ترامب يضع نظام التجارة العالمي في محل شك

ترامب لا يسعى للضغط على الصين للانفتاح تجاريا معها، بل لكي لا تحصل بكين على تكنولوجيا متطورة.
الجمعة 2018/05/04
الصين تواجه خطر مواجهة رسوم جمركية تقدر بنحو 60 مليار دولار

أندرياس لاندفهر، أنسجار حساني، مايكل دونهاوزر- تثير قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على واردات بلاده من الصلب والألومنيوم العديد من التساؤلات من بينها هل يشعر أنه يكتسب أهمية حين يهدد الصين، أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وأكبر مقرض لها أم أن سياسته التجارية أكثر انغلاقا مما كان متصورا. هل يسعى ترامب لزعزعة استقرار التوازن التجاري العالمي؟

كتبت صحيفة “ذي نيويورك تايمز” تقول إنه “سواء كان ذلك متعمدا أم لا، تعد الرسوم التي فرضها ترامب، أبعد ما يكون عمّا يمكن تسميته النظام الليبرالي العالمي”. وذكرت كذلك أن ترامب يضع، النظام العالمي القائم الآن، في محل شك.

تحظى الولايات المتحدة بوضع جيد، فلا تزال أكبر قوة اقتصادية في العالم، وعندما تضطر للدخول في مفاوضات سواء مع مجموعة العشرين أو مع منظمة التجارة العالمية، تظل دوما الطرف الأقوى.

ورأى العالم في كوريا الجنوبية، كيف تتوج مثل هذه النوعية من الاتفاقيات التجارية، إذ اضطرّت سيول للرضوخ إلى شروط واشنطن، وقبول استيراد السيارات الأميركية التي لا تستوفي معايير البيئة لديها، مقابل دخول الصلب الكوري إلى السوق الأميركية معفيا من الرسوم.

وفي الوقت نفسه، نصب ترامب، فخا ماكرا للأوروبيين، فبينما يسعى هؤلاء للاصطفاف خلفه للتصدي لممارسات بكين، ومن بينها جرائم الملكية الفكرية، فإنها إذا حذت حذو حليفها على حساب التجارة الحرة مع الصين، فإنها تكون بذلك تقوم بممارسة نفس السياسة الحمائية.

حتى الصين، ثاني قوة اقتصادية عالمية، عندما باتت تواجه خطر استنفاد الخيارات، لم تجد أمامها سبيلا آخر سوى تهديد الولايات المتحدة بحزمة إجراءات عقابية، تصل إلى 60 مليار دولار، ملوّحة بأنها سوف تدافع باستماتة عن مصالحها المشروعة.

ويراود بكين شعور بأنها تناطح سور الولايات المتحدة بلا طائل، ساعية بلا جدوى لاكتشاف ماذا يخطط له ترامب، فعندما توجّه السياسي الصيني الأبرز في الشؤون الاقتصادية ليو هي، نائب رئيس الوزراء، إلى واشنطن مطلع مارس الماضي، قدم “قائمة رائعة” من التنازلات.

ومع ذلك، أظهر البيت الأبيض اهتماما ضئيلا بالمفاوضات التي شملت تخفيف الضغط على المشاريع المشتركة في بعض القطاعات الصناعية، وتخفيض الرسوم الجمركية على السيارات. وبحث ليو عن مفاوضين أكثر شأنا دون جدوى وحرم حتى من مقابلة مع ترامب.

وعقب الإعلان عن فرض الرسوم الجمركية الأميركية على الفولاذ والألومنيوم، ردت الصين أولا بضبط النفس بتطبيق إجراءات مضادة بقيمة 3 مليارات دولار. وقال هو جين تاو، أستاذ الاقتصاد في بكين إن “الرد على الرسوم الجمركية الأميركية كان معتدلا ويتسم بضبط النفس وعقلانيا”.

ومع ذلك، فالصراع الحقيقي، لم يندلع بعد، نظرا لأن الصين تواجه الآن خطر مواجهة رسوم جمركية تقدر بنحو 60 مليار دولار خلال شهرين، بسبب انتهاك قوانين حقوق الملكية والضغط لنقل التكنولوجيا بالقوة.

وفي هذه الحالة، من المرجح أن يؤدي هذا إلى نشوب نزاع بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. وقد حذر يورج ووتكي، الرئيس السابق لغرفة التجارة الأوروبية بالصين من مخاطر عدم توصل الطرفين إلى حل للخروج من النفق.

ومن المؤكد أن ترامب لا يسعى للضغط للانفتاح تجاريا على الصين، بل لكي لا تحصل بكين على تكنولوجيا متطورة. فهي ليست حربا تجارية كما يرى ووتك، بل هي حرب على التكنولوجيا المتطورة وصراع على الابتكار.

ومع ذلك، فقد يقع ترامب دون قصد في فخ شي جين بينغ، فالرئيس الصيني وزعيم الحزب الحاكم بوسعه تقديم نفسه الآن كما لو كان ضحية بريئة لسياسة الهيمنة الأميركية الجامحة.

وقد وجد بينغ في سلوك ترامب المبرر للإبقاء على أسواق بلاده مغلقة، ومواصلة اتباع السياسة الحمائية لصناعته في مواجهة المنافسة الأجنبية.

ويتسم الرئيس الصيني بنزعة قومية أقوى بكثير من ترامب في دفاعه عن اقتصاد بلاده، ويبدو ذلك من تبني استراتيجية “صنع في الصين 2025”، القائمة على تشجيع الابتكار والتكنولوجيا المتطورة، وهي لا تختلف كثيرا في توجهها عن استراتيجية “أميركا أولا” التي يتبناها ترامب.

وعلى الرغم من أن بينغ، حاول دائما الظهور بمظهر المدافع عن التجارة الحرة وعن انفتاح الأسواق، إلا أن الشركات الأجنبية لم تلاحظ أي تأثير لتلك التوجهات المزعومة.

وتكشف الأرقام مخاوف الاتحاد الأوروبي من الصراع، ففي عام 2017، تناوبت الولايات المتحدة والصين على منصب الشريك التجاري الرئيسي للتكتل. وبلغ حجم تجارة الاتحاد مع واشنطن 631 مليار يورو، بمعدل 16.9 بالمئة من إجمالي معاملاتها التجارية. وجاءت الصين ثانيا بمبلغ 573 مليار يورو. وهكذا تضاعفت حصة الصين ثلاث مرات تقريبا منذ عام 2000.

ويرى الأوروبيون أن وضعهم في النزاع يعد مهمة خطيرة. فمن ناحية، يريدون أن يظهروا استعدادهم للتفاوض لتجنب تصعيد وحرب تجارية. لكن من ناحية أخرى، يؤكدون أن أوروبا لن تسمح لنفسها بالابتزاز من جانب ترامب وأنها ستحارب للحفاظ على المعايير الدولية المتفق عليها.

10