ترامب يحوّل التجارة العالمية من بيئة تقارب إلى سلاح لتفكيك الغرب

تتضح كل يوم استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة نظام عالمي ظل قائما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. تعتمد رؤية ترامب على تفكيك العالم الغربي وإعادة بنائه بشكل أكثر سلطوية، وانهاء حقبة أحادية القطبية عبر إعادة إدماج روسيا مرة أخرى كشرطي مناوب مع الولايات المتحدة في العالم. وتلعب التجارة دور رأس الحربة في هذه العملية، وتحل محل الجيوش والمعدات العسكرية، وفقا لشروط جديدة تفرضها مرحلة صعود الشعبوية بشكل غير مسبوق منذ عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.
الثلاثاء 2017/02/07
الاتحاد الأوروبي لن يكون حاجزا بعد الآن

لندن – الإنسانية ذات طابع قبَلي. نحن حيوانات اجتماعية وثقافية. والثقافة تجعلنا نتعاون ليس فقط في نطاقات الأسرة، لكن أيضا في مجتمعات خيالية. من كل هذه المجتمعات لا يوجد ما هو أقرب إلى العائلة من “الأمة”، وهي كلمة تدل على أصل مشترك.

يؤمن مارتن وولف، أحد أكبر الباحثين والكتاب في صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، بأن القبيلة “المجتمعية” لا يمكن أن تقفز إلى الأمام من دون الاستعانة بـ“ضيوف” أجانب.

ويقول إن القدرة على خلق مجتمعات خيالية هي نقطة قوة الإنسانية ومن بين أكبر نقاط ضعفها. المجتمع الخيالي يُحدد ما يتشاركه الناس، لكن ما يربطهم معا يفرّقهم عن الآخرين. اليوم، كما في الماضي، يقوم القادة بتأجيج مشاعر القومية المظلومة لتبرير الاستبداد وحتى الحرب.

وخلال جزء كبير من التاريخ البشري، كان يُنظر إلى الحرب باعتبارها العلاقة الطبيعية بين المجتمعات. الفوز جلب النهب، والسلطة والهيبة، على الأقل للنخب.

حشد الموارد للحرب كان بمنزلة دور أساسي للدول، وتبرير مثل هذا الحشد كان بمنزلة دور أساسي للثقافة.

لكن ثمة طريقة أخرى موجودة لتحقيق الازدهار: التجارة. التوازن بين التجارة والنهب هو أمر معقد. كلاهما يتطلب مؤسسات قوية تدعمها الثقافات الفعّالة، لكن الحرب تتطلب الجيوش، المدعومة بالولاء، بينما التجارة تتطلب الأمن المدعوم بالعدالة.

سحر التجارة

لعل أكبر مساهمة لعلم الاقتصاد هي فكرة أن المجتمعات ستكسب من السعي للتجارة مع بعضها البعض أكثر من محاولة الاستيلاء على بعضها البعض، علاوة على ذلك، كلما كان شركاؤها أغنى، كانت الفرص أكبر لإثراء التجارة بشكل متبادل. بالتالي فإن العلاقة الحكيمة بين الدول هي التعاون، ليس الحرب، والتجارة، ليس العزلة.

ويتبين أن هذه الفكرة الرائعة هي صحيحة، لكنها أيضا غير بديهية، حتى أنها مُثيرة للقلق. فهي تعني أننا قد نكسب من الأجانب أكثر من المواطنين في بلدنا.

كما تؤدي إلى تآكل الشعور بالانتماء إلى القبيلة الخيالية. بالنسبة إلى الكثيرين، تآكل الولاء القبلي المذكور هو خطر. ويُصبح أكثر خطرا إذا سُمح للأجانب بالهجرة بحرية. ويتساءل الناس، من هم هؤلاء الغرباء، من يسكن في بلدنا ويُشاركنا فوائده؟

القادة الشعبويون يميزون بين الشعب الحقيقي الذي يدعمهم وبين أعداء الشعب. بالنسبة لهم الحياة حرب لا تتوقف. في الحرب بإمكانهم تبرير أي شيء

فكرة أن أفضل طريقة لتتواصل المجتمعات مع بعضها البعض عبر إثراء التجارة بشكل متبادل هي الفلسفة المؤيدة للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي عقد اجتماعه السنوي في دافوس الشهر الماضي، حيث يؤكد أفضلية التجارة على الصراع وما يتشاركه الناس على ما يفرق بينهم.

