ترسانة القوانين لا تكفل حماية الطفولة في الجزائر

الخميس 2015/03/12
عدد هائل من الأطفال الذين تلفظهم المدارس يلجأون إلى العمل

الجزائر - باتت شوارع المدن والقرى الجزائرية لا تخلو من مظاهر اجتماعية سلبية، أبطالها أطفال لفظتهم المدارس وتلقفتهم انحرافات الشارع ودفعهم الفقر أو نزوة الأولياء إلى الاشتغال في مختلف الحرف والمهن الموسمية والدائمة، فالمهم لدى هؤلاء هو العودة بحفنة دنانير في المساء لمواجهة أعباء الزمن.

وكشفت تقارير غير رسمية في الجزائر أن تعداد عمالة الأطفال في تزايد مُطَّرد، رغم إجبارية ومجانية التعليم الذي تضمنه الدولة إلى غاية سن الـ16، ورغم ترسانة القوانين المتراكمة لأجل حماية الطفولة من الاستغلال والاضطهاد، حيث قفزت الأرقام خلال السنوات الأخيرة من مليون و200 ألف طفل عامل إلى مليون و900 ألف طفل يمتهنون مهنا موسمية وقارة في مختلف المجالات، بداية من بيع الأغراض الخفيفة، إلى الرعي والورشات السرية، مرورا بالتسول والانحراف.

وأبدى رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث مصطفى خياطي، تشاؤمه من التعديلات القانونية التي أدرجت مؤخرا على قانون العقوبات. وبرر ذلك بكونها “لا تحمل تغييرات جذرية لوضعية الطفل الجزائري، بل تحوي قوانين سطحية لا تقارن بما توصي به منظمة اليونيسيف العالمية ولم تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الأطفال الذين هم في وضعية كارثية، بل اكتفت بالعموميات”.

وأرجع خياطي أسباب استمرار الوضعية المزرية بالقطاع العريض للطفولة في الجزائر إلى “غياب الإرادة السياسية للحد من تفشي هذه الظاهرة، إلى جانب عدم أخذ المطالب التي ألحت على تطبيق ما ورد في الدستور ضد الآباء الذين يحرمون أبناءهم من الدراسة ويدفعون بهم إلى سوق العمل في سن مبكرة بعين الاعتبار، متحججين بالحالة الاجتماعية المزرية”. إلى جانب أيضا المشاكل العائلية كالطلاق الذي وصلت نسبته خلال الأعوام الأخيرة إلى 200 ألف حالة طلاق في السنة.

ويرى خياطي أنه إذا كانت ظاهرة العمالة في الجزائر هي أقل حدة مقارنة ببعض الدول العربية كلبنان والسعودية والمغرب، فإنه “ينبغي إطلاق جرس الإنذار قبل أن تتحول الظاهرة إلى معضلة معقدة ومزمنة أمام النمو الديمغرافي المتزايد وتراجع دور الآليات الاجتماعية في الوصول إلى بعض الفئات المعزولة”.

خالد أحمد: التسرب المدرسي من أهم الأسباب الرئيسية لانتشار عمالة الأطفال

وأكد رئيس الاتحاد الوطني لجمعية أولياء التلاميذ أحمد خالد، في تصريح لـ“العرب“، أن التسرب المدرسي يعد من أهم الأسباب الرئيسية لانتشار عمالة الأطفال فأكثر من 500 ألف تلميذ يسرح كل عام، وقال”هذا العدد الهائل من الأطفال الذين تلفظهم المدارس يلجأون إلى العمل في أحسن الأحوال وإلى الانحراف والتسكع في أول مواجهة لهم مع الواقع، للهروب من حالة الضياع التي يعيشونها بعد طردهم من المدارس”.

وحمّل المسؤولية للأولياء الذين يجهلون خطورة بقاء أطفالهم من دون تعليم وإجبارهم على العمل، “كما هو الحال في المناطق الداخلية كمحافظة الجلفة (300 كلم جنوب العاصمة)، أين يمتهن الكثير من الأطفال مهنة الرعي ويضطرون للتوقف عن الدراسة رغما عنهم، لأن تكاليفها باهظة الثمن، وحتى في ولايات الشمال يتجه الأطفال إلى بيع الأدوات المدرسية ومختلف السلع لتغطية مصاريف العودة المدرسية”.

