تربية التواصل

الخميس 2016/10/06

في عصر الإنترنت والأصدقاء الافتراضيين والمعجبين والعلاقات العابرة للقارات والأجناس والأعمار أصبحت الحياة الأسرية تعاني من مشكلات كثيرة مستجدة عليها، لا تجد لها حلولا جديدة ولا تعرف كيف تتحايل عليها بحلول جاهزة قديمة.

لا يخلو بيت تقريبا من اعتراضات ومزايدات ومضايقات واستفزازات من طرف أحد أفراد العائلة لآخر بسبب علاقاته الفيسبوكية أو التويترية، وبسبب ما يكتبه على جداره أو ما يكتب له، أو بسبب الوقت الذي يقضيه متجولا في حسابه الافتراضي، على حساب مهام وأولويات أخرى، حتى وصل الأمر بالبعض من الشبان أن يشترط على زوجة المستقبل أن تلغي حسابها الفيسبوكي قبل الزواج، كشرط أساس للارتباط بها.

حدث هذا فعلا، وعايشته بنفسي، ورأيت من يشترط على خطيبته أن تلغي حسابها، ويمنحها فرصة للتفكير، ويعتبر ردّها حاسما بالنسبة إلى إتمام مراسم الزواج أو التراجع عنه نهائيا.

ما الذي أوصل العالم لهذه الدرجة من الإحباط واليأس (فشرط كهذا لا يمكن أن يعبر إلا عن يأس)، في الوقت الذي يعتبر فيه العالم الغربي المتقدم وسائل التواصل الاجتماعي أداة تواصل وتقارب، ووسيلة عمل وتسويق لا غنى عنها؟

هل هو الاستعمال الخاطئ لهذه الأدوات الحديثة التي أصبحت من بديهيات أنشطتنا اليومية، سواء المهنية منها أو الخاصة؟ أم طبيعة الثقافة العربية والشرقية التقليدية التي لم تتعود على هذا الانفتاح والاختلاط والتقارب، وتخشى أن يعود عليها بالوبال؟

تحدث كل يوم قصص غريبة يساعد الخيال الشعبي على تغذيتها بشتى الكوابيس وأفظع السيناريوهات التي لا يمكن لمبدع أن يتصورها. حالات الزواج التي تمت عبر وسائل التواصل الاجتماعي كثيرة وتتجاوز الحدود والبحار، هذا يعني أنها ليست افتراضية بالكامل، وأن الافتراض يمكن أن يتحول إلى واقع في أيّ لحظة، وربما من هنا منبع الخطر.

التحرّش الافتراضي يكاد يفوق التحرّش على أرض الواقع وربما يتجاوزه فعلا، وهو تحرّش مستور لا أحد يراه، لذلك انضمّ إليه المثقفون والمتعلمون وذوو المناصب الاجتماعية العليا الذين يجدون حرجا في ممارسة التحرّش العلني في الشارع.

الآلاف من حالات الطلاق حدثت بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، كما حدثت انشقاقات أسرية ومآس لا حصر لها، في الوقت الذي كان يفترض بها أن تكون عاملا مساعدا على تقريب البشر والحدّ من المسافات ومدّ الجسور.

في مجتمع محافظ لا تزال المرأة فيه تخضع لرقابة الأب والأخ، وتعاني من تبعية وولاية عليها من جميع الجهات، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المنفذ الوحيد لنساء عبرن القارات وسافرن عبر البحار وهدمن الجدران المحيطة بهن، وكسرن القيود، وحررن أذهانهن وخيالهن، وهن أمام جهاز كمبيوتر أو على اللاب أو الهاتف الجوال.

البعض من الحكومات العربية تمارس رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي وتخضعها للمنع والحدّ، لأنها تملك الوسائل الكفيلة بذلك، لكن الأسر العربية لا تملك هذه الوسائل وليس أمامها سوى المنع القسري والعنف والاضطهاد الجسدي والمعنوي لبناتها وأبنائها، مما جعل مشكلات الأسرة العربية تتفاقم، ومعاناتها تتضاعف.

حل هذا المشكلة في رأيي يكمن في التوعية والإرشاد على الاستعمال الصحيح لوسائل التواصل الاجتماعي، وشخصيا أقترح أن تدمج مادة في مناهج التعليم الأساسي والثانوي، تتناول ثقافة وبديهيات وأسس استعمال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والتغيّرات التكنولوجية اليومية المستجدة في ثورة الاتصالات، تدرّس لمن هم فوق سن 12 عاما، ضمن مادة مشابهة للتربية الدينية أو التربية الوطنية، اللتين تلقيناهما في سن مبكرة. واليوم تربية التواصل، لِمَ لا؟

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21