إنها عقيدة جيدة، لكن تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية التي تنتمي إلى حزب المحافظين، تدين المؤمنين بها بكونهم “مواطني العالم”، الذين لا ينتمون واقعيا إلى أي مكان.

الاستياء الذي تُثيره مُبرر، إلى حد ما. الذين حققوا أداء جيدا من العولمة والتحوّل في فترة ما بعد الشيوعية لم يعطوا اهتماما يذكر للذين لم يتمكنوا من فعل الشيء نفسه. لقد افترضوا أن المد المرتفع يرفع كل القوارب.

هم ازدهروا بشكل هائل، غالبا مع القليل من التبرير الواضح، وخلقوا أزمة مالية دمّرت سمعتهم من الاستقامة والكفاءة، مع نتائج سياسية وخيمة. هم افترضوا أن أواصر الانتماء التي لم تكن تعني كثيرا بالنسبة إليهم هي أيضا لم تكن تعني كثيرا للذين تُركوا في الخلف. ليس من المستغرب أن الذين يجدون العالم قد تغيرت طبيعته بسبب التغيير الاجتماعي والاقتصادي، استسلموا لمشاعر القومية المضطهدة والحمائية.

ويقول وولف “سياسة الاستياء القومي ليست مجرد تصاعد من الأسفل، إنها تكتيك الباحثين عن السلطة. القصص التي يرويها مثل هؤلاء القادة تختلف في التفاصيل، لكن الجوهر دائما ما يكون هو نفسه. فهم يميزون بين الشعب الحقيقي الذي يدعمهم من أعداء الشعب. بالنسبة إليهم، الحياة هي حرب. في الحرب، بإمكانهم تبرير أي شيء”.

وتبرر قصة هؤلاء السياسيين تحويل الديمقراطية الليبرالية إلى دكتاتورية ديمقراطية.

خطوات إنقاذ الاتحاد الأوروبي
فولفغانغ مونشاو

* في ضوء تهديد صعود الشعبوية وعداء ترامب، ينبغي على الاتحاد الأوروبي النظر في الإجراءات الأربعة التالية:

* تبني زيادة فورية في الإنفاق على الدفاع إلى 2 في المئة للوفاء بالتزام حلف الناتو. الكثير من بلدان الاتحاد الأوروبي عُرضة للاتهامات بأنها لم تُساهم في حصتها العادلة.

ومع انتظار نتائج الانتخابات في فرنسا وألمانيا، وربما إلى حد بعيد في إيطاليا، هذا ليس أفضل وقت لقيام الاتحاد الأوروبي بإنتاج مبادرة دفاع مشتركة كبيرة تتجاوز ما هو موجود فعلا، ولكن يُمكن تحقيق زيادة في الإنفاق على الدفاع.

* ينبغي على الاتحاد الأوروبي تسريع المحادثات حول المادة 50، آلية لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد. ينبغي على بروكسل أن تسعى للتفاوض على صفقة تجارة حرة ضيقة مؤقتة لا تتطلب سوى موافقة من المؤسسات الأوروبية، بدلا من البرلمانات الوطنية للدول الأعضاء الـ27 المتبقية. صفقة سريعة لما قبل خروج بريطانيا ستكون مفيدة لكلا الجانبين. اتفاقية أكثر شمولا يُمكن أن تأتي في وقت لاحق.

