ترجل الفارس بوخلف مبكرا

الأحد 2014/11/23

كثيرون هم أولئك الذين يرحلون عنّا يوميا دون أن نحسّ بفراقهم، غير أن من بين الراحلين من يترك أثرا موجعا في نفوسنا، لا يخففه سوى القناعة بقضاء الله وقدره، ويقيننا بأن الله اشتاقهم فأخذهم إليه.

غير أن رحيل أمثال هؤلاء، يكون دائما رحيل أجساد فقط، لأنهم ملكوا كل شروط الإقامة الدائمة في القلوب بما زرعوه من ذكريات، وطبعوه من بصمات يستعصى على الزمن محوها، فهم فرسان الشدائد، يتبعهم الإنجاز حيثما ذهبوا، وتحيل أصابعهم كل المصاعب إلى نجاحات كبيرة.

ومن هؤلاء الرجال فارس نهضوي مغوار ترجّل عن صهوة جواده قبل موعده بكثير، فالإمارات فقدت واحدا من شبابها المخلصين الذين حملوها رسالة مضوا بها بكل عزيمة وإصرار في كامل الفترة القصيرة من العمر التي قضوها بيننا في الحياة.

فقبل أقل من نصف قرن استقبلته مدينة زايد بالمنطقة الغربية مولودا يطلق صرخته الأولى، غير أن مدينة زايد لم تنس ذلك التاريخ، فالمولود الجديد حينها، كانت كل شواهد نموه وترعرعه تشير إلى أنه واحد من صناع أمجاد التاريخ.

فقد أحبّ رمالها الناعمة التي لم يشغل باله أمر غير تحويلها إلى ذهب، فقد كان متفوقا في دراسته، محبا لكل مفردات بيئته، ومن التعليم الحكومي في الدولة انتقل لإكمال تعليمه بالولايات المتحدة.

وعندما تولّى منصب رئيس مجلس إدارة شركة أبوظبي للإعلام، قفز بها قفزات مذهلة نحو النجاح في وقت قصير، ولاقى هواه منصب مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

وتجلّت إبداعاته، في المعرض الدولي للصيد والفروسية في عام 2003، بعدما تمكّن ببراعة شديدة من مزاوجة المكوّن المحلّي للمهرجان بالمواصفات العالمية في عبقرية مذهلة، فمنذ نعومة أظفاره أظهر اهتماما بالبيئة والطبيعة والثقافة والأدب العربي.

واهتم برياضات البادية المرتبطة بسكان البيئة، وساعده حبه ومعرفته بالفروسية والصقور، إضافة إلى رؤيته، على أن يكون فارسا لهذا الإنجاز، فهو يحمل مواصفات استثنائية بدءا بمجلسه المفتوح دون إغلاق، حيث تكفي نظرة واحدة للمكتظين به دائما، لمعرفة هذا الرجل، فهو يجمع كافة طبقات المجتمع دون استثناء.

وانتهاء بشهادات من عاشروه، والذين لم يجدوا غير دموع الأسى التي بلغت حدّ الانتحاب، مترجمة أحاسيس لن تتمكن كل قواميس اللغة من ترجمتها، حينما طلب منهم الإعلاميون التحدّث عن الفارس الفقيد.

لقد جسّد الفقيد الغالي محمد خلف المزروعي كامل المواصفات التي تحمل تعريفا عن مواطن الإمارات، وبرحيله عنّا ترك لنا الكثير من الأثر الطيب الذي يجعل كل فرد من أبناء الإمارات شعلة تتقد حتى بعد رحيلها.

ولم يبق لنا غير أن نسأل الله تعالى أن يجزيه بقدر ما أعطى، ويرزقه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا، وأن يلهمنا الصبر على فراقه.

24