ترامب يشكل إدارة تعكس توجهاته الشعبوية

يرى محللون أن الرئيس الأميركي المنتخب لا يمتلك استراتيجية واضحة قادرة على تجاوز مخلفات استراتيجية سلفه أوباما التي جعلت واشنطن تتراجع، رغم تعيينات إدارته الجديدة التي عكست رؤيته العنصرية واختياراته لمسؤولين ذوي توجهات متشددة تنبئ بأن العالم مقبل على نظام جديد بأكثر انغلاق، حيث تتخذ فيه آليات الصراع مناهج جديدة مخالفة لما شهده العالم منذ سقوط جدار برلين.
الاثنين 2016/12/19
توجهات مماثلة

واشنطن- يتسلم دونالد ترامب مقاليد رئاسة الولايات المتحدة الأميركية رسميا في العشرين من الشهر المقبل من السنة الجديدة، وإلى حينه، عمل ترامب على تشكيل إدارة جديدة تجسد توجهاته ورؤيته الإقصائية، التي تكشف عن مدى توجه أميركا بصفة خاصة والغرب إلى الانغلاق وتراجع القوى الإقليمية التقليدية الكبرى، مقابل صعود أخرى كروسيا والصين.

ومع اختيار أكثر من 20 مرشحا حتى الآن لفريقه الحكومي، تبدو حكومة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب تشبه إلى حد كبير توجهاته الشعبوية، فمعظم أفرادها من كبار السن والذكور أصحاب البشرة البيضاء، والكثير منهم أثرياء يرون أنفسهم مجازفين وصانعي صفقات ويفضلون العمل أكثر من المداولات والتشاور. وإلى حد كبير، استبعد ترامب الذي يقول إن واشنطن محطمة وتسيطر عليها مصالح خاصة التكنوقراط الذين يتمتعون بخبرة حكومية طويلة، وأختار بدلا منهم فريقا من أقطاب الأعمال والجنرالات. وتفتقر قائمة ترامب ممن اختارهم من رؤساء الوكالات والمستشارين بشكل واضح إلى وجود مثقفين ومحامين وأكاديميين من النوع الذي استعان به بعض الرؤساء السابقين. وحل محلهم أقطاب المال والأعمال مثل إكسون موبيل وجولدمان ساكس إضافة إلى ثلاثة جنرالات متقاعدين على الأقل في مناصب رئيسية.

إدارة ترامب القادمة تستعد للتراجع بأسرع ما يمكن عن إنجازات أوباما، وتحاول التقدم في أجندة سياسية محافظة

والكثير من هؤلاء أشخاص اعتادوا على القيادة، ولكن الآن سيكون لديهم رئيس يأتمرون بأمره وهو ترامب في الوقت الذي يتحتم عليهم التعامل مع بيروقراطية الحكومة الأميركية المتشعبة والمحبطة أحيانا. وأوضح مركز جيوستراتيجيك ميديا إنستيتيوت أن ترامب بتعييناته يريد أن يبرهن أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تنأى بنفسها عن الشؤون الدولية، لأن كل ما يجري عالميا يؤثر لا محالة في أمن الولايات المتحدة الداخلي والخارجي.

وتستعد إدارة ترامب القادمة للتراجع بأسرع ما يمكن عن إنجازات الرئيس باراك أوباما، بينما ستحاول أيضا التقدم في أجندة سياسية محافظة في مجالات مثل الضرائب والرعاية الصحية. ويعتقد محللون أن توجهات إدارة ترامب رغم أنها تبدي اختلافات والإدارة السابقة في النهج الذي ستتخذه خاصة في قضايا الشرق الأوسط، إلا أن مبادئ الادارة الاميركية عبر تاريخها تكشف ثباتها في قضايا جوهرية ركيزتها المحافظة على الهيمنة العالمية وقيادة العالم ومواجهة من يحد هذا الدور، لذلك واشنطن لن تستطيع تجاهل الدور الإيراني والروسي كأحد الأطراف الفاعلة في السياسات الإقليمية والدور الذي قد تلعبه بعض الدول الشرق أوسطية بعد انتهاء الأزمة في سوريا والعراق واليمن وليبيا.

