ترامب وحكم رأس المال

السبت 2016/12/10

أحيانا يبدو الشأن السياسي كالأحجية غامضا ومعقدا، لهذا نحتاج إلى شيء من التجريد الفكري لتحليله، بمعنى آخر، عزل الحدث وتبسيطه إلى الحد الذي يمكننا من رؤيته بوضوح وتكوين رأي واقعي عنه.

ربما لم يكن حدث فوز مرشح الجمهوريين دونالد ترامب في الانتخابات يشكل صدمة أو حدثا غير متوقع للكثير حول العالم لو نظرنا إلى هذا الرجل بمعزل عن السياسة الأميركية الراهنة، وتعاملنا معه كملياردير ينحدر من أسرة أميركية عريقة، لا مهاجرة ولا من الأسر التي كانت مستعبدة. أقصد بالأسر العريقة هنا، من عوائل رأس المال الذي أسس أميركا وأشرف على بنائها وتطورها. وبالعودة إلى التعريف المختصر لأميركا والذي قدمناه في مقالنا “النقلة النوعية في العلاقات السعودية الأميركية”، نرى أن فوز دونالد ترامب يعني استغناء رأس المال الأميركي عن استراتيجية الحزبين الديمقراطي والجمهوري في إدارة شؤونه، وقراره الإشراف المباشر على تصحيح الأخطاء التي ارتكبها الحزبان خلال أربع دورات انتخابية متتالية، بدأت بأحداث البرجين واحتلال العراق وأفغانستان، وانتهت بداعش وفوضى الشرق الأوسط. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن فوز ترامب محاولة أخيرة لرأس المال الأميركي من أجل إنقاذ نفسه وإعادة دورة إنتاجه قبل إعلان انهيار الاقتصاد الأميركي إعلاميا. ودونالد ترامب الذي تقدر ثروته بـ4.5 بليون دولار، وهي من رأس المال الثابت، جعلته الرجل المناسب في الوقت المناسب، لأن طبيعة ثروته تحتم عليه إنقاذ الاقتصاد الأميركي أو الانهيار معه.

بسبب الإرهاب والإجراءات المتشددة التي اتخذتها الولايات المتحدة لمنع ارتكاب كارثة جديدة مثل كارثة انهيار البرجين، لجأت الكثير من الشركات الصناعية الكبرى في أميركا إلى الدول النامية، وفي مقدمتها الصين، بحثا عن الأمان والأيدي العاملة الرخيصة. حدث خيم كالكابوس على الاقتصاد الأميركي وانعكست نتائجه على الحالة المعيشية للمواطن بسبب تفشي البطالة وكساد المواد الخام. الهجرة قضية أخرى عانى منها الاقتصاد الأميركي وأثرت نتائجها على المواطن ومنعته من مواصلة نهج حياته بالشكل الذي اعتاد عليه. دخول العمال المكسيكيين إلى الولايات المتحدة بصورة غير شرعية يجبرهم على العمل في الحقول والمصانع والمجالات الخدمية بأجور أقل من الحد الأدنى المفروض قانونيا على صاحب العمل، بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية الأخرى التي سادت بسبب هذا النوع من الهجرة والتي قال عنها ترامب “حين ترسل لنا المكسيك أناسا لا ترسل لنا أفضل ما لديها، بل ترسل من يتسببون في مشاكل ومن يجلبون معهم المخدرات والجريمة، إنهم مغتصبون”.

أما الإرهاب وذريعة دخول الجهاديين إلى الولايات المتحدة مع المهاجرين فكانا كافيين لأن يحسم الناخب الأميركي أمره ويختار ترامب. المهاجر لا يقلل فرصة الأميركي في الحصول على عمل، ولا ينافسه في السكن والخدمات العامة فقط، لكن المواطن الأميركي يعمل ويدفع الضرائب من أجل الإنفاق على المنظمات الإنسانية والمؤسسات القانونية المسؤولة عن قضايا الهجرة والمهاجرين.

بخلط المشاكل الاقتصادية مع التهديد الأمني بسبب الإرهاب، تمكن ترامب في حملته الانتخابية من استفزاز الروح العنصرية عند الشعب الأميركي، الروح التي تم ترويضها بالقيم الإنسانية لإنهاء الحرب الأهلية ومشاكل التمييز العنصري. وبالتأكيد كانت الحملة الانتخابية التي يقودها مستقلة ولا تخضع لاستراتيجية حزب الجمهوريين الذي يمثله، ولهذا هاجم أعضاء من الحزب الجمهوري تصريحات ترامب وسلوكه في قيادة حملته الانتخابية ومنهم السيناتور الجمهوري جون ماكين.

وهكذا بفوز ترامب والحكم المباشر لرأس المال انتهت مرحلة من التاريخ الأميركي، وبدأت مرحلة جديدة ينسجم إيقاعها السياسي مع البورصة العالمية وتحولات السوق.

لا وقت للوقت كما قالها محمود درويش، انتهت مرحلة المفاوضات واللقاءات الدولية من أجل الحلول والاستقرار، وحان وقت القرارات الحاسمة من أجل نظام عالمي جديد، لا مكان للإسلام السياسي فيه بأي شكل من الأشكال.

فتح دونالد ترامب بواباته السياسية بقرارين مهمين؛ الأول شخصي يعكس حرصه على بلاده وجديته في تطبيق ما وعد به ناخبيه، والثاني سياسي نفذ من خلاله أولى خطواته في تصحيح الأخطاء السياسية التي ارتكبها سابقوه. قرار عزل زوجته ميلانيا ومنعها من الانتقال إلى البيت الأبيض واختياره لابنته إيفانكا لتكون سيدة البيت الأبيض، يعكس حرصه على أميركا واختيار من يمثلها، فترامب الملياردير شيء ورئيس الولايات المتحدة الأميركية شيء آخر. أما تجديد الكونغرس العقوبات على إيران فهو أول خطوة تكشف طبيعة السياسة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط.

كاتبة عراقية

9