تردد أميركي في حسم دعم لأنقرة في سوريا

جدل في الإدارة الأميركية حول طبيعة الدعم الذي يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه لتركيا في نزاعها مع موسكو ودمشق.
الأربعاء 2020/02/26
خطوة إلى الأمام وأخرى إلى الوراء

واشنطن – لم يصدر عن الولايات المتحدة موقف واضح من الطلب الذي قدمته تركيا لشراء منظومة باتريوت في أعقاب تطور تصريحات واشنطن الداعمة لموقف أنقرة في نزاعها الحالي مع موسكو في سوريا.

وقال مراقبون إن جدلا يدور داخل أروقة القرار في الإدارة الأميركية حول طبيعة الدعم الذي يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه لتركيا، وأن هناك وجهات نظر متعددة ما بين البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض في هذا الصدد.

وتقول المعلومات إن وزارة الخارجية الأميركية تحبّذ تقديم واشنطن “إشارة” عسكرية تنهي من خلالها الحظر الذي تضعه الولايات المتحدة منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما على بيع منظومة باتريوت إلى تركيا. وتستند الوزارة في مقاربتها على موقف الرئيس دونالد ترامب الذي كان دافع عن موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن قراره شراء منظومة أس-400 الروسية المنافسة، محملا سلفه أوباما مسؤولية عدم توفر خيار آخر أمام أنقرة إلا الخيار الروسي.

وتضيف المعلومات أن وزير الخارجية مايك بومبيو اعتمد على هذه الورقة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإطلاق موقف واضح داعم لتركيا في سوريا، محملا موسكو ودمشق المسؤولية عن المجازر التي تستهدف المدنيين في شمال سوريا.

وكان ترامب قد أدان الهجمات التي تقوم بها قوات النظام السوري في الأسابيع الأخيرة والتي قال إنها تسبب كوارث إنسانية مقلقة، وطالب روسيا بالامتناع عن دعم دمشق وبممارسة ضغوط لإجبار النظام السوري على وقف هجماته. كما أن ترامب أجرى اتصالا مع نظيره التركي عبّر من خلاله عن تضامن الولايات المتحدة مع تركيا.

وكان لافتا الموقف الذي صدر عن حلف شمال الأطلسي الذي أبدى دعما لتركيا بصفتها عضوا في الحلف، كما موقف المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري الذي توجه إلى أنقرة واجتمع مع المسؤولين الأتراك لمناقشة سبل الدعم الذي يمكن لواشنطن أن تقدمه لتركيا.

ويرى محللون أميركيون أن الولايات المتحدة تدرج موقفها الداعم لتركيا داخل سياق استراتيجية لا يهمها الموقف من تركيا، بل يراد منها وضع حد للصعود الروسي، لاسيما في أوروبا والشرق الأوسط. ويلفت هؤلاء إلى ما صدر عن جيفري من تصريح اعتبر فيه أن السلوك العسكري الروسي في سوريا “يمثل تحديا للحضور الأميركي في المنطقة”.

وتحدثت تقارير أميركية عن توسع الجدل في واشنطن بدعم خيار الدفع لاستعادة تركيا كحليف للولايات المتحدة. ويقول مراقبون إن برودة واشنطن حيال أنقرة في ملفات كثيرة، وخصوصا الملف السوري، هي المسؤولة عن تطور علاقات تركيا مع روسيا. وترى وجهة النظر هذه أن واشنطن استثمرت في دعم الميليشيات الكردية (قوات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية) في سوريا من ضمن الخطط الأميركية لمكافحة تنظيم داعش، وأن هذا الاستثمار أضر بعلاقات الولايات التحدة مع دولة مثل تركيا مع ما تمثله من تاريخ من التحالف بين البلدين.

في المقابل ترى وجهة نظر أخرى رأيا آخر يقوده مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين يعتبر أن تركيا ذهبت بعيدا في علاقاتها مع روسيا، وأنه بات من الصعب تخيل استعادة تركيا نحو الحضن الأميركي وتخلي أنقرة عن العلاقات الاستراتيجية المتقدمة مع روسيا والتي تتجاوز المسألة السورية.

