ترتيبات أميركية لشرق الفرات.. ومراوغة روسية بين القبول والالتفاف

يبقى ملف إدلب هو الأعقد، بعد مضي أكثر من شهرين من المراوحة في المكان والاستنزاف البشري، واضطرار روسيا إلى الاعتماد مجددا على الميليشيات الإيرانية ولو بشكل محدود، دون تحقيق التقدم.
الأحد 2019/07/14
الإدارة الأميركية مهتمة بحل الملف الإيراني، وتريد البدء به من سوريا

شهد الأسبوع الماضي حراكا دبلوماسيا محموما لجيمس جيفري، المبعوث الأميركي المسؤول عن الملف السوري، تمثل في زيارة عدة عواصم أوروبية وعربية، وعقد اجتماعات في حقل العمر النفطي شرق دير الزور، مع الأطراف المحلية وبحضور السفير الأميركي وليم روباك، وقائد القوات الأميركية في سوريا والعراق، الجنرال بلاك ميران.

وظهرت نتائج هذه التحركات سريعا؛ فقد أعلن جيفري عن عودة البعثة الدبلوماسية الأميركية إلى سوريا، بعد سحبها عقب قرار ترامب بالانسحاب. فيما أعلنت مجلة فورين بوليسي الأميركية عن موافقة بريطانيا وفرنسا بإرسال جنود إلى سوريا، يتراوح عددهم بين 300 و400، إضافة إلى تقديم بعض دول البلقان والبلطيق “حفنة” من الجنود، لملء فراغ انسحاب القوات الأميركية من شرق الفرات، والبالغ عددها 2000 جندي، بعد أن قررت الإدارة الأميركية إبقاء 400 جندي منهم في شرق الفرات ومحيط قاعدة التنف، ورفضت ألمانيا العرض الأميركي بإرسال جنود إلى سوريا.

كان مضمون زيارة المسؤولين الأميركيين رفيعي المستوى إلى حقل العمر النفطي، شرقي دير الزور، لقاءات مع قيادات مجلس دير الزور المدني، ولقاء آخر مع ممثلين عن عشيرتي البكارة والعكيدات، كبرى قبائل الشرق السوري، لتوفير دعم اقتصادي وسياسي، وتطوير “الحوكمة الرشيدة”، وزيادة تمثيل العشائر العربية لخلق توازن سياسي شرق سوريا، والتخفيف من حدة التوتر العربي- الكردي، وذلك لتوفير استقرار في المنطقة يضمن عدم عودة تنظيم داعش.

وأعلنت قوات التحالف الدولي عن إجراء مناورات بالأسلحة الثقيلة في قاعدة التنف على الحدود العراقية-الأردنية-السورية، بمشاركة جيش “مغاوير الثورة”، بعد أن قامت الولايات المتحدة بإعادة إحيائه. وجيش “المغاوير” مدعوم أميركيا، وغالبية مقاتليه من أبناء دير الزور؛ لكن تم تجميده في نهاية سنة 2017، وتسريح غالبية مقاتليه، الذين لم يتبق منهم سوى 50 عنصرا. فقد أُعلِن عن فتح باب الانتساب، وفتحت معسكرات التدريب للمنتسبين الجدد في الأردن.

 وخصصت ميزانية البنتاغون لعام 2019 مبلغ 300 مليون دولار للتدريب والتسليح، وكرواتب للمقاتلين في شمال شرق سوريا، والذين تسعى الولايات الأميركية لوصولهم إلى 60 ألف مقاتل من أبناء المناطق المحررة من تنظيم “داعش”، لضمان القدرة على حمايتها من عودة التنظيم. فيما تريد الولايات المتحدة الاستفادة من هذه الجيوش في محاربة الميليشيات الإيرانية في دير الزور، وفي إيجاد قوة حرس حدود، على الحدود السورية-العراقية.

وهناك تنسيق أميركي مع دول عربية، مهتمة بطرد الميليشيات الإيرانية، وبالحد من النفوذ التركي، لتقديم تمويل لإعادة إعمار شرق الفرات.

