ترحال بصري في غياهب مكان وزمان يُشبهان بيروت

اللبنانية فانيسا جميّل ترسم مدينة حمراء وليالي من نسيج الدانتيل.
السبت 2021/09/25
لوحات تحتفي بمدينة خالية عبر ألوان مكتظة

بالرغم من الهذيان الذي يعيشه لبنان، تواصل صالة “أجيال” البيروتية إقامتها جسرا فنيا امتدّ من الربيع الماضي وصولا إلى مداخل الخريف الحالي، لتقدّم مؤخرا معرضا للفنانة التشكيلية اللبنانية فانيسا جميّل حمل عنوانا يليق بمدينة بيروت.

يتواصل حتى الثاني من أكتوبر القادم بقاعة “أجيال” البيروتية معرض للفنانة اللبنانية فانيسا جميّل حمل عنوان “مدينة حمراء وليال من دانتيل”، مستعرضا مجموعة كبيرة من اللوحات المشغولة بمادة الأكريليك “الوهّاجة”. وجاء عنوان المعرض ملائما لبيروت التي تتنازعها الحُمرة وليال “دانتيلية” أبت ألا تكون -أو على الأقل ألا تظهر- إلاّ متحليّة بأجمل ملابسها المُزركشة، وهي تخفي وراءها خواطر بعيدة عن الفرح والتمسّك بالحاضر الذي تصوّره الفنانة، ربما رغما عنها، ورغما عن الواقع “مُفرقعا” بتوهّجات لونية فرحة تصير أحيانا مُتعبة للنظر.

أعمال الفنانة اللبنانية نوع من التجهيز البصريّ المؤلّف من عنصرين لا فكاك لهما، وهما اللوحة ونصها والنص ولوحته

فرح مهرجاني

أما هذا الفرح التي تلبسه لوحاتها فهو من الشدّة ما يجعله أبعد عن التصديق، لذلك تجيء النصوص المُرافقة لتلك اللوحات لتكشف عن مسار آخر يجري بالتوازي مع ما تراه العين من “مهرجانيات” مدينة خالية من أصحابها. فالنصوص هي عبارة عن انسيابات تتقاطع مع اللوحات فتكون صداها وأعماقها.

أول انطباع يتشكّل عند زائر المعرض أنه حاضن للوحات مشغولة بسذاجة الطفولة الشغوفة بالألوان. طفولة تحمل ريشتها ولا تكاد تضع لونا إلاّ وتلحقه أو تجمعه بآخر، فلا العطش يرتوي ولا الألوان تتكدّر.

وتتنقل العين من لوحة إلى أخرى، لتجد ذاتها تبحث عمّا ستفضي إليه تلك اللوحات مُجتمعة من مكان ليس بمكان بقدر ما هو حالة أو خُلاصة لكل ما رأته.

وما هي إلاّ بضع دقائق، وأمام تتابع أجواء اللوحات اللونية والخطوط التي تتوالد من بعضها البعض والتي تنكمش وتنتشر وتتحوّل إلى ذاتها من جديد في كل لوحة، حتى تكتشف العين أن ما ترسمه الفنانة في لوحاتها التي بدت في الظاهر منفصلة عن بعضها البعض هو فصول من مسار واحد.

هي محطات من سياق زمني واحد يمتدّ بليله ونهاره ومكانه الذي يتّسع أفقيا، هو مدينة واحدة وهي بعدة شوارع ومضائق وتلال وشموس وأقمار وأشجار ومبان غير عالية، لا تعرف شيئا عن الأبراج الهمجيّة التي تكتسح المدينة المنمنمة، بيروت، تحت شعار الحداثة وركاكة التنظيم المدني.

وتلك المدينة التي تُريد بها الفنانة على الأرجح أن تكون بيروت هي مدينة لا تشبه إلاّ ما حاكته هي (أي الفنانة) في مخيلتها. مخيلة استندت من دون شك إلى وقائع، لتبتعد عنها كثيرا. ولم لا؟ فبيروت، لا بل لبنان بكليته ما عاد يشبه ذاته، ولم نعد نعثر عليه إلاّ في أغاني فيروز، ربما.

المدينة التي تُريد فانيسا جميّل أن تكون بيروت، هي مدينة لا تشبه إلاّ ما حاكته هي في مخيلتها وعبر ألوانها الوهّاجة

وحين يعود المرء إلى النصوص القصيرة التي ألحقتها الفنانة باللوحات نتأكّد من أنّ مجموعة لوحاتها المتجاورة ليست إلاّ تجسيدا لرحلة بصرية تأخذنا إليها الفنانة، رحلة تدوم من الليل إلى النهار أو العكس بالعكس.