ويضيف محللون أن شعار ترامب الانتخابي “أميركا أولا” سيؤدي إلى تراجعها كقوة إقليمية، مقابل السماح لقوى أخرى تسعى إلى استرداد حلمها في السيطرة على العالم كموسكو الطامحة الى استعادة نفوذ الاتحاد السوفيتي الآفل. وكان أوباما الذي يترك منصبه في يناير القادم، اعتمد على ذوي الخبرة لتشكيل حكومته في 2008، واختارت هيلاري كلينتون منافسته في الترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي آنذاك وزيرة للخارجية.

وظل روبرت جيتس الذي عمل في الإدارة السابقة في وزارة الدفاع (البنتاغون) واختار أوباما إريك هولدر صاحب الخبرة الطويلة في وزارة العدل لشغل منصب وزير العدل. وخلصت مراجعة أجرتها رويترز في وقت سابق هذا الشهر، إلى أن بعض الذين اختارهم ترامب لفريقه يمتلكون خبرات مماثلة، وأنه استعان بأصحاب خبرات حكومية في المستويات الأدنى من الإدارة بمختلف الوكالات.

تحديات جديدة

يقول فريق ترامب الانتقالي إن الهدف من تعيينات الإدارة الجديدة أن تكون عبارة عن خليط من الشخصيات الجديدة وأصحاب الخبرات في واشنطن، لكن الخبراء يقولون إن الرؤساء السابقين الذين استعانوا بشخصيات من خارج “المؤسسة” رأوا في بعض الأحيان أن المبتدئين في السياسة ارتكبوا أخطاء فادحة. وبالنسبة إلى الشخصيات الجديدة، يقول مقربون منهم إنهم سيكونون على مستوى التحدي الإداري. وقال العضو الجمهوري في مجلس النواب توم كول إن زميله الجمهوري توم برايس الذي اختاره ترامب لتولي وزارة الصحة والخدمات البشرية “حاسم بطبعه”. وأشاد بتاريخ برايس كجراح وهي أيضا المهنة السابقة لبين كارسون الذي اختاره ترامب لمنصب وزير الإسكان والتنمية الحضرية.

شعار ترامب الانتخابي “أميركا أولا” سيؤدي إلى تراجعها كقوة إقليمية، مقابل السماح لقوى أخرى تسعى إلى استرداد حلمها في السيطرة على العالم كموسكو

وقال هنري بريم، وهو جراح أعصاب عمل مع كارسون في مستشفى جونز هوبكنز في بالتيمور، إن كارسون يتسم بالهدوء ولا يخشى الإدلاء بآراء قوية. وأضاف “إنه شخص مهذب يعبر عن رأيه ولديه أفكار عظيمة ولا يستطيع أحد في العالم ترهيبه”. ويرى جيمس هينسون مدير مشروع تكساس السياسي في جامعة تكساس في أوستين، أن ريك بيري الذي اختاره ترامب لمنصب وزير الطاقة عمل لمدة ثلاثة أشهر في منصب حاكم تكساس، واضطر إلى عمل توازن بين قاعدة التأييد الشعبية المحافظة للغاية وبين مجتمع من رجال الأعمال أصحاب نفوذ كبير. ولم يشغل العديد ممن اختارهم ترامب أي منصب حكومي وليست لديهم أي خلفية تذكر في صنع السياسات بمن في ذلك تيلرسون ومرشح الخزانة ستيفن منيوتشن وهو مسؤول سابق في جولدمان ساكس والمرشح لوزارة التجارة ويلبر روس وهو من المستثمرين الأثرياء وجاري كوهن المدير التنفيذي لشركة جولدمان ساكس والذي سيرأس المجلس الاقتصادي لترامب.