محللون: واشنطن تسعى إلى وضع حد للصعود الروسي
محللون: واشنطن تسعى إلى وضع حد للصعود الروسي

ورغم أن وزارة الدفاع الأميركية لم تدل برأي حاسم داخل هذا الجدل، إلا أن البنتاغون ما زال لا يستسيغ القبول بتعايش منظومة باتريوت الأميركية مع منظومة أس-400 الروسية في بلد هو عضو داخل منظومة الناتو العسكرية الغربية، وأن وجود سابقة في هذا الصدد قد يفتح المجال أمام اختراق روسي أمني عسكري للحلف الأطلسي من خلال اتفاقات وتفاهمات مع أعضائه.

وينقل عن أجواء الكونغرس عدم ثقته بتركيا وعدم تعويله كثيرا على ما طرأ من جهود لتصويب العلاقة المتوترة بين واشنطن وأنقرة.

وتقول مصادر من الكونغرس إن تركيا تسعى لاستغلال المواقف الجديدة الصادرة عن واشنطن لابتزاز الطرف الروسي على أمل تحسين شراكتها وشروط تحالفها مع روسيا. وتدعو هذه المصادر إدارة الرئيس ترامب إلى عدم تزويد أنقرة بأوراق أميركية تزيد من حجم الهوة الأميركية التركية لصالح المزيد من التقارب بين أنقرة وموسكو.

غير أن تقارير أميركية من أنقرة تنقل أن الأتراك لا يثقون بالموقف الأميركي، ويعتبرون أن التصريحات السياسية الصادرة عن واشنطن غير كافية حتى الآن لتعديل موازين القوى مع روسيا في سوريا.

وتقول التقارير إن الأتراك يدفعون بالمزيد من القوات ويسعون لتحقيق إنجازات، مثل استعادة مدينة النيرب من قوات النظام السوري، قبل انتهاء المهلة التي أعطاها أردوغان لدمشق (آخر الشهر الجاري) لسحب قواتها إلى ما قبل مراكز المراقبة التركية التي انبثقت عن اتفاق سوتشي. وأن أنقرة تسعى لفرض أمر واقع على واشنطن وموسكو والاتحاد الأوروبي على نحو يطالب الجميع بالتموضع حوله.

وتضيف التقارير أن موافقة واشنطن على تزويد تركيا بمنظومة باتريوت لن يغير شيئا من الوضع العسكري التركي في سوريا، خصوصا أن تفعيل المنظومة يحتاج إلى وقت طويل لنقلها ونشرها، لكنه يعطي إشارة استراتيجية أميركية قد تحتاجها تركيا في مفاوضاتها المقبلة مع روسيا.

ويرى خبراء أميركيون في الشؤون الاستراتيجية أن الولايات المتحدة قد توافق على إرسال منظومة الباتريوت إلى تركيا شرط أن يتم نشرها داخل الأراضي التركية لأغراض دفاعية وألا يزج بها في معارك سوريا.

ويقول هؤلاء إن إدارة ترامب لا تريد قلب التفاهمات التي جرت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأوباما عام 2015 والتي أتاحت لموسكو مباشرة تدخلها العسكري في سوريا، وأن الطرف الأميركي يهمه تصويب هذه التفاهمات وتعديل التوازنات داخلها بما يقيد روسيا بشراكات جديدة أميركية أوروبية داخل التسويات المقبلة لإنهاء الصراع في سوريا.

وتستفيد واشنطن بحسب الكثير من المحللين من حالة النزاع الحالي بين أجندتي تركيا وروسيا في سوريا، لكنها لن تعمل على تقوية النفوذ التركي والتشويش على التفاهمات الغربية الروسية السابقة بشأن سوريا.

الأتراك لا يثقون بالموقف الأميركي
الأتراك لا يثقون بالموقف الأميركي

 

6