ترامب يقسم المشهد الإعلامي بين أخيار وأشرار انطلاقا من مصالحه

سطوة بيزوس التجارية سر حساسية دونالد ترامب الشديدة تجاه صحيفة واشنطن بوست.
الاثنين 2018/08/20
واشنطن بوست بقيادة بيزوس أصبحت مرجعية في قطاع التكنولوجيا

واشنطن - تنبأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا، باختفاء صحف مهمة مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، خلال أقل من سبع سنوات، لكن هذه التنبؤات لا تعدو كونها أماني ولا سيما إذا ما نظر إلى نجاح الصحيفتين وشعبيتهما الواسعة والمتزايدة في الولايات المتحدة، إضافة إلى كونهما الأكثر استفزازا للرئيس الأميركي.

تبدو معركة ترامب مع وسائل الإعلام الأميركية شخصية إلى حد كبير، فهو يعتبر واشنطن بوست، ما هي إلا بوق إعلامي دعائي لموقع أمازون، الذي كان مالكه جيف بيزوس، عملاق التسوق عبر الإنترنت، قد اشترى الصحيفة الأميركية العريقة قبل خمس سنوات مقابل 250 مليون دولار، ومنذ ذلك الحين تحسنت أحوال الصحيفة الشهيرة على نحو ملحوظ، على عكس كل توقعات ترامب.

وتقدر ثروة بيزوس بـ149 مليار دولار، وأصبح أغنى من رئيس أقوى بلد في العالم، بفارق كبير، فبينما يحتل بيزوس رأس قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم، يأتي ترامب في المرتبة الـ766 بثروة لا تتجاوز ثلاثة مليارات و100 مليون يورو.

ولعل ما يزيد من استياء ترامب هو أن شطحاته وهجوماته المتكررة على الصحيفة أسهمت في اكتساب واشنطن بوست المزيد من القراء على الإنترنت، رغم أن بيزوس كان صرح عام 2014 “لا أعرف شيئا عن عالم الصحافة، ولكن أعرف النذر اليسير عن الإنترنت”.

نجح عملاق التسوق عبر الإنترنت في إعادة هيكلة الجريدة، من دون التدخل في قرارات الإدارة أو سياستها التحريرية، ويضم فريق عمل الجريدة، وقوامه حاليا 700 فرد، يوجد بينهم خبراء في التكنولوجيا على أعلى مستوى، وحسب تأكيدات بيزوس فإنهم ينافسون خبراء وادي السيليكون، وبالفعل أصبحت الجريدة مرجعية لهذا القطاع، خاصة في تسجيل أنماط سلوك القراء على المواقع الإلكترونية.

ويرى البعض أن معركة ترامب مع بيزوس شخصية في المقام الأول، خاصة وأنه مالك لنحو 16 بالمئة من أسهم أمازون. وربما يرجع سبب هذه الخصومة إلى ارتفاع المبيعات عبر الإنترنت، والتي سحبت البساط من تحت أقدام المراكز التجارية التقليدية الكبرى مثل الجادة الخامسة في نيويورك، والتي يوجد بها برج ترامب الفخم الشهير.

نظرة سريعة على قائمة موظفي ترامب تكفي لإدراك مدى العلاقات الوثيقة بين إدارته ووسائل الإعلام المفضلة لديه

ولا يقتصر النزاع على البعد الاقتصادي فحسب، بل أعلن ترامب أيضا حربا لا هوادة فيها على واشنطن بوست، وغيرها من وسائل الإعلام التي تنتقد سياساته مثل نيويورك تايمز وسي.أن.أن، متهما إياها جميعا بـ”التلفيق وبنشر أخبار كاذبة”، وبأنها “عدو الشعب”. في خطاب له مؤخرا في بنسلفانيا، اتهم ترامب الصحيفة مجددا بفبركة الأخبار، والحديث عنها فقط بصورة سلبية. بالرغم من ذلك، حتى ابنته إيفانكا ناقضت حديثه، نافية أن تكون الصحافة كاذبة أو أنها عدو للشعب.

قسم ترامب المشهد الإعلامي بين أخيار وأشرار، انطلاقا من وجهة نظره السياسية الشخصية. بالنسبة إليه واشنطن بوست وبيزوس ينتميان إلى الأشرار، أما فوكس نيوز وروبرت ميردوخ، مالكها فينتميان إلى الأخيار، وهكذا أصبحت مجموعة قنوات شبكة ميردوخ بمثابة البوق الإعلام الرسمي لإدارة ترامب، بما يضمن له عمليا تغطية تشمل مواقف إيجابية عنه وعن إدارته وأصبح ميردوخ محل ترحيب من قبل البيت الأبيض.

وكانت “ذي صن”، صحيفة الإثارة البريطانية، وتنتمي أيضا إلى إمبراطورية ميردوخ قد نشرت المقابلة المثيرة للجدل التي انتقد فيها ترامب، رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي. وبعد قمة هلسنكي، حصلت فوكس نيوز على مقابلات حصرية للرئيسين الأميركي ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

وتجدر الإشارة إلى أول مقابلة حصرية منحها ترامب عقب وصوله إلى البيت الأبيض كانت لصحيفة بيلد الألمانية و”التايمز” البريطانية، وهذه الأخيرة مملوكة أيضا لميردوخ. شارك في المقابلة مايكل جوف، سياسي بريطاني مدافع عن خطة البريكست، وتكفي إلقاء نظرة سريعة على قائمة موظفي ترامب لإدراك مدى العلاقات الوثيقة بين إدارته ووسائل الإعلام المفضلة لديه. على سبيل المثال مسؤولة الإعلام والمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيبر نويرت، كانت تعمل مقدمة النشرة الإخبارية بفوكس نيوز، ومدير القسم الإعلامي الجديد في البيت الأبيض، بيل شاين، قادم أيضا من إمبراطورية ميردوخ.

وقد أجرى سباستيان جوركا، مقابلة حصرية مع شاين على فوكس، وكان جوركا قد عمل من قبل مع الرئيس المجري فيكتور أوربان، كما عمل أيضا مستشارا لشؤون السياسة الخارجية لدى ترامب، واضطر للتخلي عن منصبه عقب فشل استراتيجية ستيف بانون، إلا أنه عثر على مكان له وسط إمبراطورية ميردوخ للإعلام، بالإضافة إلى أنه لا يزال محط أنظار إدارة ترامب، وهو ما ظهر بوضوح أثناء لقاء القمة بين الرئيس الأميركي، ونظيره الكوري الشمالي، كيم يونغ أون.

يشار إلى أن إمبراطورية ميردوخ ليست الوحيدة التي وضعت نفسها رهن إشارة الرئيس الأميركي. وفقا للخبراء، فإن مجموعة جوليان سنكلير، وتضم 200 قناة تلفزيونية تملك نفوذا واسع المدى، حيث تعتبر أكبر مجموعة إعلامية في الولايات المتحدة.

وقد انتقد الإعلامي دان رازر، رئيس شبكة “سي.بي.أس” سانكلير بضراوة، معربا عن أسفه على أن “بعض رجال الأعمال الذين يملكون وسائل إعلام يستخدمون منصاتهم الإعلامية للتحكم في تفكير الناس، وهذا أمر بالغ الخطورة على ديمقراطيتنا”.

18