ترسيخ الانفتاح في السعودية يستوجب مراجعة الموروث بجرأة

الباحث السعودي وحيد الغامدي: مشروع جودة الحياة يتجاوز البنود الاستهلاكية ليشمل معايير متعددة.
الأحد 2019/11/24
صورة مشرقة

الرياض - تتجه المملكة العربية السعودية بعد إقرار رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030 إلى القطع النهائي مع الانغلاق والتشدد الديني، والتخلّص من الثوب المحافظ بما يتواءم وروح العصر. وتعمل جاهدة على فتح أبواب الإصلاح على أكثر من واجهة وبشكل متسارع لتأكيد جديتها في السير قدما نحو الانفتاح على مقومات التطور في شتى المجالات التي حرم منها السعوديون تحت وطأة سيطرة جهات تتبنى قراءات متشددة للدين، عازمة في ذلك على تحويل رؤيتها الجديدة في الإصلاح إلى مشاريع ومنجزات على أرض الواقع.

ويلقى الانفتاح الذي تشهده السعودية قبولا لدى النخب الشابة، حيث يرى الباحث السعودي وحيد الغامدي، في حديثه لـ“العرب”، أن ترسيخ التحولات الجديدة في السعودية، يجب أن يقترن بإعادة تعريف للموروث بجرأة وشجاعة، دون الاكتراث بقوى الشد إلى الوراء، فمن “تعوّد على أن يكون مذعورا، سيبقى كذلك”، معتبرا أن المجتمع السعودي عصي على التقسيم.

تأكيد الانفتاح

يقود ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان عملية التغيير والانفتاح في السعودية، حيث قال في حديث صحافي عن خططه للإصلاح والتغيير، إن “الشرط الأساسي والجوهري للإصلاح هو رغبة الشعب في التغيير.. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو إذا كان الشعب السعودي غير مقتنع، وفي حال كان الشعب السعودي مُقتنعا، فالسماء هي الحد الأقصى للطموحات”.

وهو ما يؤكد أن عملية الانفتاح داخل السعودية لن تتأثر بمحاولات التشويش ولا بالقوى المتشددة المتمسكة بنهج الانغلاق. هذه الرؤية يتبناها الغامدي الذي ينتقد بشدة التيار الصحوي في بلاده باعتباره يرفض التطور والتغير، داعيا إلى تجاوزه، بقوله “هؤلاء كانوا ولا زالوا مذعورين منذ إقرار تعليم البنات وحتى اليوم”، مبديا رفضه لأن يظلوا إلى اليوم موضع اهتمام أو محطة لحسابات سياسية أو غيرها. وقال إن لديهم صفة ثابتة، “وهي أنهم يُذعرون من أي جديد في حياتهم لكنهم لا يلبثون أن يتآلفوا معه بمرور الوقت”.

وردّ الغامدي على من يعتبرون أن التحولات الجديدة في السعودية يمكن أن تخلق تقسيما حادا في المجتمع يصنف الناس إلى محافظين وغير محافظين، قائلا، “كل المجتمع محافظ ولديه موروث أصيل يجري نفض الزيف عنه وعمّا لحقه من مزايدات، ولكن يوجد سلبيون لديهم تصور مغال جدا عن مفهوم المحافظة”.

واعتبر أن الوسط الفكري لم يخسر الكثير بذهاب ريح “الصحوة”، رغم أنه شكليا على الأقل يبدو الأمر كذلك، مبديا تفهما للآراء التي تعتبره تيارا يحرك المياه ويوقد مراجل الجدل الصحّي لكل بيئة ثقافية، قائلا “هذا الوسط غير مُلام بدرجة كبيرة، فمجال المناورة الضيق جدا، والقضايا السطحية التي استهلكت طاقاتنا زمنا طويلا ساهما في تأخير الاهتمامات ودورانها حول البديهيات التي نعيشها تقريبا اليوم، كلها، بقرار سياسي حسم كل ذلك الجدل حولها”.

وحيد الغامدي: السعوديون استنفدوا كل طاقاتهم في تلك المزايدات الدينية حتى بلغت الفقاعة مرحلة الانفجار
وحيد الغامدي: السعوديون استنفدوا كل طاقاتهم في تلك المزايدات الدينية حتى بلغت الفقاعة مرحلة الانفجار

بدأت الصحوة السعودية تعلن عن نفسها بقيادة مجموعة من رجال الدين داخل السعودية مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، الذين رفعوا شعار الدعوة لإيقاظ الناس من غفلتهم. وقد جاءت الإرهاصات الأولى للصحوة في ظل تغيرات في المشهد الإقليمي والدولي، حيث شهد عام 1979 نجاح الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان.