وفي عام 2008، اشترى منيوتشن شركة اندي ماك وهي شركة رهن عقاري انهارت خلال الأزمة المالية وساعدها في التحول إلى ما أصبح معروفا باسم بنك وانويست، وهو بنك تجاري مزدهر في جنوب كاليفورنيا. ورأت صحيفة “واشنطن بوست” أن ما يميز مرشحي فريق ترامب الحكومي هو أولئك الذين خدموا في أبرز المناصب الرفيعة في العراق بعدما اجتاح الجيش الأميركي بغداد عام 2003، بدءا من جيمس ماتيس لحقيبة وزارة الدفاع الذي ترأس القيادة المركزية الأميركية حتى عام 2003، وخدم أكثر من 40 عاما في قوات مشاة البحرية، وقاد معركة الفلوجة ضد تنظيم “القاعدة” عام 2004.

كما أن مايكل فلين الذي اختير لمنصب مستشار الأمن القومي الأميركي، كان قد شغل منصب الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الدفاعية “DIA”، وعمل في مناصب عسكرية في أفغانستان والعراق، ويعدُّ متشددا تجاه الجماعات الإسلاموية المتطرفة. وأضافت صحيفة “واشنطن تايمز” أن اختيار ترامب لجون كيلي، وهو عسكري متقاعد في مشاة البحرية وقائد سابق للقيادة الأميركية الجنوبية، وقائد سابق للقوة متعددة الجنسيات في العراق، لمنصب وزير الأمن الداخلي في الولايات المتحدة يعد أمرا ملفتا؛ ما يعني أن ترامب يركز على الخبرات السابقة في الشرق الأوسط لحقائب سيادية في الإدارة الأميركية. ومن ناحية ثانية، رأت صحيفة “نيويورك تايمز” أن ترامب يجند الأعضاء المخضرمين في مؤسسة السياسة الخارجية للحزب الجمهوري لكي يؤازروا اختياره للرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل ريكس تيلرسون.

حكومة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب تشبه إلى حد كبير توجهاته الشعبوية، فمعظم أفرادها من كبار السن والذكور أصحاب البشرة البيضاء

إدارة بلا خبرات

يرى خبراء أن الاستعانة بأشخاص من خارج العمل السياسي لم تنجح دائما في سياسات البيت الأبيض، ففي 2001 أثار بول أونيل وزيرالخزانة في حكومة الرئيس السابق جورج دبليو بوش، والذي كان رئيسا تنفيذيا سابقا لشركة ألكوا للألومنيوم، اضطرابا في الأسواق بسلسلة تصريحات طائشة بدت أنها تنذر بتحولات في السياسة الاقتصادية تختلف عن موقف البيت الأبيض. وأقيل من منصبه في نهاية الأمر.

وقال توماس مان وهو خبير في الإدارة في معهد بروكينجز “إدارة وكالات كبيرة وعامة أمر صعب تماما ويتطلب الاستعانة بأشخاص من أصحاب الخبرة والمعرفة والعمل بأسلوب لا ينفر الناس”. وأقر أنتوني سكاراموتشي المستشار بفريق ترامب الانتقالي بأن الكثير جدا من عديمي الخبرة قد يكون ضارا لإدارة ترامب. وقال “واشنطن عبارة عن جسد يتمتع بنظام مناعي قوي للغاية، سترون رفضا تاما للأعضاء إذا وضعنا الكثير من المعرقلين الحاليين في واشنطن”.

وتوقع مسؤول أميركي كبير سابق حدوث خلافات على نطاق واسع في إدارة ترامب بسبب الإحساس المتنامي بالذات من جانب الكثير من مسؤولي هذه الإدارة، مشيرا إلى معرفته ببريكس تيلرسون الرئيس التنفيذي السابق لشركة إكسون موبيل، والذي اختاره ترامب لتولي منصب وزير الخارجية وأيضا معرفته بجيمس ماتيس الجنرال بمشاة البحرية الأميركية الذي رشحه ترامب لمنصب وزير الدفاع. وقال المسؤول السابق إن تيلرسون وماتيس “اعتادا على الهيمنة على أي مكان يجدان نفسيهما فيه وسيشمل هذا على الأرجح غرفة العمليات بالبيت الأبيض وحتى المكتب البيضاوي”.

اقرأ أيضا

عالم ترامب.. غير ما قبله

7