ترامب يدفع النظام التجاري العالمي إلى حافة الهاوية

الولايات المتحدة ستكون من أكبر المتضررين حتى قبل أن تبدأ عقوبات الدول المضادة. فرسوم ترامب نفسها ستلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد الأميركي تفوق ما تلحقه بالدول الأخرى.
الثلاثاء 2018/06/12
انسحاب ترامب محزن ومحبط

لم يسبق للاقتصاد العالمي أن وصل إلى حافة حرب تجارية شاملة مثلما حدث في اجتماعات الدول الصناعية السبع الكبرى الأخيرة، حين وجه ترامب صفعة شديدة بسحب تأييده للبيان الختامي ليصب الزيت على النار المشتعلة.

وكشف وصول ترامب المتأخر وعدم مشاركته في بعض الاجتماعات ثم مغادرته السريعة، عن عزم مضمر لدفع المواجهات التجارية التي لاحت بوادرها إلى حافة الهاوية.

كان قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكندا واليابان وإيطاليا في واد والرئيس الأميركي في واد آخر. وجاء تفاعله الوحيد مع القمة من خلال مؤتمر صحافي منفصل، أطلق فيه النيران على جميع الشركاء التجاريين الكبار.

صفعة ترامب المهينة بسحب تأييده للبيان الختامي من خلال تويتر، لا تمنح الشركاء الآخرين أي فرصة لتفادي الرد على فرض رسوم ترامب على واردات الحديد والألمنيوم من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك بعد تأجيل مؤقت لمدة شهرين.

لم يعد أمام بلدان الاتحاد الأوروبي وكندا سبيل لحفظ ماء الوجه دون إطلاق النيران التجارية على الولايات المتحدة بعد أن أجلت فرض عقوبات مضادة حتى نهاية الشهر الحالي لمنح واشنطن فرصة لمراجعة موقفها.

ويبدو أن ترامب عبر الخط الأحمر وانتقل من المناوشات إلى إشعال الحرب التجارية. ومن شبه المؤكد أن ذلك سيدخله في مواجهة شرسة مع المؤسسات الأميركية، بعد أن ابتعد كثيرا في مواقفه الشخصية التي تهدد المصالح الأميركية.

ويجمع المراقبون على أن الولايات المتحدة ستكون من أكبر المتضررين حتى قبل أن تبدأ عقوبات الدول المضادة. فرسوم ترامب نفسها ستلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد الأميركي تفوق ما تلحقه بالدول الأخرى.

ومن المرجح أن يعود ترامب إلى واشنطن بعد القمة التاريخية مع الزعيم الكوري الشمالي، ليواجه حالة تذمر واسعة بين جميع الأطراف الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة.

فالرسوم التي فرضها على واردات الحديد والألمنيوم ستؤثر على الكثير من الصناعات الأميركية، والأهم من ذلك أنها ستزيد أسعار السلع المرتبطة بها وتقلص قاعدة مؤيديه في الشارع الأميركي.

وسوف تتسع قاعدة المتذمرين حين يبدأ فرض العقوبات المضادة من قبل الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك في موعد أقصاه بداية الشهر المقبل، خاصة أن بعضها مصمم على التأثير على مؤيدي ترامب في بعض الولايات الأميركية.

قد ينتهي الأمر بمراجعة شاملة للقواعد التجارية العالمية وهو أمر ما كان ليحدث لولا مشاكسات ترامب القاسية

ينبغي الإشارة إلى أن ترامب اكتفى طوال 17 شهرا منذ وصوله إلى البيت الأبيض بالمناوشات والتهديدات التي يصعب تنفيذها. وهذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها فعليا بإطلاق نيران الحرب التجارية.

قرار ترامب يبدو فرديا إلى حد بعيد ولا يمكن أن يحظى بتأييد المؤسسات الأميركية. وسبق أن أعلنت عشرات من أكبر النقابات الصناعية والتجارية رفضها لفرض الرسوم التجارية التي أعلنها قبل شهرين.

ويتضح خلاف ترامب مع المؤسسات الأميركية بل وحتى مواقف أقطاب إدارته، في توقيع الوفد الأميركي وثيقة البيان الختامي، ليقوم بعد ذلك بسحب تأييده على موقع تويتر وهو في طريقه إلى سنغافورة.

ويبدو في ظل ترسانة الردع التجارية الهائلة التي تملكها جميع الأطراف والتداخل الهائل للاقتصاد العالمي، أن ترامب سيتراجع في وقت لاحق  قبل أن تدخل العقوبات المضادة من قبل الاتحاد الأوروبي وكندا حيز التنفيذ نهاية الشهر الحالي.

هل أراد ترامب إطـلاق قنبلة دخان لخفض التوقعات العالمية لنتائج اجتماعه مع الزعيم الكوري الشمالي في سنغافورة، ليعود بعد ذلك لمراجعة مواقفه التجارية المستحيلة من أقرب حلفاء واشنطن. وتكفي عبارات الاستهجان والغضب والسخرية التي صدرت عن زعماء العالم لتشير إلى حجم الأزمة.

وتختزله تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي وصفت سحب ترامب المهين لتأييده للبيان الختامي من خلال موقع تويتر بأنه “محزن ومحبط”.

وأكدت أن موقف ترامب لا يدع مجالا أمام الاتحاد الأوروبي وكندا لتفادي دخول الحرب التجارية واتخاذ إجراءات مضادة ردا على الرسوم الأميركية على واردات الصلب والألومنيوم.

ورغم خطورة مشاكسات ترامب إلا أنها قد لا تخلو من بعض الفوائد، حيث يمكن أن تقود إلى مراجعة شاملة لقواعد التجارة العالمية التي تتضمن الكثير من التناقضات والقيود والرسوم المنسية.

تكفي الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي لديه رسوم مفروضة ومنسية على الكثير من الواردات وبضمنها ما يأتي من الولايات المتحدة. فهو يفرض مثلا رسوما بنسبة 10 بالمئة على واردات السيارات، في حين لا تتجاوز الرسوم الأميركية 2.5 بالمئة على واردات السيارات.

وقد عرض قادة الدول الصناعية الست الأخرى بالفعل خلال القمة العمل على إصلاح منظمة التجارة العالمية، التي ينتقدها ترامب بشدة، في حين عرض ترامب اقتراحا طوباويا مستحيل التنفيذ وهو إلغاء جميع الرسوم بين الدول الصناعية وكذلك الدعم الحكومي.

في الخلاصة لن تكون الحرب التجارية الشاملة بين أكبر الكتل التجارية العالمية ممكنة على المدى الطويل، لأن الجميع سيكونون خاسرين فيها وستؤدي إلى دمار الاقتصاد العالمي.

قد ينتهي الأمر بمراجعة شاملة للقواعد التجارية العالمية، وهو أمر ما كان ليحدث لولا مشاكسات ترامب القاسية.

10