تربية الأبناء.. شعور صامت بالمرارة والخوف من الفشل

يعتقد عالم النفس الألماني إريك فروم، أن العلاقة بين الأم والطفل يشوبها بعض الغموض والتناقض وربما تكون مأساوية إلى حد ما، فهي تتطلب من الأم أن تظهر أقصى درجات الحب تجاه طفلها، بيد أن هذا الحب نفسه هو من يقدم الذريعة والدعم للطفل ليعيش بعيداً عنها مستقلاً بذاته.
الأربعاء 2015/11/11
المسؤوليات التي تقع على كاهل الأم بسبب تربية أبنائها قد تستنزفها عاطفيا

على الرغم من أن تجربة تربية ورعاية الأبناء تتوفر على قدر كبير من المتعة النفسية والعاطفية لدى أغلب الآباء والأمهات، إلا أن هذا لا يمنع من وجود بعض العوائق والصعوبات التي تواجه آخرين، بسبب عدم قدرتهم على تحقيق التوازن المطلوب في الواجبات والمسؤوليات الكبيرة التي تتعلق بدقائق حياتهم اليومية الحافلة، كما أن بعض الآباء والأمهات يحملون صامتين شعوراً بالمرارة جرّاء الصعوبات النفسية التي يواجهونها في تفصيلات معينة ضمن محاولاتهم تلبية الاحتياجات المادية والعاطفية التي لا تنتهي لأبنائهم، وأغلبهم يتجنب الخوض في مثل هذه الأمور والتعبير عن معاناتهم حتى مع الأصدقاء وأقرب المقربين، الأمر الذي يزيد الأمور سوءاً.

ومن جانبه، يرى الدكتور سيث مايرز، طبيب نفسي أميركي وباحث في العلاقات الاجتماعية، أن الأهل الذين يشعرون بالمرارة والمعاناة في تربية أبنائهم كانوا في الغالب يفتقدون إلى الدعم العاطفي والاجتماعي في طفولتهم، سواء بتعرضهم للإهمال من قبل والديهم أو نشوئهم في أجواء أسرية مشحونة بالمشاكل والانفعالات، في حين يواجه بعض الأهل صعوبة بالغة وتحدياً في تربية طفل صعب المراس وهذا هو سرّ المرارة التي يشعرون بها. ولهذا، فإن محاولة تقديم الدعم النفسي لهؤلاء يوجب علينا في المقام الأول معرفة مصدر معاناتهم.

من جانب آخر، أشار استطلاع للرأي أعده مركز “بيو” للأبحاث في أميركا، إلى أن أغلب الآباء والأمهات الذين تقل أعمار أبنائهم عن 18 عاماً، يعانون مجموعة من الضغوط النفسية خلال القيام بواجباتهم اليومية في رعايتهم.

وأكد أكثر من نصف هؤلاء، قرابة 56 بالمئة من عينة البحث، على أنهم يواجهون صعوبة في تحقيق التوازن بين أعمالهم الوظيفية ومسؤولياتهم في المنزل، فيما وصف 14 بالمئة منهم بأن الصعوبة في هذه المهام بالغة إلى حد لا يطاق.

وأكد مايرز على أنه التقى بحكم عمله بالعديد من الآباء والأمهات الذين يشعرون بعدم الرضا وهم يقدمون الرعاية ويلبون جميع احتياجات الأبناء، وفي داخلهم مرارة تسببها ذكريات الطفولة، حيث حرموا هم أنفسهم من هذه النعم ولم يتلقوا من والديهم سوى الإهمال وعدم التفهم والانتقاد المستمر، إضافة إلى أجواء التوتر المشحونة بالمشاكل الأسرية.

يواجه بعض الأهل صعوبة بالغة وتحدياً في تربية طفل صعب المراس وهذا هو سر المرارة التي يشعرون بها

ولذلك، قد يشعر بعض الآباء بالحسد تجاه أبنائهم، حتى وإن حاولوا إخفاء مشاعرهم هذه. كما يمثل وجود طفل متمرد أو غاضب، تحدياً آخر يواجه الوالدين ويمكن أن تجعل من تجربة الأبوّة والأمومة كابوساً يومياً لا ينتهي، لكنهم وحتى في أحلك اللحظات لا يمتلكون إلا أن يحبوا أبناءهم بصورة مبالغ فيها هذه المرة، مع الاحتفاظ بشعور داخلي من المرارة وخيبة الألم. وفي كلتا الحالتين، يحتاج الوالدان دعماً اجتماعياً من الأصدقاء والمقربين خاصة لتخطي هذه "المحنة" ولتلطيف مشاعر الإحباط، سواء بمشاركة الآخرين لهم بعض المسؤوليات بين الحين والآخر أو إشراكهم في نشاطات ترويحية عامة، لكسر حدة الروتين اليومي وتجديد النشاط الذهني.

ويذكر الدكتور روميتو فيتيلي، أستاذ علم النفس في جامعة يورك تورنتو الكندية، في مقاله الأخير في مجلة "علم النفس"، بأن المسؤوليات التي تقع على كاهل الأم بسبب تربية أبنائها قد تستنزفها عاطفياً، وعلى الرغم من تلقيها الدعم المستمر من والد أطفالها إلا أنها تبقى الشخص الرئيس الذي تناط به أغلب المهام خاصة في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل.

ويشير فيتيلي، إلى أن استطلاعات حديثة أظهرت بأن عدد الساعات التي تقضيها الأمهات المتعلمات تعليماً جامعياً في دعم الأنشطة الخاصة بتربية أطفالهن، قد ارتفع من 12 إلى 20 ساعة في الأسبوع بين عامي 1993 و2008 في حين أن النسبة متقاربة إلى حد ما في ما يتعلق بالأمهات اللاتي يقل مستوى تحصيلهن الدراسي عن ذلك، حيث ارتفعت من 10 إلى 16 ساعة في الأسبوع، فيما يتحمل بعض الآباء مسؤوليات مشابهة في هذا الإطار لكنها محدودة لا تتجاوز الـ9 ساعات في الأسبوع.

ولهذا، تتعرض بعض الأمهات للضغوط النفسية بسبب الشعور بالذنب من تقصير غير محسوس في أداء واجباتهن على أكمل وجه، إلا أن هذا الشعور قد لا يكون مبرراً أغلب الأحيان لكون مصدره الحقيقي شعور متعاظم بثقل المهام والمسؤوليات اليومية، مع وجود أبناء يتصرفون بفضاضة أو يتجاهلون رغبات الأهل ويتسببون في جرح مشاعرهم وبالتالي، وقوعهم تحت طائلة الشعور بالذنب والعجر والفشل.

21