* ينبغي على الاتحاد الأوروبي النظر في الدخول في علاقة اقتصادية مع الصين. قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإلغاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، والنهاية المؤكدة الآن لاتفاقية الشراكة التجارية والاستثمار عبر المحيط الأطلسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سيفتح المجال لتحالفات اقتصادية جديدة.

* سيحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إصلاح منطقة اليورو، وليس مجرد إحباط التداول على المكشوف. هذه الأزمة دخلت عامها الثامن.

الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى إيقاف الشجار بشأن اليونان أو القلق حول ما إذا كان اليورو يُمكن أن ينجو من الانتخابات الإيطالية المُقبلة. أظهر لنا تاريخ الاتحاد النقدي أنه يجب أن يكون جزءا لا يتجزأ من أي اتحاد سياسي ليكون مستداما.

غريزة الاتحاد الأوروبي على مدى العقد الماضي كانت القيام بالحد الأدنى اللازم، وهي سياسة جعلته ضعيفا بشكل مُثير للشفقة. ينبغي على الأوروبيين التوقف عن التوتر بشأن ترامب، وفي المقابل عليهم النظر إلى ما يجب أن يفعله الاتحاد الأوروبي.

ويحدد المُحلل البولندي سلافومير سيراكوفسكي في مقال كيف تعمل هذه النظرية في بلاده.

ويقول “الطاغية المستقبلي يدين الحرية الشخصية باعتبارها فوضى، ويقيّد المؤسسات باعتبارها غير شرعية، والمصادر المستقلة للمعلومات باعتبارها فاسدة، والأجانب باعتبارهم منافقين، والمهاجرين بأنهم يشكلون تهديدا للبلد”.

وأضاف “تنمية الشعور بجنون العظمة تبرر كل خطوة. الطاغية المستقبلي يحتاج إلى أعداء. دائما ما يكون من السهل العثور عليهم، وأثناء كل ذلك، يؤكد الطغاة المستقبليون أن الأغلبية إلى جانبهم (حتى إذا لم يكُن الأمر كذلك)”.

الهجوم على فكرة المصادر المستقلة للمعلومات هو عنصر أساسي في سياسة الحاكم الأوتوقراطي ضمن الديمقراطية. كيف يتم تحديد الحقيقة من قِبل مثل هذه الأنظمة؟ الحقيقة هي ما يقولون إنه الحقيقة. لذلك فإن السلطة تُحدد الحقيقة، هذه سمة من سمات كل الدكتاتوريات، ولا سيما الشيوعية منها، كما قال الروائي العالمي جورج أورْوِيل، وهي أيضا ما يؤمن به رؤساء كثيرون، اليوم. الحقيقة لديه هي أي شيء يجده مريحا.

تفكيك الاتحاد الأوروبي

المثال الأبرز على ذلك هو علاقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعالم، الغربي خصوصا، هذه الأيام. الرئيس الأميركي يملك نظرة أحادية تتماهى مع نظرة روسيا، الخصم الأهم للولايات المتحدة.

ولا يؤمن ترامب بعقيدة أوروبا الداعية إلى التماسك، ولا يدعم بشكل كاف بنية الاتحاد الأوروبي. وتقوم استراتيجية ترامب على إغراء بريطانيا كي تقترب من أحضان الولايات المتحدة وتعمل معها على تفكيك الاتحاد.

والعامل الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي من الدبلوماسي المحتمل الذي يتحدث بصرامة، هو المفاوضات التجارية التي تتبع اجتماع الجمعة الماضي بين ترامب وتيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية.

ويستبعد المعارضون لخروج بريطانيا في المملكة المتحدة إمكانية التوصّل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة على أساس أن أجندة ترامب الحمائية، من شأنها التأثير في بريطانيا أيضا، إلا أن هذه الصفقة لن تكون في الأساس عن التجارة، وغالبا ما ستكون صفقة سياسية، تستخدم كوسيلة لزرع الفتنة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، الصفقة التجارية الوحيدة التي قد يتهاون فيها ترامب لأسباب استراتيجية.

