تردي منظومة الصحة في تونس عنوان غياب العدالة الاجتماعية

قطاع الصحة العمومية في تونس يعيش تدهورا كبيرا في ظل توغل الفساد وانتشاره وسط شبكات مافيا طبية تسيطر على مفاصل وزارة الصحة.
السبت 2020/02/15
موت مجاني يطال حتى الرضع في تونس

لم يعد التحدي في تونس متمثلا في تطوير قطاع الصحة العمومية الذي طالما تفاخر به التونسيون قديما بل بات إيقاف التدهور المستمر وإنفاذه قبل فوات الأوان بسبب الفساد الذي ينخره.

تونس - “مكنني صديقي الممرض في المستشفى من سرير كان مهملا في أحد الأروقة، وضعت أمي شبه الغائبة عن الوعي عليه وبقيت أراقب الوضع من بعيد.. كان هذا الحل الوحيد”، يقول محمد الصالح (34 عاما)، “لقد أخبرني صديقي بأنهم في نهاية الأمر سيذعنون ويدخلونها إلى غرفة في المستشفى لتلقي العلاج اللازم وهذا ما حصل فعلا”.

تعتبر تجربة محمد الصالح وأمه في أحد مستشفيات العاصمة دليلا ساطعا على تدهور المنظومة الصحية في تونس فأمه المسنة التي كسرت ساقها وباتت تعاني من تعفنات لا تتحمل الانتظار شهرا مثلما أخبروه في مكتب الاستقبال في المستشفى كما أنه لا يملك مالا لأخذها إلى مصحة خاصة.

تعرف المنظومة الصحية في تونس “سقوطا حرا” على غرار بقية المؤسسات العمومية الأخرى التي بُني عليها المشروع التحديثي لدولة الاستقلال إضافة إلى التعليم للخروج من بوتقة التخلف وتحقيق التنمية.

ومنذ استقلال تونس عام 1956 تم تعميم المنظومة الصحية العمومية على نحو شبه مجاني، عبر الدعم الذي توفره ”دولة الرعاية الاجتماعية” من خلال تأمين الصحة الأساسية المجانية والإجبارية.

إلا أن تهاوي “المشروع المؤسساتي” للدولة الوطنية منذ ثمانينات القرن العشرين، وتآكل العقد الاجتماعي كشف المستور. وقد فضحت ثورة يناير 2011 المستور.

ورغم إقرار دستور الدولة التونسية الجديدة في فصله 38 أحقية كل مواطن في الصحة بما في ذلك الوقاية، الرعاية والعلاج الذي يكون مجانيا لذوي الدخل المحدود وفاقدي السند. وتسعى الدولة إلى تقديم هذه الخدمة بجودة محترمة تراعي ظروف المواطنين واحتياجاتهم”. لكن بقي الأمر حبرا على ورق.

فساد مستشر

ما فتئ قطاع الصحة في تونس يعاني من مظاهر فساد مستشر أكثر من غيره من القطاعات، وهو ما أظهرته عدة قضايا اختلاس وتزوير وأدوية غير صالحة في السنوات الأخيرة.

وقد شهدت تونس عدة قضايا فساد في مرفق الصحة لعلّ أبرزها قضية البنج منتهي الصلوحية (مخدّر يستعمل للتخدير عند إجراء العمليات الجراحية) الذي استخدمته المصحات والمستشفيات في عمليات جراحية، وقد أثبت الطب الشرعي وفاة البعض بسببه.

سنية بالشيخ: قطاع الصحة يعاني من تدني الخدمات وتقادم البنية التحتية وهجرة الأطباء
سنية بالشيخ: قطاع الصحة يعاني من تدني الخدمات وتقادم البنية التحتية وهجرة الأطباء

وقبل قضية البنج الفاسد انشغل الرأي العام بقضية زرع لوالب قلبية منتهية الصلاحية في عدد من المصحات الخاصة بلغ عددها 14، وأدت تلك العمليات إلى زرع لوالب فاسدة لـ107 مرضى. وفُتح فيها تحقيق لم يسفر عن تتبعات جدية.

وسبق أن كشف وزير الصحة الأسبق سعيد العايدي في مارس 2018 وجود شبكة مافيا طبية تسيطر على مفاصل وزارة الصحة منذ سنوات تعيق تطبيق أي برنامج إصلاحي في القطاع. وفي مارس 2019، أفاق التونسيون على ما يعرف بفاجعة مستشفى الرابطة التي أودت بحياة 11 رضيعا نتيجة تعفّنات سارية في الدم تسببت سريعا في هبوط في الدورة الدموية، وفق تحقيقات وزارة الصحة.