وتأخذنا هذه الرحلة، التي بالرغم من ضجيجها اللوني وتوتّر خطوطها توحي بالسكينة، إلى الفيلم الرائع “أن تحب فان غوخ” لاسيما إلى المقتطفات التي نرى فيها الفنان يسير في شوارع وأماكن طبيعية هي لوحاته التي رسمها. وجدير بالذكر أن أسلوب جميّل الفني، لناحية قوة الألوان وتعبيريتها ولناحية الخطوط والشموس والأفلاك المرسومة، يشي بتأثر الفنانة بفنسنت فان غوخ.

من هذا المنطلق بالتحديد لا تعود العين تبحث في تلك اللوحات التي نودّ أن نصفها بالمُتتابعة، لا تعود تبحث عن مكان ما تفضي إليه تلك اللوحات. فما يهم فقط هو الرحلة والاكتفاء بالتجوال والسير في أفق زمني/ مكاني صعودا وهبوطا للتلال والانحناءات الملونة المنفتحة على بعضها البعض.

اللوحة ونصها

خطوط تتوالد من بعضها البعض لتسرد مسارا واحدا
خطوط تتوالد من بعضها البعض لتسرد مسارا واحدا

تشدّنا الفنانة إلى ترف رحلة نحن اليوم في أشد الحاجة إليها، رحلة ليست لها أية بداية ولا أية نهاية وأهميتها تكمن في السير فيها فقط. ربما لأجل ذلك يشعر المُشاهد بنوع غرائبي من السكينة في خضم ألوان وخطوط جامحة: إنه الترف بأن تقبل الدعوة بالسير دون قلق النهايات والأهداف التي ننصبها كل يوم في لبنان لنراها تهوي أمام “إشكاليات” الحياة العصرية وتلك الحياة المُثقلة بالهموم التي اعتادها اللبناني ولم يعتدها فعلا.

وكما يعرف عالم الفن صعود نوع يجمع العمل الفني بصاحبه في صورة فوتوغرافية واحدة كضرب من ضروب الفن الإيمائي (مثل اللوحة/ الصورة الفوتوغرافية التي قدّمها الفنان الجزائري عبدالحليم كبيش والتي حملت عنوان “شظايا بيروت”)، ليس من المُستحبّ أن ننظر إلى لوحات جميّل بمعزل عن النصوص التي كتبتها. فهي ليست متمّمات مُرفقة لها بقدر ما هي جزء لا يتجزأ من اللوحة.

ما قدّمته الفنانة فانيسا جميّل في صالة “أجيال” هو في حقيقته تجهيز أو سيناريو بصريّ/ فني مؤلّف من عنصرين لا فكاك لهما وهما اللوحة ونصها والنص ولوحته.

كل من قرأ نصوصها سيدرك أنها ليست بمثابة خواطر أو تعليق على اللوحات، بل هي أجزاء من سيناريو واحد مكتوب لفيلم غير متحرّك إلاّ في ذهن الفنانة وذهن كل من قبل وبيسر السير إلى جانبها صامتا في تلك الرحلة التأملية. من النصوص نذكر “تسير خلال الليالي في مدينتها، بيروتها المتصدّعة والمُمزّقة أرضا. دماء قرمزيّة تسيل من يديها حتى تتحوّل إلى شمع سائغ. المدينة خالية من البشر، غير أنها حاضرة وليست مختبئة. يُصبح غيابها حضورا يرقص بين ظلال الشبابيك المُقنطرة. أن نلتقي.. أن أعثر عليك، لأجل الترحال في الأنفاق القمرية. الرحيل معك في جولات ليلية تحت سماء زرقاء، وردية وسوداء”.

من هو الذي تريد العثور، أو ما هو الذي تريد العثور عليه فانيسا؟ هل هو العثور في بيروت على بيروت؟ أم هدف الرحلة هو مجرد عذر للترحال وليس الرحيل في غياهب مكان وزمن يُشبه، أو يريد أن يشبه بيروت؟ على الأرجح كذلك. وفانيسا جميّل من مواليد العام 1985، أقامت في باريس والولايات المتحدة عدّة سنوات قبل أن تعود لتستقر في لبنان.

بعد دروس في العلوم السياسية وجدت ضالتها في الرسم فتعلّمته واحترفته، لتعرض إثر ذلك في باريس ولندن وخاصة بيروت ضمن صالون الخريف في متحف سرسق سنة 2009، وفي السيتي سنتر ضمن معرض الفن الدولي – جناح الاغتراب اللبناني عام 2010، وغيرها من المشاركات المحلية والعالمية.

توهّج فرح يوحي بالسكينة رغم المصير المجهول
توهّج فرح يوحي بالسكينة رغم المصير المجهول

 

14