وأشار إلى أن المدرسة وحدها لا تستطيع احتواء الظاهرة وطالب الدولة بمضاعفة مجهوداتها في سبيل تحسين المستوى المعيشي للعائلة الجزائرية، وبالتالي الطفل الجزائري، خاصة في المناطق النائية والمحرومة.

ودعا من جانبه رئيس الشبكة الجزائرية لدفاع عن حقوق الأطفال عبدالرحمن عرعار، في اتصال مع ”العرب“، إلى ”إنشاء فرق متخصصة لردع عمالة الأطفال وتتركز مهامها في مراقبة أي حالة من حالات استغلال الأطفال في مجال العمل.

وقال: قد قمنا بنقل هذا الاقتراح للمسؤولين ونعتقد أن مصادقة البرلمان على تعديل قانون العقوبات سيحد من الظاهرة. وأضاف “أن أي مقارنة بين ما تحمله اتفاقيات حماية الطفولة الدولية وواقع الطفل في الجزائر تجعلنا نكتشف مدى الظلم الذي تتعرض له طفولتنا، لأننا لا زلنا بعيدين جدا عن المستوى الحقيقي لطفولة تتمتع بكل حقوقها، فمجتمعنا يعيش تحولات اقتصادية واجتماعية فنرى انتشارا للأطفال العاملين في تجارة الجملة والتجزئة كحمالين ولم يتجاوز سنهم الـ16 بعد ومن دون مقابل مالي، ووجودهم في الشارع يعرضهم لدخول عالم الجريمة والمخدرات أو الاستغلال الأخلاقي، إلى جانب تفشي الفئات الهشة كالأمهات العازبات والمطلقات.. وغيرهن.

ويعوّل رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية الإنسان فاروق قسنطيني، على التعديلات الأخيرة للنهوض بقطاع الطفولة والتقليص من حدة عمالتها وانحرافاتها، ووصف ما تعلق بحقوق الطفولة ومكافحة التمييز العنصري بـ”الانتصار للعدالة الجزائرية والاستجابة لطلبات واسعة من فئات المجتمع الجزائري”.

وأضاف “أن تشديد العقوبة المسلطة على بعض الجرائم مثل اختطاف الأطفال والتسول بهم وتشجيعهم على الفسق والدعارة هو بمثابة تكيف للتشريع الوطني مع التشريعات وبعض الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها الجزائر، فأمام ارتفاع ارتكاب الجرائم ضد الأطفال في الآونة الأخيرة، كان لزاما على المشرّع الجزائري أن يقابل هذا النوع من الجرائم الجديدة بعقوبات جديدة ورادعها”.

وتضمنت التعديلات القانونية الجديدة، تسليط عقوبة شديدة تصل إلى حد الإعدام لمختطفي القُصّر، كما يعاقب بالحبس من يستعملهم ذريعة لتسول والذين يبيعونهم أو يشترونهم، بالإضافة إلى عقوبات تصل إلى حد الإعدام بالنسبة لجرائم اختطاف الأطفال التي تنتهي بوفاة الضحية، وبالسجن لمدة تصل إلى سنتين لكل من يشحذ بقاصر أو يعرضه إلى ذلك.

وتنص إحدى المواد الجديدة على أن كل من يخطف أو يحاول القيام بخطف شخص مرتكبا في ذلك عنفا أو تهديدا أو غشا يعاقب بالسجن المؤقت من 10 سنوات إلى 20 سنة وبغرامة من 1.000.000 إلى 2.000.000 دينار جزائري ويعاقب الفاعل بالسجن المؤبد إذا تعرض الشخص المخطوف إلى التعذيب الجسدي أو إذا كان الدافع إلى الخطف هو تسديد فدية وعدم استفادة مرتكبي هذه الأفعال من ظروف التخفيف وتصل العقوبة إلى الإعدام في حالة وفاة الضحية.

21