وقالت وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ وهي خامس وزير صحة يعين على التوالي في فترة حكومة يوسف الشاهد، إن المأساة، تعكس حالة الانهيار الكبير للصحة العمومية في الديمقراطية الناشئة منذ سنوات. وأضافت أن هذا القطاع الحساس، يعاني من تدني الخدمات وتقادم البنية التحتية وهجرة مكثفة للأطباء إلى الخارج.

ويقول رئيس الجمعية التونسية لمساعدة ضحايا الأخطاء الطبية صابر بن عمار “لقد تجاوزنا اليوم مرحلة الأخطاء الطبية التقليدية والتي نحذر منها منذ سنوات بعد تفاقم ضحاياها لتصل إلى 7000 حالة خطأ طبي سنويا إلى مرحلة الجرائم الصحية المنظمة والخاضعة لمافيات وعصابات تتمعش من المريض وتسلب التونسي حياته أو تضعه على كرسي متحرك دون أن يرف لها جفن”. ووصف ذلك بأنه “إرهاب ينخر الدولة”.

فجوات حادة

قُدرت ميزانية وزارة الصحة في قانون الميزانية لسنة 2019 بـ2.055 مليار دينار، وهي تمثل نسبة 5.04 بالمئة فقط من مجموع الميزانية، أي أقل من السنوات الأخيرة إذ انخفضت النسبة من 6.01 بالمئة في ميزانية 2016 إلى 5.51 بالمئة في ميزانية 2017 وثم 5.24 بالمئة ميزانية 2018، ما يبيّن أن نسبة ميزانية وزارة الصحة في انخفاض سنوي مستمر.

وككل ميزانيات الوزارات، تذهب أكثر من 80 بالمئة من ميزانية وزارة الصحة إلى نفقات الأجور والتصرف، فيما تبلغ الاعتمادات المخصصة لتطوير القطاع وبناء مستشفيات جديدة وتدعيم مستشفيات أخرى بأقسام جديدة ومعدات 269 مليون دينار فقط.

ويوضح عضو المكتب السياسي لحزب التيار الديمقراطي الذي يعمل في قطاع الصيدلة، إن “ميزانية وزارة الصحة تراجعت خلال الأعوام القليلة الماضية، لتستقر عند 5 بالمئة من إجمالي ميزانية الدولة”، مشيرا إلى أن الحد الأدنى لنسبة ميزانية الصحة بموجب المعايير الدولية هي 7 بالمئة من ميزانية الدولة.

وقد مثل انسحاب الدولة التدريجي من التكفل بالمسألة الصحية في تحويل المؤسسة الصحية إلى سوق قائمة على العرض والطلب، حيث أصبح البقاء على قيد الحياة هو لمن يقدر على الدفع، إذ يتمدد القطاع الخاص بجشع لا يراعي ”الحق في الصحة” للفئات الهشة والفقيرة التي تكون في الغالب مجبرة على اللجوء إلى قطاع صحي عمومي رث.

وعلى الرغم من وجود سياسة اجتماعية حكومية للتكفل بالفئات الهشة، إلا أن الكثيرين يجبرون في ظل بيروقراطية بطيئة ومعقدة على الانتظار طويلا كي يحصلوا على ”دفتر صحة مجاني”.

ويقول تقرير للجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة إن أكثر الناس عرضة إلى التدهور الصحي هم أولئك الذين يعانون من الفقر والبطالة، ويفتقدون إلى السكن اللائق والمياه الصالحة للشراب والصرف الصحي.

التونسيون يحرمون من أبسط حقوقهم في الحصول على رعاية صحية تستجيب لتحديات العصر الذي تنتشر فيه الأوبئة

وقد أثبتت الإحصائيات أن عديد التونسيين خاصة في غرب البلاد وجنوبها ما زالوا يفتقدون إلى هذه الحاجيات الاجتماعي.

وأفاد ممثل منظمة الصحة العالمية في تونس إيف سوتيراند أن هناك ما يناهز مليون شخص في تونس لا يتمتعون بالتأمين الصحي المجاني.

وبين أن من 38 إلى 40 بالمئة من المصاريف الصحية يتم دفعها مباشرة من قبل المواطن.

جدير بالذكر أنه في التقرير الذي أجراه معهد “لجاتوم” بخصوص أفضل الأنظمة الصحية في العالم، جاءت تونس في المرتبة التاسعة عربيا والمرتبة 71 عالميا.

