ترتيبات السلطة تدق إسفينا بين مفتي ليبيا المعزول وحزب الإخوان

الصادق الغرياني ينتقد تزكية عقيلة صالح لرئاسة المجلس الرئاسي.
الثلاثاء 2021/01/26
عقيلة صالح يقسم الإسلاميبن

دخلت المواجهة بين حزب العدالة والبناء الذراع السياسية لجماعة الإخوان الليبية ورئيس دار الإفتاء التابعة لسلطات طرابلس، والمقيم بتركيا الصادق الغرياني، مرحلة كسر العظم بعد سنوات التحالف والتوافق نظرا إلى المرجعية الواحدة التي ينحدران منها، وإن كان الغرياني يبدو أقرب إلى التيار السلفي من داخل المنظومة الإخوانية، ما يجعله يصطدم بحالة من الانتهازية القصوى التي يمارسها الحزب من أجل التمركز في مؤسسات الحكم والتغلغل في مفاصل الدولة.

طرابلس – يرى المراقبون أن تبادل الاتهامات بين حزب العادلة والبناء ومفتي ليبيا المعزول الصادق الغرياني يأتي على ضوء تفرّد جماعة الإخوان بالتفاوض السري على دورها في المرحلة القادمة دون وضع حلفائها في صورة التطورات الحاصلة داخليا وخارجيا، وموافقتها على اختيار رئيس البرلمان عقيلة صالح لرئاسة المجلس الرئاسي القادم، ودعمها ترشيح وزير الداخلية المفوض فتحي باشاغا لرئاسة الحكومة القادمة، فيما يراهن الغرياني على إقصاء صالح ومنح رئاسة الحكومة إلى شخصية إخوانية مقربة منه، وهي نوري بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني العام بين 24 يونيو 2013 و7 فبراير 2014، وزعيم تيار «يا بلادي» المدعوم من قبل عدد من الميليشيات.

قال الغرياني في محاولته لتشخيص تحركات الحزب الإخواني إنه “ليس هناك حوار بل صراع على السلطة، جناح يقوده حزب العدالة والبناء والآخر يقوده الفريق الآخر وأسوأهم ما يقوده حزب العدالة والبناء، وهو المتحمس والمتعصب والمتشدد على أن يعطي رئاسة الرئاسي لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح”.

وأضاف الغرياني أن “المجلس الرئاسي يصدر في كل يوم قرارات متتالية، ولم يستطع وزير الداخلية المفوض بحكومة الوفاق فتحي باشاغا أن يضع حدّا للقرارات والتعيينات التي لا يقبل بها”، معتبرا، أن “جلسات الحوار تعقد منذ أشهر، وكلّفت مصاريف وأموالا طائلة، وما زال المشاركون فيها يصرّون على أن يتولى عقيلة صالح الرئاسي، ويدافعون عن ذلك بكلام فارغ”.

وبالمقابل اعتبر الحزب الإخواني تصريحات الغرياني، تحريضا ضده، محملا إياه مسؤولية سلامة أعضاء الحزب، وقال في بيان أن “فتوى الغرياني التي وصف من خلالها ما يجري في الحوار السياسي الليبي بمؤامرة دولية ضد البلاد والليبيين تطرح تساؤلا بشأن ما يريده الأخير للخروج من الأزمة إن كان الواقع غير مرضي وإصلاحه وتطويره كذلك لا يجوز بزعمه”.

‎وأبرز الحزب في بيان “وصف الشيخ الصادق لما يجري من حوارات ونقاشات بين الفرقاء الليبيين على كل المستويات بالفساد في الأرض وتأكيد كلامه من خلال فتوى صريحة هو توظيف للفتوى الدينية لمهاجمة اجتهادات سياسية يخضع فيها الأمر للخطأ والصواب وللراجح والمرجوح، كما يعتبر الحزب هذا الأمر تحريضا مباشرا عليه وعلى أعضائه ويحمله مسؤولية سلامتهم”.

من المرجح أن تشهد الأيام القادمة، المزيد من المواقف الداعمة للغرياني ضد الحزب الإخواني وخاصة من قبل الميليشيات المتشددة، بما فيها تلك الداعمة لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، والرافضة للحل السياسي ولتولي صالح رئاسة المجلس خلال المرحلة القادمة

ورفض رئيس حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين محمد صوان استخدام رمزية دار الإفتاء والفتوى لدعم رأي أو موقف سياسي اجتهادي وتشويه آخر، وقال إنه لا يرفض تدخل دار الإفتاء بالسياسة لكنه يختلف معها في السلوك الذي تنتهجه في طريقة التدخل بالشأن السياسي، كما رفض المزايدة على الحزب في قضية علاقة السياسة بالدين، مشيرا إلى أن دار الإفتاء تمارس نوعا من الوصاية في تناولها الأحداث السياسية من منطلق الحلال والحرام والحق والباطل متجاهلة ما تفرضه طبيعة العمل السياسي من موازنات بين المصالح والمفاسد والأولويات والإكراهات التي يقدرها السياسيون.

وأكد صوان أن دار الإفتاء والمفتي المعزول الغرياني استخدما خطاب التأييد والرفض في عدة قضايا وأحداث ذات طابع يحتمل الاجتهاد السياسي، معتبرا أن استخدام الغرياني لميزان التحريم والرمي بالإثم في قضايا سياسية يضيّع رمزية الإفتاء وتكون في موضع الانتقاد.

