تربية الكلاب في مصر وجاهة للأغنياء ورزق للفقراء

ظلت الموروثات الثقافية لمعظم الأسر المصرية حائط صد أمام رغبة أبنائها في اقتناء الكلاب، إلا أن الأمور انقلبت رأسا على عقب مؤخرا، حيث باتت العائلات تشجع أبناءها على تربية هذه الحيوانات في المنازل وفي الشرفات وفوق الأسطح، ومنهم من اتخذها تجارة رابحة تعود عليه برزق وفير.
الثلاثاء 2016/10/04

القاهرة - اقتصرت تربية الكلاب لعقود طويلة على الطبقة الأرستقراطية التي انتشرت بينها سلالات معيّنة، حيث لم تخل الأفلام المصرية الكلاسيكية مثلا من البعض من السلالات التي يوظفها مخرجوها، فنجدها تتحرك بين أفراد العائلة على نحو ما شاهدناه في الفيلم السينمائي الشهير”الشموع السوداء”، الذي قام ببطولته اللاعب الراحل صالح سليم والفنانة نجاة الصغيرة.

ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية وزيادة وتيرة التحولات الاجتماعية عادت الكلاب لتحتل الواجهة من جديد ليس لأغراض “المؤانسة” وحراسة القصور فحسب، وإنما للتجارة بها والانتفاع من عائد بيعها.

وأسهمت الأحوال الصعبة التي يعيشها قطاع كبير من المصريين في تخفيف حدة ممانعة الكثير من الأسر لوجود الكلاب، لكن الجديد أن البعض من الآباء اشتروا كلابا لأبنائهم باعتبارها تمثل مشروعا يعزز من دخل الأسرة، فالكلب الصغير أو ما يطلق عليه (الجرو) الذي لا يتجاوز عمره الثلاثة أشهر مثلا يباع بنحو 340 دولارا، أما السلالات الأخرى مثل “رود فايلر”، التي يقال إنها منحدرة من فصيلة “الدروف” التي تعود بدورها إلى الإمبراطورية الرومانية القديمة، فيصل ثمنها إلى 2230 دولارا.

ومع حلول الساعة العاشرة مساء، يبدأ الشباب المصري في مناطق بوسط القاهرة والبعض من المحافظات الأخرى في التجول بكلابهم في الشوارع الرئيسية، في ظاهرة بدأت تثير انتقادات حادة لدور الأجهزة الأمنية والبيطرية في مصر، خصوصا مع استخدام تلك الحيوانات في المشاجرات وقطع الطرق والتحرش بالفتيات.

وسيلة ترفيه للأطفال

وشهد العام الماضي عشرة حوادث لاستخدام الكلاب في تعطيل قوات الأمن ومهاجمة عناصرها أثناء مداهمات لأوكار المخدرات، كما قضت محكمة مصرية بسجن شاب 25 عاما لاستخدامه كلبا في جرائم سرقة بالإكراه والتحرش بالفتيات وإرهاب المواطنين.

ويؤكد مقتنو كلاب على أنها للحماية والدفاع عن النفس في المشاجرات، علاوة على أنها “هواية”، لكن جمعيات حقوق الحيوان ترفض هذه الذريعة، معتبرة أن معظم مالكي الكلاب يعززون دوافعها العدوانية بقطع ذيول بعضها حتى تصبح أكثر شراسة.

وقالت دينا ذو الفقار، الناشطة في مجال حقوق الحيوان، إن مصر تشهد سوقا سوداء للكلاب تتعرض فيها تلك الحيوانات إلى الإيذاء وأغلبيتها غير مرخصة (الترخيص يتمثل في حلقة معدنية تستلم من الطبيب البيطري وتعلق في طوق على رقبة الكلب بعد أن يتم تطعيمه بالتطعيمات الخاصة بالكلاب بشكل كامل، وأهمها تطعيم السعار) ولا تستخدم في الحماية بل للمتاجرة في نسلها أو استخدامها في حلقات مصارعة بالمناطق الشعبية، مقابل التنازل عن الكلب المنهزم أو الحصول على مواد مخدرة.

ولا يفرض القانون في مصر عقوبة على امتلاك حيوان غير مرخص إلا في حالة ارتكابه جريمة، فإذا استخدمه صاحبه في القتل يعاقب على أنه قاتل متعمّد، لأنه استخدم حيوانا شرسا يعتدي به كأنه نوع من الأسلحة، وإذا استخدمه في إرهاب مواطن وسرقة أمواله فيحاكم بعقوبة السرقة بالإكراه المقترنة بالإرهاب والتي تصل إلى المؤبد (25 عاما)، أما الترخيص فيحفظ حق الكلب وحق مالكه.

كلاب للتحرش

مع استخدام الكلاب في التحرش أحيانا لجأت فتيات إلى شراء أنواع شرسة مدربة مثل “الجيرمان شيبرد” و”بيتبول” والتجول بها لمواجهة المتحرشين متخليات عن حيواناتهن التقليدية الناعمة مثل القطط.ويطلق على سلالة “الجيرمان شيبرد” كلاب الرعاة الألمانية وهي واحدة من أكثر سلالات الكلاب شهرة في العالم أيضا وتمتاز بالذكاء والشجاعة والقدرة على تحمل الأعمال الشاقة وهي رفيقة مخلصة ومطيعة. أما كلاب “بيتبول” فهي سلالة هجينة من عدة فصائل تتميز بقوة كبيرة وبشراستها. ويعتبر “بيتبول” من الكلاب المخلصة لأصحابها، حيث تم تهجين هذه السلالات لصيد الطرائد الضخمة كالخنازير البرية، كما تستخدم أيضا في النزالات لما تمتاز به من قوة عضلية وقدرة على التحمل في القتال.