وتتعمق الأزمة بالإفلاس المعلن لصناديق الضمان الاجتماعي، حيث باتت عبئا على ”المالية العمومية” عبر عجزها عن تسديد التعويضات للأجراء الذي يذهبون للتداوي في القطاع الطبي الخاص.

كما باتت أزمة نقص توفر الدواء في تونس مشكلة تشغل الرأي العام وتؤرق المواطن التونسي بعد أن فُقدت أصناف بعض الأدوية من الصيدليات. الأمر الذي أثار مخاوف المواطنين من تفاقم ما أصبح يهدد حياتهم في ظل تواصل رحلة البحث اليومية عن الدواء المفقود دون جدوى.

يعزو البعض من أهل القطاع أسباب فقدان الدواء إلى عجز الصيدلية المركزية باعتبارها المزوّد الوحيد للأدوية للقطاع العام والخاص، على تسديد ديونها تجاه مزوديها نظرا لعدم حصولها على مستحقاتها المالية من المستشفيات الحكومية والصندوق الوطني للتأمين على المرض. هي أزمة مالية باتت تظهر منذ أواخر سنة 2015 تقريبا، قد جعلت الكثير من المرضى متوجسين من فقدان الأدوية خاصة من يعانون أمراضا مزمنة.

إضافة إلى تنامي ظاهرة تهريب الأدوية في السنوات الأخيرة وتداول أخبار عن وجود شبكات تهريب تقوم بنقل الأدوية إلى ليبيا باعتبار الأوضاع التي تعيشها. وتكلف ظاهرة تهريب الأدوية الدولة التونسية خسائر تناهز 400 مليون دينار!

وأطلق المجلس الوطني لعمادة الأطباء ما وصفه بصفارة الإنذار بسبب استمرار نقص الأدوية في تونس. وتحدثت العمادة عما وصفته ببطء الجهات الحكومية في إيجاد حلول فعالة لهذه الأزمة.

وتهدد 16 مخاطر فساد قطاع الصحّة في تونس، منها 9 مخاطر فساد كبير و6 مخاطر فساد صغير وخطر فساد متبادل، وفق ما أظهرته، نتائج دراسة حول “مؤشر مخاطر الفساد في قطاع الصحة” أنجزتها “المدارس الكبرى للتواصل” في إطار برنامج “ردّ بالك على صحتك” المموّل من طرف مبادرة “الشراكة الأميركية الشرق أوسطية”.

ويشهد قطاع الصحة في تونس عديد النقائص التي تسمح بتوغل الفساد وانتشاره من بينها ضعف هياكل الرقابة والإفلات من المحاسبة وغياب الحوكمة الرشيدة وغياب الشفافية الذي يؤدي إلى غياب المعلومة، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي (تعدّد وزراء الصحة). كما ساعدت على تفشي الفساد في القطاع الصحي، التكتّلات داخل المؤسسات الصحية على أساس المصالح الشخصية سواء كانت اقتصادية أو سياسية، والنقص المسجل على المستوى الاتصالي والذي عمق الفجوة بين تصورات مهنيي قطاع الصحة والإصلاحات المقررة من قبل وزارة الصحّة.

مؤسسات قمعية

في تونس .. البقاء على قيد الحياة "حق" لمن يقدر على الدفع
في تونس .. البقاء على قيد الحياة "حق" لمن يقدر على الدفع

أظهرت دراسة “البنك الأفريقي للتنمية” أن معدل أمل الحياة مثلا في سنة 2009 يصل إلى 74.5 سنة على المستوى الوطني لكنه لا يتجاوز 70 سنة في المناطق الداخلية المهمشة مثل القصرين وقفصة وسيدي بوزيد وتطاوين وجندوبة والقيروان، في حين يتجاوز 77 سنة في تونس العاصمة وصفاقس وسوسة والمنستير، وهي مدن متاخمة للسواحل حيث تتوفر إلى حد ما البنية التحتية الصحية وتتمركز كبرى المستشفيات الجامعية.

وتمثل خارطة التوزع الجغرافي للمؤسسات الصحية الضامنة للمساواة الصحية والحافظة لجودتها والموجهة لمستقبل هذا القطاع الذي يمثل قلب الدولة. ويعتبر التوزع الجغرافي للمؤسسات الصحية بالبلاد التونسية جيدا إلى حد ما. لكن ما يعادل نصف المراكز الصحية الأساسية “لا تقدم إلاّ حصّة واحدة في الأسبوع للعيادات الطبيّة وأغلب المستشفيات المحليّة لا توفّر المعدّات الطبيّة الملائمة والمستشفيات

الجهويّة تشكو من نقص فادح في أطبّاء الاختصاص”. ويشبه مواطنون المستشفيات “بالمؤسسة القمعية”، فلا توجد سياسة للإحاطة النفسية بالمرضى، إلا في ما ندر مثلما تغيب استراتيجية الاستقبال بـ”وجه إنساني” ليحس المريض بأنه “متسول”.