التحركات الأميركية هذه، تأتي في ظلّ تقارب أميركي-روسي، بدأ مع زيارة مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، إلى روسيا، منتصف مايو الماضي، ولقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، برفقة جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، حيث اتفق الطرفان على خطة فضفاضة تقضي بالعمل على تنفيذ القرار 2254، والتعاون في ملف محاربة الإرهاب وداعش، وإضعاف النفوذ الإيراني، والتخلص من الأسلحة الكيمياوية، وتوفير مساعدات، ودعم دول الجوار، وتوفير عودة اللاجئين، وإقرار مبدأ المحاسبة.

وكذلك هناك تقارب إسرائيلي-روسي، تمثل بالسماح لإسرائيل بإجراء ضربات على المواقع الإيرانية في سوريا، كان آخرها الأقوى، الأسبوع الماضي، وستتولى إسرائيل دور الوساطة مع الولايات المتحدة، للتنسيق لإبقاء نظام الأسد في الفترة الحالية.

وكان ثمرة هذه التقاربات اجتماع كبار المسؤولين الأمنيين للدول الثلاث صاحبة القرار في سوريا، أميركا وروسيا وإسرائيل، والذي طالبت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل روسيا بالعمل على تحجيم النفوذ الإيراني، دون أن تبدي روسيا موافقة على ذلك، بل بالعكس، عادت التصريحات الروسية للدفاع عن الحليف الإيراني، والتنديد بالضربات الإسرائيلية الأخيرة، دون منعها، أو السماح للنظام بتشغيل منظومة الدفاع أس- 300، في خطوة يبدو أنها ابتزاز روسي للولايات المتحدة لتخفيف العقوبات على النظام السوري، والسماح بعودة التطبيع معه.

يبدو الاجتماع الأمني وما سيليه من اجتماعات متكررة، الخطوة الأهم في طريق التسوية السورية، فبعده حصل تقدم في ملف اللجنة الدستورية، التي يتولى مهمتها المبعوث الدولي إلى سوريا، غير بيدرسون، بعد قبول النظام بأعضاء المجتمع المدني الستة.

وهناك تفاهمات روسية-أميركية جديدة على السماح للجيش الأميركي بتوجيه ضربات جراحية في شمال غربي سوريا، لتجمعات متطرفي تنظيم القاعدة، بدأت بقصف معهد شرعي تابع لتنظيم حراس الدين في ريف حلب الغربي.

هذا إضافة إلى ما استجد من قيام رئيس النظام السوري مؤخرا، بتغييرات رؤساء الأجهزة الأمنية الأربعة، بطلب روسي، وخلق فرع أمني جديد مسؤول عن تلك الأفرع، لتحجيم التغلغل الإيراني في مراكز القرار للنظام السوري، وتوحيده تحت إمرة روسيا.

ومن نتائج التقارب الأمني الأميركي- الروسي- الإسرائيلي، تراجع الإدارة الأميركية عن الحديث حول مطلب التغيير السياسي، حيث اقتصرت المحادثات بين ترامب وبوتين على هامش قمة العشرين، على موضوع تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا.

بالتالي يبدو أن الإدارة الأميركية مهتمة بحل الملف الإيراني، وتريد البدء به من سوريا، وتحتاج إلى مساعدة روسية في ذلك، في وقت تسارع فيه إلى ترتيبات إدارة لشرق الفرات، وخلق توازن عربي- كردي، والاعتماد على قوات شركائها في التحالف، لقطع الطريق على روسيا بالسيطرة على الثلث الأغنى بالموارد النفطية والغاز والمنتوجات الزراعية في سوريا، مستغلة فشل موسكو في التقدم في ملف إدلب، وتراجع التنسيق التركي-الروسي حوله.

يبقى ملف إدلب هو الأعقد، بعد مضي أكثر من شهرين من المراوحة في المكان والاستنزاف البشري، واضطرار روسيا إلى الاعتماد مجددا على الميليشيات الإيرانية ولو بشكل محدود، دون تحقيق التقدم.

الترتيبات الأميركية شرق الفرات، والمراوحة في ملف إدلب، تفرض على روسيا الاعتراف بتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ ثلاث، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تمثيل كردي في هيئة التفاوض بدعم عربي، من أجل فرض حل وفق الأمر الواقع، شريطة إخراج الميليشيات الإيرانية، والحد من النفوذ التركي، وإبقاء نظام الأسد حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

4