وعلى الصعيد السعودي الداخلي حدث تطور خطير تجسد في محاولة احتلال الحرم المكي على يد جهيمان العتيبي، بالإضافة إلى صدامات في المنطقة الشرقية من المملكة ذات الأغلبية الشيعية، والذي كانت له صلة مباشرة بأحداث الجوار الإيراني وتنامي المد الديني الشيعي.

وشدد الباحث الاجتماعي على أن الفكر الصحوي خرج من السعودية بفضل ما تنعم به اليوم من تحولات عميقة في بنيتها الاجتماعية والثقافية، بعد أن دفع السعوديون أكلافا باهظة لقاء مكوث هذا الفكر طويلا على ترابهم.

وقال الغامدي، إن “السعوديين استنفدوا كل طاقاتهم في تلك المزايدات الدينية حتى بلغت الفقاعة مرحلة الانفجار”، وعلينا أن نؤمن بتلك “الدورة الإنسانية التداولية في التطور والتراجع”. لكنه حذّر من أن أنصار الفكر الصحوي يبحثون عن موطئ قدم في الكويت، باعتبار أنها الأقرب لهم فكريا مقارنة بدول خليجية أخرى، خاصة على مستوى وجود الإسلاميين.

وأكد أن التجربة انتهت في السعودية، وخرج على إثرها جيل محمّل بالكثير من التجارب والمآسي. ودعا الكويتيين إلى الاستفادة من تجربة جيرانهم واختصار الكثير من طريق الأمراض الاجتماعية والتناقضات المروّعة.

مرحلة انتقالية

الفكر الصحوي خرج من السعودية بفضل ما تنعم به اليوم من تحولات عميقة في بنيتها الاجتماعية والثقافية
الفكر الصحوي خرج من السعودية بفضل ما تنعم به اليوم من تحولات عميقة في بنيتها الاجتماعية والثقافية

أوضح الغامدي أنه من الطبيعي أن الحسم الفجائي لكل تلك التجاذبات سيربك الجميع. وكشف أنه إلى حين خلق اهتمامات جديدة أو مشكلات جديدة لا بد من بعض الوقت، لأن ما تعيشه السعودية يمثل مرحلة انتقالية بين مرحلة غير طبيعية، وبين مستقبل واعد سيعاد تشكيل الأفكار فيه من جديد، وربما مع جيل جديد في ذلك الوسط، وليس بالضرورة بنفس تلك الأسماء المألوفة.

ويرفض الغامدي الطرح الذي يعتبر أن القوة الناعمة مفهوم غائب لدى السعودية، مؤكدا أن إنهاء ممارسات تيار الصحوة سيسمح بإعادة إحيائها فهي موجودة أصلا في تركيبة هذه “الأرض وإنسانها”.

ويرى أن كل ما يجري اليوم يعمل على إعادة تشكيل تلك القوة، واستثمارها بدءا من الترفيه والجذب السياحي، وانتهاء بالسياسات الاقتصادية والتجربة التي تخوضها السعودية في جذب الاستثمار الأجنبي، وليس اكتتاب شركة أرامكو سوى جزء منها باعتبارها قوة واعدة ويؤمل أن تُعيد الكثير من عناصر الجذب للتجربة السعودية.

وشدّد الغامدي على أن الخط الثقافي هو الذي يحتاج أكثر من غيره إلى المزيد من الاهتمام، وذلك لأنه عنصر بناء إنساني في المقام الأول. فبناء الإنسان ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن بناء العمران. والأهم أن تسير عملية التثقيف في مسار ناضج حقيقي.

ووفق الباحث السعودي فإن ملامح التغيير بدأت تبرز في السعودية بتشكل ذوق عام يمثل عتبة مهمة في بناء مجتمع التحضر وتجهيز الناس لواجبات مرحلة الانفتاح، لكنها بمعايير المرحلة لا وفق خط معين تحكمه أفكار ومخرجات الحقب الماضية.

وقال، “اليوم نحن بحاجة إلى توسيع الإدراك في ما يتعلق بحدود هذا الذوق وفق المُدرك الإنساني الذي لدى كل الشعوب، وليس فقط ما نعيه نحن في وعينا العشائري. ذلك الوعي المحدود الذي لا يرى أهمية، مثلا، لرمي المخلفات أو لربط حزام الأمان، في حين أنه يستثار لعدم لبس امرأة للعباءة أو عدم التزامها بالشكل المفترض للحجاب المحلي”. 