ولا يزال العديد من التونسيين (المناطق الداخلية) محرومين من أبسط حقوقهم في الحصول على رعاية صحية تستجيب لتطلعاتهم وتلبي حاجياتهم، خاصة أن القطاع الصحي مركّز أساسا في المدن الكبرى وفي المناطق السّاحليّة للبلاد. وتشير دراسات إلى أن ديون المستشفيات المتراكمة، التي يبلغ عددها 166، إلى جانب 2100 مركز صحي وفق بيانات وزارة الصحة، تجاوزت 600 مليون دينار. وتؤكد أنها لم تعد تصلح لتقديم الخدمات الطبية وتحتاج لإصلاحات عاجلة.

وأطلق أطباء حملة على شبكات التواصل الاجتماعي تحت شعار “افضح المستشفى الذي تعمل به”، في محاولة لإطلاع الرأي العام على الظروف التي يعملون بها. وأوضحت صور للحملة مظاهر صادمة لانعدام النظافة بمراكز صحية وتراجع مستوى سلامة المعدّات.

وقال رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان جاد الهنشيري، عبر صفحته بموقع فيسبوك، إن المبادرة تهدف أساسا “للدفاع عن حق أبناء الشعب في صحة عمومية راقية والتصدي للتدمير الممنهج الذي تتعرض له”، داعيا التونسيين “للانخراط في الحملة ودعمها في جبهة واحدة”.

وكان الدكتور ذاكر لذيهب، الطبيب بالمستشفى العسكري ينشر تدوينة على فيسبوك، تحدث فيها عن حالة إحباط وعجز جراء وفاة المرضى المصابين بضيق الصمام الأبهري غير القادرين على تحمل جراحة بالقلب المفتوح، مشيرا إلى توقف عمليات زرع الصمام دون جراحة نظرا لارتفاع تكاليفها بعد انهيار الدينار وعدم تحمل صندوق التأمين على المرض للمصاريف”.

وأشار الطبيب إلى مفارقة وهي أن تونس كانت رائدة في أفريقيا بالقيام بأول عملية من هذا النوع “لكن من لا يتقدم يتأخر وينهار” كما يقول.

كما نشرت طبيبة متربصة، إثر “فاجعة الرابطة”، فيديو على حسابها على فيسبوك لاقى انتشارا واسعا تحدثت فيه عن مشاكل عديدة عاينتها في المستشفى من غياب لأبسط التجهيزات والأدوية الضرورية للتعامل حتى مع الجروح البسيطة، وأشارت أنها تضطر لاستعمال قفاز طبي لأكثر من طبيب مع الحرص على تعقيمه في كل مرة والحال أنه يجب استعمال قفاز لكل طبيب خشية انتقال الأمراض والفيروسات.

وتُعاني تونس من هجرة أطباء الاختصاص إلى أوروبا وخاصة فرنسا التي استقطبت وحدها 300 طبيب سنة 2017، و650 طبيبا خلال سنة 2018، وتحتل المرتبة الثانية بعد سوريا التي تُعاني من ويلات الحرب، بتسجيلها هجرة 94 ألف كفاءة بين 2011 و2017.

وتضطر الدولة إلى التعاقد مع أطباء أجانب، صينيين في الأغلب لتعويض النقص.

وترسل هؤلاء الأطباء للعمل في المناطق النائية بسبب ضعف طب الاختصاص في المحافظات الداخلية. ويصبح الوضع أشبه بأزمة بالنسبة للمواطنين فالأطباء لا يحذقون اللغة العربية ولكنهم يتحدثون الفرنسية بصعوبة، وكان الرابط الوحيد بين المرضى والأطباء هي ممرضة تبذل مجهود كبيرا لترجمة كلام الأطباء.

ولا يزال العديد من التونسيين محرومين من أبسط حقوقهم في الحصول على رعاية صحية تستجيب لتحديات هذا العصر الذي تنتشر فيه أوبئة وأمراض عديدة ومتنوعة ولا يزال عدد كبير من المستشفيات العمومية خاصة في المناطق الداخلية تنتظر قدوم أطباء اختصاص بشكل دائم. وهو ما يضع السلطات التونسية أمام ضرورة التسريع في إصلاح منظومة الصحة.

20