ترامب يقرر ويُعلل عبر تويتر

في الاستعراض الشبيه بمشهد ختامي لمعركة بالمسدسات في سينما رعاة البقر، يرسم ترامب مأزقه دون أن يدري، ويتخذ من تويتر منصة للخطابة والإدارة والغطرسة، ويخالف كل التقاليد.
السبت 2018/03/17
ترامب يتخذ من تويتر منصة للإدارة والغطرسة

في يوم الثلاثاء الماضي (13 مارس 2018) وهو يوم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن عزل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، كانت الشائعات المتفشية تقول إن العزل العاجل سيطال الجنرال ماك ماستر مستشار الأمن القومي، وديفيد شالكين وزير شؤون المحاربين القدامى. غير أن المستجد السياسي المتعلق بالانفراجة الكورية التي ارتضاها ترامب، ومخالفة تيلرسون لوجهته، فضلا عن الخلاف بين الرجلين حول مسألة الملف النووي الإيراني، عجّلت بالإطاحة بوزير الخارجية الذي وصف رئيسه بـ“المعتوه”.
بدا تكرار الاستغناءات والاستقالات في إدارة ترامب، ثقيل الظلال ومثيرا للكثير من الأسئلة الداخلية الأميركية، حتى أصبح حجمها لا يتيح لرئيس الولايات المتحدة مساحة زمنية للتفكير في خيارات السياسة الخارجية، أو طرح عناوينها الطموحة التي بلا أسس، كـ”صفقة القرن” في منطقتنا، التي أصبحت في موضع السخرية، ومذمومة من أهل المنطقة قبل أن يعرفوا بنودها كاملة.
الأميركيون بطبائعهم، شديدو الإلحاح لمعرفة الأجوبة عن كل الأسئلة. فهم لا زالوا يسألون دون أن يرتووا من الأجوبة التي كتبت وقيلت وشُرحت، عن خلفيات اغتيال الرئيس جون كنيدي في نوفمبر 1963. فما بالنا بالأسئلة الكثيرة التي تتزاحم اليوم، حول استقالات واستغناءات متتابعة في إدارة ترامب، لا سيما والناس في عصر التواصل الأسرع والأوسع نطاقا والأوفر في المعلومات.
كان تيلرسون، في شهر أكتوبر الماضي، قد حضر اجتماعا في مقر وزارة الدفاع وصف فيه الرئيس ترامب بـ“الأحمق”، وقال إنه يخالفه الرأي في طريقة التعاطي مع التهديد النووي الكوري، ومع الملف النووي الإيراني. وقبل أيام (6 مارس 2018) غادر البيت الأبيض، غاري كوهن، كبير المستشارين الاقتصاديين، المدافع عن مبدأ التجارة الحرة، وهو الرئيس السابق لــ“غولدن ساكس” أهم مؤسسات الخدمات المالية الأميركية؛ بعد أن خسر معركته مع ترامب، في موضوع فرض الرسوم الجمركية على معدنيْ الحديد والألمنيوم.
 وقبلها بأشهر أعلن ترامب عبر حسابه على تويتر، عن فصل رينس بريبوس، رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض، وتعيين جون كيلي بدلا منه. وقد كان ذلك في ذروة الممارسة غير المسبوقة التي ينقل من خلالها ترامب، مكان وأوقات الإعلان عن قراراته، إلى صفحة تويتر، بدلا من موضع المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض.
أما الصديق القديم للرئيس ترامب، مستشاره ستيف بانون، فقد كان البادئ مع رئيسه بالمزاح الثقيل، حين وصف اجتماع أفراد من أسرة ترامب مع المحامي الروسي، بالعمل الخياني. أما الشابة المليحة الذكية كما وصفها ترامب، مسؤولة العلاقات العامة والاتصالات في البيت الأبيض أوماروسا نيومان، فقد انسحبت في يناير الماضي، وتركت وظيفتها معللة مغادرتها بتفاقم قلقها على إدارة ترامب، وقد بدا واضحا أن نيومان قررت ألا تكون جزءاً من مآلات تتوقعها لتجربة ترامب في البيت الأبيض.
قبلها كانت المديرة المباشرة للاتصالات، هوب هِيكس، قد اعترفت للجنة التحقيق الاستخباري، أنها تفوّهت بــ”كذبات بيضاء” لصالح ترامب، ما اقتضى مغادرتها. ولما قرر ترامب تشغيل رجل في موقعها اشتهر ببذاءته وبياناته الشائنة، وبتطاوله على فريق ترامب نفسه؛ استقال السكرتير الإعلامي للرئيس سين سبايسر احتجاجا على التعيين. وكان هناك سكرتير إداري للموظفين، قد غادر وظيفته، عندما تقدّمت زوجتان له سابقتان، ببلاغات عن ممارسته العنف معهما.
في واقعة الإقصاء الأخيرة، طلب الرئيس ترامب من وزير خارجيته، أن يتنحى جانبا ويغادر، بعد أن ظلت التوقعات -حسب الصحافة الأميركية- ترشح الرجلين للسقوط معا. ولم تتأخر وزارة الخارجية الأميركية عن توجيه النقد للرئيس، كونه لم يفاتح تيلرسون في أمر الإقالة قبل إعلانها. فقد علم صاحب الشأن بإقالته من خلال صفحة تويتر، بعد عودته مباشرة من رحلة إلى أفريقيا. وعندما أعلن ترامب عن استغنائه عن صاحبه، فسّر ذلك باختلافه معه حول الاتفاق النووي مع إيران، إذ يريد ترامب إلغاءه، بينما تيلرسون يرى أن بقاءه أوجب وأحسن فائدة.
وسرعان ما اندلعت خلافات داخل المؤسسة الحكومية الأميركية، وطُرد على الفور، وكيل وزارة الخارجية بسبب تعليق على صفحته على تويتر، لم يقل فيه أكثر من الذي حدث، وهو أن تيلرسون لم يُدعَ إلى مقابلة الرئيس لإبلاغه، بل علم بالإقالة عبر تويتر شأنه شأن أي مواطن أميركي.
يواصل ترامب، تجلياته عبر صفحة التواصل ويقول “سيصبح مايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وزير خارجيتنا الجديد. وهذا الرجل سيقوم بعمل رائع، مع الشكر لسلفه ريكس على خدمته”. ثم يستطرد “ستصبح جينا هاسبل المديرة الجديدة لوكالة المخابرات المركزية، لتكون أول امرأة تتقلد هذا المنصب.. مبروك للجميع”!
في هذا الاستعراض الشبيه بمشهد ختامي لمعركة بالمسدسات في سينما رعاة البقر، يرسم ترامب مأزقه دون أن يدري، ويتخذ من تويتر منصة للإدارة والغطرسة، ويخالف التقاليد ويجرّب في رؤوس أصدقائه الذين سرعان ما يتحولون إلى أعداء.
ها هو يأتي بصديقه بومبيو، كوزير للخارجية. قال صديق، يعرف كيف يقترن الشأن البترولي بالشأن المخابراتي، وكان هو الذي يحيط ترامب علما بالتطورات في كل صباح، ويقدم له النصائح التي لم يتضح بأنها سديدة.

9