تربية "التابوهات" تعمق الشروخ الاجتماعية

الأحد 2017/10/08

بعض المواضيع على أهميتها في المجالات التربوية والتثقيفية تمثل تابوهات داخل الأسر العربية تتحاشى الخوض فيها لأسباب دينية وعقائدية واجتماعية تستند في أغلبها إلى الأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعية ذات الأبعاد الشعبية المترسّخة. أليس من المهم مثلا أن نناقش نقاشا عائليا علميا مستفيضا بعض المواضيع التي تتعلق بالعاطفة والجنس والعلاقات، والتي تهم تربية فلذات أكبادنا وانعكاساتها المستقبلية على حياتهم وحياة أسرهم المفترضة؟

هناك أخطاء كثيرة وخطيرة ترتكب في حق الأطفال أثناء تربيتهم والتدرج بهم ومرافقتهم -بما للمصلح من علاقة بمجال التربية- نحو خوض معترك الحياة، صعب المراس، والمحفوف بمخاطر جمّة. فالأسر تتحاشى الخوض في مواضيع تعتقد أن النبش فيها يعتبر تعديا على الخطوط الحمراء المرسومة كحدود لمربع التربية. فمن يرسم هذه الأطر ويُلزم الآخرين بعدم تخطيها؟

للأعراف السائدة والمعتقدات المألوفة وقع خاص على التربية، فقد اهتم علم نفس الطفل والمراهقة بتفاصيل التحولات الجسدية والنفسية التي ترافق نموّ الطفل ثم المراهق إلى حدود السنة الحادية والعشرين من عمره والتي حددها العلماء كحدّ أقصى لما يسمّى في علم النفس بالمراهقة المتأخرة. في هذه المرحلة من المسيرة الحياتية للإنسان يحتاج إلى “مرافقة” فعلية، وهو مصطلح متداول كثيرا في “علم التربية”، يحتّم على الوالدين ثم أفراد الأسرة الموسّعة أيضا أن ينيروا السبيل الصحيح لأبنائهم بغية حمايتهم من الانزلاق في ما لا تحمد عقباه.

من المخاطر السلوكية التي قد تحدث أن المراهق والمراهقة لا يتعلمان شيئا صلب عائلتيهما في ما يخص اكتشافهما لجسديهما ولجنسيهما ولطريقتيهما في التعامل مع الجنس المقابل، على مستوى العواطف والسلوكيات اليومية. فإذا غابت الدروس العائلية تحضر حتما الدروس الاجتماعية التي يفرزها الشارع، وبما أن المراهقين في حالة دائمة من الاكتشاف فهم لا يتورعون -بدافع الفضول في أغلب الأحيان- عن تجربة كل “محظور اجتماعي”، فيسقطون في ما لا تحمد عقباه، مما يسبّب لهم تشوّهات نفسية وذهنية ترافقهم في مسيرة حياتهم، وقد تصير عقدا نفسية لا سبيل إلى تجاوزها.

بإمكان الوالدين والمحيطين بالمراهق أن يحموه من المخاطر، فيعمدون إلى تعليمه وفتح بصره وبصيرته على الحياة دون خجل أو تردد من ولوج الحوارات التي تتعلق بالتابوهات الاجتماعية المحظورة. لا بد للفتى والفتاة على حدّ السواء أن يعرفا عبر الوالدين وأفراد الأسرة إجمالا اختلافاتهما الجنسية فيكتشف المراهق رجولته وتكتشف المراهقة أنوثتها، وفي ذلك حماية لهما من الانخراط في ممارسة سلوكيات وانحرافات أخلاقية تكون نتائجها الجسدية والنفسية وخيمة.

تعتقد أسر كثيرة أن ما يعترض أبناءها في الشارع، بل ما يهددهم نفسيا وجسديا، أخلاقيات وسلوكيات دخيلة عن المجتمع ولا علاقة للعائلات بما يأتيه المراهقون من خروج عن السائد والمألوف الاجتماعيين، متناسية تقصيرها في تحصين النشء وتدريبه تدريبا عمليا وعلميا على المشاركة الاجتماعية الفاعلة والمنسجمة مع الأعراف الاجتماعية والتي، شئنا أم أبينا، تمثل الأطر الأخلاقية والقيمية المحددة لأيّ سلوك اجتماعي يأتيه المراهق.

لا ضير في المكاشفة والحوار البنّاء والتربية المدروسة والتي لا بد أن تستند إلى نظريات علمية في مجالات علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية والعلوم الطبيعية. فلا يمكن لوالدين ما أن ينجحا في تربية أبنائهما وتحصينهم دون ولوج مدروس لكل المواضيع ونزع الهالة الأخلاقية التي تكرّس الحظر. ولا يمكن أيضا أن ينجح الأمر إذا ما لم تتكفل المؤسسات التعليمية على اختلاف مراحل التعليم بمعاضدة الجهد الأسري وذلك بتكثيف الرعاية النفسية والاجتماعية للمتعلمين وتخصيص منابر للحوار المثمر وحسن الإنصات وعدم الخجل من طرق مواضيع “حساسة” تتعلق بالعواطف والجسد والعلاقات البشرية عموما.

الشذوذ الأخلاقي والقيمي الذي تفشّى اليوم في مجتمعاتنا من أسبابه الدفينة عدم التجرؤ على الخوض في المواضيع الحارقة التي تمثل تابوهات محرّمة اجتماعيا، وقد نسي رعاة التربية الأسرية أو التعليمية أو الاجتماعية أن التحصين الحقيقي للناشئة لا يتمثل في البحث عن علاجات لظواهر تفشت واستشرت في المجتمع كالنار في الهشيم، وبات من الصعب السيطرة عليها، وإنما الشعار الصحي الذي يرفع دائما هو “الوقاية خير من العلاج”، وهو الشعار الأجدر أن نتّخذه عنوانا بارزا في رؤيتنا للتربية بصفة مطلقة وللتربية المتعلقة بالعاطفة والعلاقات البشرية بين الجنسين كالزمالة والصداقة والحبّ والجيرة بصفة مخصوصة، ويجب أن يتم ذلك أيضا في كنف منظومتنا الأخلاقية بمرجعياتها المختلفة؛ الدينية والاجتماعية والحضارية.

كل السلوكيات التي تخرج عن نواميس المجتمع تتّخذ طريقها إلى الشذوذ إذا ما كان المجتمع بأفراده وأسره ومنظماته ومؤسساته جامدا متحجرا غير قادر على بناء الأفكار وتقييمها ومن ثمة تقويمها، ولعل التربية من الأولويات الأهم التي يجب أن تأخذ حيزا كبيرا من العناية، لأنه حتى الآباء والأمهات في حاجة إلى “تربية” وجديد معارف ليكونوا فاعلين في أسرهم.

كاتب تونسي

21