لهذا السبب، فإن خطاب الصفقة الصعبة في ما يتعلق بخروج بريطانيا من قِبل بعض السياسيين في بروكسل، هو خطاب ذو نتائج عكسية لأنه يدفع المملكة المتحدة إلى أيدي ترامب.

ومن مصلحة الاتحاد الأوروبي الحفاظ على علاقة مفتوحة مع المملكة المتحدة. وستحصل بريطانيا من صفقة عادلة مع أوروبا أكثر مما ستفعل حتى من اتفاقية أكثر راحة مع ترامب. ودائما ما ستقوم المملكة المتحدة بالتجارة مع الاتحاد الأوروبي أكثر من الولايات المتحدة.

الأمر الثاني، ربما الخطر الأكثر الوشيك الذي يهدد تماسك الاتحاد الأوروبي الداخلي سيكون رفعا أُحادي الجانب من قِبل ترامب للعقوبات ضد روسيا. هذا لم يحدث بعد، لكن إذا حدث، من شأنه عرقلة عملية مينسك التي نظّم من خلالها الاتحاد الأوروبي وروسيا وأوكرانيا علاقتهم الثلاثية، منذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم.

وحينها سيصبح من المستحيل استدامة العقوبات الأوروبية في هذه المرحلة ليس فقط من الناحية السياسية فحسب، بل أيضا من الناحية الفعلية. وسيكون المستثمرون الأوروبيون قادرين على الالتفاف بسهولة حول الكثير من القيود.

كما تتسبب تصرفات ترامب في اختلال تماسك العالم الغربي بأثره في الخارج، فإن سلوكه يهدد تماسك أعرق الديمقراطيات في العالم: الولايات المتحدة.

سلافومير سيراكوفسكي: الطاغية يدين الحرية الشخصية باعتبارها فوضى، ويقيد المؤسسات باعتبارها غير شرعية والمهاجرين بأنهم يشكلون تهديدا للبلد

ويتساءل كثيرون إلى أي مدى يمكن أن يأخذ ترامب بلاده إذا ما سلك الطريق نفسها؟ الإجماع هو “ليس بعيدا”، نظرا إلى قوة مؤسساتها.

المؤسسات قوية فقط بقدر الناس الذين يُديرونها. عندما أصبح أغسطس إمبراطورا، كل مؤسسات الجمهورية الرومانية نجت. القضاء الأميركي فعل الشيء نفسه عندما علق مرسوما كان قد أصدره ترامب يمنع بموجبه دخول المهاجرين من 7 دول إسلامية إلى أراضي الولايات المتحدة، حتى لو كانوا قد حصلوا على تأشيرة دخول.

لكن هل سيُدافع القضاء الأميركي عن حرية التعبير؟ هل سيُدافع المشرّعون عن الحق بالتصويت؟ أم هل سينجح ترامب بترهيب الذين يختلف معهم في الرأي؟ ماذا يمكن أن يحدث إذا وقع اعتداء إرهابي؟

ويقول سيراكوفسكي إن “ياروسلاف كاتشينسكي، رئيس الوزراء السابق في بولندا، قد احتضن دولة الرفاهية. ترامب أيضا فاز بالقاعدة الجمهورية من خلال تأكيد دعمه للبرامج التي يعتمد عليها الأميركيون العاديون، لكن القادة الجمهوريين يرغبون في القضاء عليها، نجاحه قد يعتمد على ما إذا كان سيتمسك بوعوده أو بحزبه”.

ويجادل المؤرخ يوفال هراري بأنه “رغم كل خيبة الأمل بالديمقراطية الليبرالية والأسواق الحرة، لم يُشكّل أي أحد بعد رؤية بديلة تتمتع بأي نوع من الجاذبية العالمية”.

لكن القومية الاستبدادية ربما لديها مثل هذه الجاذبية، وهو ما جعلها تنتقل إلى قلب النظام العالمي، وهذا من شأنه أن يُغيّر كل شيء.

13