وتقول ذو الفقار لـ”العرب”، إن الحكومة تغض الطرف عن انتشار المزارع غير المرخصة للكلاب المستوردة التي تدمر السلالات المصرية، حيث اختفت سلالة “الأرمنت” التي أصبحت مقتصرة على أثرياء بريطانيا، والكلب الكنعاني الذي سجلته إسرائيل على أنها موطنه الأصلي رغم أن وجوده يعود إلى عهد الفراعنة في مصر، حيث كانت الكلاب المحلية أقل عدوانية وأكثر تعايشا مع البيئة.

ازدهار سوق الكلاب

لا ينكر مربو كلاب اتهامات الحقوقيين، فالحيوان إذا كان مرخصا يمكنه أن يلتهم قطعة من جسد إنسان في مشاجرة دون أدنى عقوبة باعتبار أن ذلك تم دفاعا عن النفس، الأمر الذي يمثل ثغرة دائمة للهروب من العقوبة، علما وأن الكلاب قد تهاجم أحيانا لمجرد شعورها بالضيق من ارتفاع درجات الحرارة.

وفي ظل حالة الفوضى وغياب مدونة أخلاقية للسلوك وعدم وجود التزام من أي نوع باشتراطات اصطحاب الكلاب إلى الشارع في مصر، يقول سامي طه، نقيب الأطباء البيطريين لـ”العرب”، إن “الوضع أصبح كارثيا لأن اقتناء الكلاب والتجول بها من الأمور التي يسمح بها القانون بشرط أن يكون الحيوان مكمّما وأن يكون حاملا لرخصة في رقبته وبطاقة تطعيمه من مرض السعار”.

ويتابع طه أما إذا كان لا يمتثل للشروط السابقة ذكرها، فيمكن للشرطة وهيئة الطب البيطري قتله على الفور، تحاشيا لإمكانية إصابته بالمرض، لكنّ أيا من ذلك لا يحدث على الإطلاق، بل ويزداد الموقف سوءا أحيانا وسط انتشار أكاديميات لتدريب الكلاب على العنف وكثافة العيادات البيطرية غير المرخصة.

أكاديميات تدريب غير مرخصة

تنتشر في مصر حاليا أكاديميات لتدريب الكلاب بسعر يصل إلى 282 دولارا للكلب الواحد، ويتم التركيز في التدريب على إخضاع الحيوان لسيطرة صاحبه وإطاعة أوامره وزيادة شحنه بميول عدوانية وهجومية.

وأمام ارتفاع نفقات تربية البعض من أنواع الكلاب في مصر والتي تصل إلى 5 دولارات في اليوم الواحد، فقد أنشأت فتاة تدعي هبة أحمد، أول مطعم لتوفير وجبات جاهزة وسريعة بواقع 3 وجبات مختلفة في شكل مغلّف، وهو ما أثار حالة من الجدل في مجتمع يعاني 26.3 بالمئة من سكانه الفقر، وفقا لتقديرات رسمية.

وكشفت ظاهرة اقتناء الكلاب بأبعادها المختلفة عن تغيّر لافت في منظومة القيم المصرية، خاصة الكلاب التي تقتنى من أجل المتاجرة أو التحرش بالفتيات أو السرقة بالإكراه.

حيوان للتحرش والإجرام لدى الشباب

وأوضحت سامية الساعاتي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها مصر أسهمت في تغيير تلك الثقافة التي ترى أن الكلاب “نجسة”، وأن وجودها يحول دون دخول الملائكة للبيت، إذ باتت الأسر تغير قيمها من أجل المال بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، فاقتناء الكلاب كان يقتصر على الطبقات الغنية التي كانت تشتريها للحراسة أو الوجاهة الاجتماعية، خاصة الفتيات اللائي كن يفضلن كلاب الزينة الصغيرة غالية الثمن.

والمتتبع لصفحات محبي الكلاب على مواقع التواصل الاجتماعي يتخيل أن مصر تحولت إلى سوق ومزادات على الحيوانات وتبادلها أو البحث عن حيوانات من نفس الفصيلة للتزاوج واقتسام الجراء بين الطرفين.

وأشارت الساعاتي لـ”العرب” إلى أن هناك هزة حقيقية حدثت في الثقافة المصرية، فاقتناء الحيوانات بالمناطق الفقيرة أصبح أكثر من الغنية رغم أن تربيتها من المفترض أن تكون مكلفة ماليا، والأكثر غرابة هو وضع الكلب كشرط في البعض من عقود الزواج بمناطق تقطنها أسر فقيرة لأنها باتت تجارة تدر ربحا وفيرا.

ويزداد الأمر خطورة من خلال توظيف الكلاب في التحرش الجنسي وتهديد الحريات الشخصية للفتيات في الشارع.

وحذرت سامية الساعاتي من انتشار هذا السلوك الهمجي في ظل غياب كامل للمسؤولية، وتصدع مخيف لمنظومات القيم الإنسانية والأخلاقية.

لقد صار اقتناء الكلاب عالما معبّرا عن طبقات مختلفة وأغراض متباينة، وكاشفا عن تحولات ثقافية واجتماعية عاصفة ببنية المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة.

20