ترسيخ التوطين وحماية المكتسبات

الثلاثاء 2014/03/04

وافق مجلس الوزراء الإماراتي في جلسة عقدها في التاسع عشر من شهر يناير الماضي، على مشروع قانون لـ”الخدمة الوطنية والاحتياطية” يجعل الخدمة العسكرية إجبارية للذكور واختيارية للإناث، ويهدف إلى تعزيز قوة الدفاع الوطنية.

هذه الخطوة جاءت في إطار إدراك القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة “أهمية مشاركة المواطنين في واجب الدفاع عن الوطن”.

دولة الإمارات تسعى عبر هذا القانون إلى القول إنها تحرص أشدّ الحرص على حماية مصالحها الوطنية العليا من خلال الاستثمار في الموارد البشرية الإماراتية، وهذا الاستثمار لا يحقّق رؤيتها الاستراتيجية في مواجهة التحديات القائمة والمستقبلية فحسب، بل يعزز كذلك خططها بعيدة المدى في التوطين وتمكين الإنسان الإماراتي، الذي لطالما كرّر المسؤولون الإماراتيون أنّه هو وسيلة التنمية وغايتها.

إن حماية المكتسبات التنموية التي راكمتها دولة الإمارات على مدى العقود الماضية تتطلب تشكيل قوّة دفاع وطني إضافية، تُسهم بكفاءة واقتدار في حماية الوطن وحفظ حدوده وصون إنجازاته.

وحين نعلم أن قانون الخدمة الوطنية هو في حقيقة الأمر خطوة أساسية ومتقدمة في استراتيجية التوطين التي تقودها الحكومة الإماراتية، يزول الكثير من الهواجس والأقاويل التي تزعم أن ثمة “عسكرة” تقف خلف هذا المشروع. والمتأمل في النهج الإماراتي لا يحتاج جهدا كبيرا ليكتشف مدى رسوخ الطابع المدني المتحضر في فلسفة الدولة وسياساتها والأطر الحاكمة لخططها ومشاريعها وقوانينها.

إن تحدي الهوية تحدّ أساسي في دولة تفتح قلبها لأكثر من 200 جنسية تقيم وتعمل على أرضها، وتقع في إقليم حافل بالتحديات والتطورات المتسارعة. ومن هنا فإن من المنطقي، بل الواجب، أن تفكّر الإمارات في اشتقاق وسائل وأدوات لترسيخ الانتماء الوطني لدى أبنائها من المواطنين، وبما يقوّي من اللحمة والاندماج الوطني في مشروع الدولة التنموي، الذي أصبح نموذجا يُحتذى به في المنطقة والإقليم.

مشروع الخدمة الوطنية في الإمارات حق سيادي للدولة الاتحادية تعزز من خلاله أمنها القومي وتحفظ هويتها وتصون مصالح مواطنيها عبر خطوة متقدمة في مشاريع تمكينهم.

وعليه، فإن مدنيـة الدولة الإماراتيـة وانتهاجها الوسطيـة والاعتـدال في سياستها الخارجية لا يتعـارضان مـع إحساسهـا بـأن مـن حقّهـا الاحتيـاط لأيـة تداعيـات محتملـة قد تنطوي عليها الملفات والقضايا الشائكة والمعقدة والمشتعلة التي تحفل بها كثير من دول المنطقة، ما يجعل من الواجب على أي عقل استراتيجي أن يلوذ بالحذر الاستباقي، ويبحث عن جميع الوسائل والطـرق التي من شأنها أن تحفظ ما تحقّق مـن إنجـازات ومكتسبات وتطويرها نحو مزيـد من النجاحـات ومـن خلال الاستنـاد إلى أدوات وطنية ومـوارد محليـة، تعكس حبّها لوطنها وانتماءهـا إليه عبـر تحقيق الإنجـازات والمسـاهمة في إحـداث فـارق نوعي في زمـن قيـاسي، وضمـن فلسفـة في الريـادة تذهـب إلى القول أن النّجاح الحقيقي يكمن في تذليل الصعوبـات وليـس في قطـف ما هـو سهل ومتاح.

قانون الخدمة الوطنية ليس جملة معترضة في كِـتاب دولة الإمارات العربية المتحدة المفتوح أمام الشمس، بل هو منسجم مع السياق الكلي العام الذي تسعى إليه الدولة في سياق قراءتها المتجدّدة للواقع وسُبل إدارة تحدياته والتعاطي مع استحقاقاته بتفكير بعيد المدى وتخطيط متأنٍ لا يحرق المراحل ولا يفاجأ في الآن نفسه بتطورات الأمور وتفاعلاتها.


باحث إماراتي

3