وكان تسجيل صوتي مسرب لصوان قد كشف تورطه في حرب ما تسمى بـ”فجر ليبيا” التي تسببت في الفوضى وانقسام المؤسسات، مؤكدا أن الحرب كانت بهدف انتزاع الشرعية من الحكومة والبرلمان سنة 2014. وقال صوان في التسجيل إن الحزب كان وراء اتفاق الصخيرات، وإنه يعمل على إيجاد اتفاق جديد مماثل، لأنه لا يمتلك الرصيد الشعبي الذي يؤهله للفوز في أية انتخابات قادمة.

ويشير المتابعون إلى أن فتوى الغرياني وتصريحاته، تعبّران عن وجهة نظر بعض الأطراف الإخوانية ذات الصلة الوطيدة بالجماعات الإرهابية، ومنها أطراف في مجالس شورى المجاهدين الفارّة من ضربات الجيش في شرق البلاد، وعدد من ميليشيات مصراتة والمنطقة الغربية التي سبق وأن رفضت الحل السياسي الجامع، ودفعت بالأمم المتحدة إلى تبني مقترح نقل السلطات التنفيذية المنتظر تشكيلها في الأيام القادمة إلى مدينة سرت التي ستكون عاصمة مؤقتة إلى حين التوصل إلى الحل النهائي.

ويضيف هؤلاء أن هناك تيارا ميليشيويا يشكك في نوايا باشاغا المرشح لرئاسة الحكومة القادمة، والذي تعرض إلى انتقادات واسعة بعد زيارتيه المعلنة إلى باريس، والسرية إلى القاهرة في نوفمبر الماضي.

الصادق الغرياني: المشاركون في الحوار يتمسكون بالدفاع عن عقيلة صالح بكلام فارغ
الصادق الغرياني: المشاركون في الحوار يتمسكون بالدفاع عن عقيلة صالح بكلام فارغ

ومن بين الأصوات المعبرة عن هذا التيار، عضو المؤتمر العام السابق عن حزب العدالة والبناء وعضو جماعة الإخوان المسلمين محمود عبدالعزيز، الذي تساءل في تصريح من على شاشة قناة التناصح “ماذا تريدون من الغرياني أن يخرج ويقول؟ هل يتكلم بما يطلبه المستمعون؟”، متابعا “لا يحتاج الشيخ الصادق دفاعا، ولكن أتقرب من الله بدفاعي عنه لأنه من أوليائه، والمقاربات السياسية لا تعني الانبطاح والاستسلام”.

وبدوره خرج أحد أبرز الموالين للغرياني ومن ناشطي الإخوان بمدينة مصراتة مروان الدرقاش ليطرح عددا من الحقائق حول حزب العدالة والبناء، وذلك في إطار سياسة كشف المستور، حيث قال “كنت عضوا فاعلا في حزب العدالة والبناء من أبريل 2012 حتى أغسطس 2015، وهي فترة كان خلالها الحزب مكوّنا مهمّا من مكونات فبراير، وكان له دور بارز في مناكفة الأغلبية العلمانية في المؤتمر الوطني العام”، مشيرا إلى أن الحزب كان سببا في “منع انتخاب محمود جبريل رئيسا لأول حكومة بعد الانتخابات، وهو من دعم ترشح نوري بوسهمين لرئاسة المؤتمر، وهو من كان يحاول إيجاد ما أسماها صيغة توافقية لقانون العزل السياسي؛ لأن تشديده هو ما قاد القانون إلى الفشل وعدم التطبيق”.

وأضاف “تركتُ الحزب ولست نادما على الانضمام إليه ولا على تركه؛ لأني انضممت والحزب جزء من فبراير وتركته بعد أن أصبح جزءا من الثورة المضادة”.

ويرجح المراقبون أن تشهد الأيام القادمة، المزيد من المواقف الداعمة للغرياني ضد الحزب الإخواني وخاصة من قبل الميليشيات المتشددة، بما فيها تلك الداعمة لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، والرافضة للحل السياسي ولتولي صالح رئاسة المجلس خلال المرحلة القادمة.

وكان مجلس النواب الليبي قد أعلن في التاسع من نوفمبر 2015 قراره بعزل الغرياني، من منصب المفتي، وإلغاء دار الإفتاء وإحالة اختصاصاتها واختصاصات المفتي إلى هيئة الأوقاف في الحكومة المؤقتة بشرق البلاد.

وترأس الصادق الغرياني دار الإفتاء الليبية بقرار من المجلس الوطني الانتقالي إبان ثورة فبراير عام 2011، فيما أثارت مواقفه جدلا واسعا في الأوساط الليبية طوال الأعوام الأربعة الماضية، بسبب تحيزه لأطراف إسلامية متشددة في ليبيا.

واتهم الغرياني بدعم المجموعات السلفية المتشددة في عام 2011 وبداية 2012 وإسنادها بفتاوى تجيز نبش القبور والأضرحة التي أثارت استياء شعبيا واسعا، قبل أن يتحوّل إلى موالاة تيار الإخوان المسلمين والتقرب إلى الجماعة الإسلامية المقاتلة المقربة من تنظيم القاعدة.

12