وبيّن الغامدي أن النهضة تبدأ من تغيير الوعي، من خلال الاهتمام بالذات والمكان والبيئة وترك الآخرين وشأنهم، من هنا تبدأ حقا، من رسم جماليات المكان وتحديد السلوك الإنساني وفق السياق الإدراكي العالمي الذي دخل إلى السعودية أخيرا عن طريق السياح، ونبذ كل ما من شأنه فرض الوصاية أو الانتصار للآراء الضيقة. وهو أن هذه الصياغة الجديدة لحدود الذوق العام ستعمل على صياغة السلوك المفترض، ستضع النقاط على الحروف، وأظنها ستحد من تلك الوصاية والتطفل، وإن كانا لن ينتهيا تماما، لكن الأجيال الجديدة ستعيش في بيئة أكثر صحية.

جودة الحياة

ملامح التغيير بدأت تبرز في السعودية بتشكل ذوق عام يمثل عتبة مهمة في بناء مجتمع التحضر
ملامح التغيير بدأت تبرز في السعودية بتشكل ذوق عام يمثل عتبة مهمة في بناء مجتمع التحضر

تشهد السعودية تغيرات لافتة تسعى عبرها إلى توسيع معنى “جودة الحياة” بما يتجاوز البنود الاستهلاكية مثل السينما وبرامج الترفيه إلى أبعد من ذلك لتشمل معايير متعددة لا حصر لها تبدأ من التخطيط الهندسي الحضري للمدن والأحياء، وتنتهي بمستوى حضور الثقافة والفنون في الحياة العامة.

وفي هذا السياق أبدى الغامدي تفاؤلا غير محدود باعتبار أن الجدول الزمني لانطلاق البرنامج المتعلق بتطبيق جودة الحياة قريب، حيث اطّلع على وثيقة في هذا الخصوص، قائلا “نحن نقترب فعليا من معايير جودة الحياة. لديّ بعض التشاؤم البسيط. نحن لدينا مشكلة عميقة تتمثل في الإدراك. هذا الإدراك الذي أراه غائبا عن وعي المدراء والمسؤولين في تلك الأجهزة الحكومية الخدمية التي سيُعهد إليها تنفيذ بعض أوجه برنامج جودة الحياة يجعلني غير متفائل بتحقيق مخرجاته على النحو المخطط له”.

وأكد أن السعودية بحاجة إلى مسؤولين وتنفيذيين جددا كليا، معتبرا أن أغلب المسؤولين الحاليين وبوعيهم الحالي هم نتيجة لمرحلة سابقة كان كل ما فيها ضد معايير جودة الحياة في كل شيء، وبالتالي فإن فاقد الشيء لن يعطيه. وعليه في كل الأحوال أعتقد أن هذا لن يغيب عن ذهنية صانع التغيير في سدّة القيادة.

 وقال، “أتذكر مقالا لعبدالرحمن الراشد ينقل فيه حوارا له مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يقول (سألت الأمير كيف ستنطلق الرؤية والسيارة صدئة، قال: سترى بنفسك كيف نجدد السيارة وإلا استبدلناها بأخرى.  يقول: وبعد القرارات الإصلاحية في 2017 قابلت الأمير، فسألني عن حوارنا السابق، وكيف رأيت ما تم إنجازه. فقلت له: انطلاقة مدهشة للسيارة. فابتسم وقال: بل إنها لم تتحرك بعد)”. واستدرك قائلا، “سأتفاءل بأن مدن “السكّر” ستبتسم أخيرا، وسيبتسم الإنسان في هذه المدن”.

وختم الغامدي معربا عن أمله في “أن تبدأ هذه النهضة من الإنسان وتنتهي به. الإنسان هو العنصر الأول في بنائها وديمومتها.

آخر القرارات كانت إدراج الموسيقى في التعليم، يؤمل من هذا الأمر أن يعيد أنسنة التعليم وإنهاء تلك الحالة من الفصل الحاد بين السياقات داخل البيئة التعليمية، والتي أحدثت ازدواجية حادة في وعي الناشئة وأهاليهم على السواء. الأهم كذلك أنها ستؤسس أيضا لمفهوم التعايش والتسامح بين فئات المجتمع بكل تنوعاتها، وهذا أهم ما ينبغي أن يتوجه إليه التعليم الذي كان في وقت من الأوقات بعيدا جدا، للأسف، عن هذه الرسالة الإنسانية العالمية العظيمة”.

تغيرات لافتة تسعى السعودية عبرها إلى توسيع معنى "جودة الحياة"
تغيرات لافتة تسعى السعودية عبرها إلى توسيع معنى "جودة الحياة"

 

7