى التعاون مع القوى الغربية لم تعصمه من النجاة من التدخلات الغربية التي انحازت لمعارضيه المسلحين في العام 2011، لينتهي به الحال مقتولا في مشهد فوضوي تحول على إثره هذا البلد إلى مرحلة الانهيار.

هناك مشابهات عامة للوهلة الأولى بين نظامي القذافي وكيم جون أون لجهة التحول من الانغلاق إلى الانفتاح على الغرب، بعد تزايد الضغوط على نظاميهما السياسيين. لكن ذلك لا يعني إمكان قياس التجربة الكورية على الليبية، نظرا لطبيعة البرنامج النووي الليبي ذاته، والذي لم يصل في تطوراته وقدراته التسليحية إلى حالة كوريا الشمالية. كما أن هناك اختلافا في قواعد اللعبة الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن نظيرتها في شبه الجزيرة الكورية. وتتسم الأولى، بغياب قوى وازنة لواشنطن كانت من الممكن أن تحجم السياسات الغربية تجاه نظام القذافي.

وتخلي الأخير عن سلاحه النووي لم يجعله مقبولا لدى واشنطن، حتى إنها لم تدعه أساسا لقمة الأمن النووي في واشنطن في عام 2010، وهو ما جعل القذافي آنذاك ينظر إلى عدم دعوته على أنه عدم وفاء غربي، ورسالة سلبية تجعل من الصعب إقناع كوريا الشمالية، وإيران بالتخلي عن سلاحهما النووي.

في المقابل، تملك منطقة شبه الجزيرة الكورية ديناميات مختلفة، تبدو أكثر كبحا لأي توجهات عدائية من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لإسقاط نظام كيم، مع وجود قوى دولية مؤثرة في موازين القوى، مثل الصين التي قد يكون من مصلحتها نزع السلاح الكوري الشمالي لتخفيض التوترات بالمنطقة، لكن ليس إلى الحد الذي يسمح لواشنطن بالتغول في المنطقة، وإسقاط نظمها، وبالتالي الإضرار بمصالح بكين في المنطقة.

إذا كانت القوى الآسيوية تعي مخاطر استنساخ النموذج الليبي، وأن سياقاتها الراهنة قد لا تسمح لواشنطن بإعادة إنتاج ذلك النموذج، فإن بعض القوى العربية تبدو بدورها مدركة لعمق ما يثير ذلك النموذج من دروس مأساوية عامة.

المسألة لا تتعلق بنزع أسلحة نووية فقط، إنما بدلالات تجربة ليبيا التي لا يمكن عند النظر إلى مسارها، فصل ما حدث مع القذافي في 2003 عن سقوط نظامه في 2011 وما أعقبه من انهيار دولة وانقسام مؤسساتها حتى بات النموذج الليبي يأخذ نوعا من “الوصم” في الخطابات السياسية العربية، كما المقولة الرائجة “لا نرغب في التحول إلى ليبيا”.

وأثبتت السنوات التي تلت سقوط القذافي أن تكلفة تدمير ليبيا ارتدت عكسيا على القوى الغربية، خاصة الأوروبية، عندما وجدت أن ضعف السلطة الليبية وانقسامها سمحا بتدفق قوارب المهاجرين غير الشرعيين إلى السواحل الأوروبية عبر البحر المتوسط، بل إن تنظيمات الإرهاب، مثل داعش والقاعدة وتوابعهما، خرجت من قمقمها لتتغذى على الفوضى الأمنية في ليبيا والشرق الأوسط، ومن ثم طالت لاحقا أمن العواصم الأوروبية ذاتها.

وما إن تنامت الهواجس الأمنية وعبرت الحدود، حتى أعادت القوى الغربية النظر في حساباتها تجاه المعضلة الأمنية في ليبيا ذاتها، وسعت لدعم اتفاقات سياسية بين الفرقاء الليبيين، مثل اتفاق الصخيرات، الذي لا يزال متعثرا ومرهونا إما باتفاق الفرقاء على إنفاذه وإما بتوافق القوى الغربية ذاتها المنقسمة حول مصالحها في هذا البلد.

وتحولت المعضلة الأمنية الليبية إلى هاجس سياسي لدى الدواخل العربية في أعقاب مرحلة ما بعد الثورات. وشكل نموذج الفوضى الليبية سياقا محبطا للثورات العربية، وبدا أن آلية الإسقاط الشعبي للأنظمة التسلطية، كنظام القذافي لم تنتج سوى الفوضى للمجتمعات.

ويثير النموذج الليبي إشكالية العدالة الغربية المفقودة، وازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا ودول الشرق الأوسط، فبينما غضت الولايات المتحدة الطرف عن السلاح النووي الإسرائيلي، سعت لنزعه بالكامل وتفكيكه في حالة ليبيا.

6