ترسيخ السلام مع الحركات المسلحة مطلب العسكريين والمدنيين في السودان

التطبيع مع الجماعات المسلحة أحد المفاتيح الرئيسية لتجاوز الأزمة التي تعصف بالبلاد.
الثلاثاء 2019/07/09
ضمان وتوفير الأمن مطلبان عاجلان للسودانيين

بعد أشهر من الغموض السياسي أرسى السودان أولى خطواته نحو الانتقال الديمقراطي بعد اتفاق بين المؤسسة العسكرية وتحالف الحرية والتغيير، ينص على تشكيل مجلس سيادي يُفترض أن يقود المرحلة الانتقاليّة المقبلة، غير أن تنفيذ المجلس العسكري لاتفاق تقاسم السلطة مع المدنين تعيقه تحديات كثيرة وملفات ساخنة، أبرزها القدرة على ترسيخ السلام مع الحركات المسلحة، وطي صفحة قاتمة من التوترات الأمنية واحتقانات كلفت البلاد ثمنا باهظا.

تتزاحم الملفات الساخنة في السودان. ويحتل بعضها أهمية كبيرة لدى المجلس العسكري وتحالف الحرية والتغيير لحل عقدها المتراكمة. وربما يكون ترتيب الأولويات مختلفا بين الجانبين، لكن تظل مسألة توفير الهدوء والأمن وتوطيد السلام في مناطق الصراعات قاسما مشتركا بينهما، وعلامة قوية على النضج الذي لحق بالحياة في السودان.

لم يؤثر الخلاف في قضايا سياسية عديدة على ضرورة الحوار مع الحركات المسلحة كمقدمة للاستقرار الحقيقي في البلاد، وتوصيل رسالة إلى العالم بأن هناك مرحلة جديدة تستوجب إعادة النظر في ملفات قديمة، أرخت بظلال سلبية على سمعة واقتصاد البلاد. وهو مطلب عاجل كي يتمكن الحكم الجديد من تعديل الدفة في أمور كثيرة، ويتجنب العراقيل التي تصمم بعض القوى الرافضة للتغيير على وضعها بين العجلات السياسية.

يميل الاتجاه العام إلى مشاركة قيادات من الحركات المسلحة في المجلس السيادي والحكومة المدنية، كدلالة قوية على عمق التغير الحاصل، وطمأنة الجهات التي رهنت التقدم السياسي بحجم التطور في ملف الجماعات المتمردة، باعتباره ضمانة لعدم الانفلات وأحد المفاتيح الرئيسية لدوام الاستقرار، ومقدمة لنزع السلاح من أيدي ما يسمى بـ”ميليشيات الظل” في السودان، وفي النهاية مؤشرا على تعظيم الربط بين الديمقراطية والسلام الشامل.

أكدت أدبيات تحالف الحرية والتغيير أن الستة أشهر الأولى للحكومة المدنية سوف تولي اهتماما بالتطبيع والسلام مع القوى المسلحة التي دخلت في نزاعات مخيفة خلال حكم الرئيس المعزول عمر حسن البشير، وأوصت قيادات عدة بضرورة طي صفحة قاتمة تعبر عن مرارات واحتقانات كلفت البلاد ثمنا باهظا، وتقدم إشارة إيجابية على ارتفاع مستوى التحول السياسي في قمة السلطة، التي درجت سابقا على المتاجرة بالصراعات المسلحة، وأدخلتها في حسابات غامضة انعكست سلبا على وحدة السودان.

بدأ المجلس العسكري خطوات عملية في الاتجاه ذاته، حيث كوّن مبكرا لجنة برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) للتفاوض مع الحركات المسلحة، ويجري حاليا إنشاء مفوضية للسلام تستفيد من تجارب الإدارة الناجحة في التفاوض مع هذا النوع من المشكلات. ومن المرجح إصدار عفو قريب عن أعضاء في حركات مسلحة صدرت في حقهم أحكام غيابية، بما يمهد الطريق لعودتهم إلى البلاد وانخراطهم في حلّ المشكلات على قاعدة وطنية وليست فئوية أو مناطقية.

حركة تحرير السودان

رسالة إيجابية
رسالة إيجابية

مع أن إصدار المجلس العسكري الجمعة الماضي لعفو عن نحو 335 شخصا ينتمون إلى حركة تحرير السودان، الناشطة في إقليم دارفور، بعث برسالة جيدة في مسار عملية السلام، غير أن البعض قللوا من أهميته لانحصار المستفيدين من القرار حتى الآن في جناح مني أركو ميناوي، كعلامة على العلاقة المتينة بينه وبين قيادة المجلس العسكري، عقب جولة حوار تمت في تشاد بين ممثلين للجانبين مؤخرا.

تعامل المجلس العسكري بمرونة منذ البداية مع جميع الحركات، غير أن بعض التصرفات قادته إلى تعديلها، وإضفاء قدر من الخشونة السياسية عليها، كما حدث مع ياسر عرمان نائب رئيس الحركة الشعبية بقطاع الشمال، فعندما عاد إلى الخرطوم لم يعترض عليه أحد، وبعد أن قيل إنه تحدث بخلفيته الحركية أبعد مع اثنين من زملائه (مبارك أردول وخميس جلاب) إلى جوبا، الجهة التي جاء منها، ولا تزال هناك محاولات للعفو الشامل وتطبيع العلاقات ضمن تسوية منتظرة مع الحركات المسلحة.

ينطوي تقديم هذا الملف على رغبة في حسمه قبل توظيفه من جانب جهات تريده أن يتحول إلى مصدر للقلق، كما يحمل أهمية استراتيجية لما يشير إليه من غلق منغص رئيسي في البلاد، ساهم في وضع السودان على فوهة بركان لفترة طويلة، وارتبط بمراوغات ومساومات خلال عهد البشير، وأدى إلى سلخ جنوب السودان نتيجة ممارسات خاطئة، فلم يتم الالتفات إلى قضية المواطنة التي لا تزال تمثل عائقا أمام الحفاظ على وحدة ما تبقى من أرض السودان.

تنظر دوائر سياسية كثيرة بتوجس لما يمكن أن يحمله تكرار السياسات السابقة في التعامل مع بعض الأقاليم والهوامش، ففي ظل ظروف بالغة الحساسية قد ينفرط عقد البلاد، إذا لم تجد هذه القضية معالجة موضوعية ونهائية، ومع التقسيمات العرقية والاجتماعية وانتشار السلاح والارتباك السياسي العام يصبح شبح الصراع مخيما على أي حكومة في الخرطوم.

مُنحت الحركات المسلحة أولوية عن غيرها، لأن بعض الدوائر الخارجية سوف تتخذها بوصلة لقياس حجم التقدم والتأخر في حل الأزمة السودانية

مُنحت الحركات المسلحة أولوية عن غيرها، لأن بعض الدوائر الخارجية سوف تتخذها بوصلة لقياس حجم التقدم والتأخر في حلّ الأزمة، ووجدت انسجاما مع القوى المركزية، من الناحيتين السياسية والعسكرية، انتقل بدوره إلى غالبية القيادات النشيطة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ولم يقدم الرافضون أو المتحفظون منهم على تبني تصرفات عدائية، وفتحوا الباب للتعامل بليونة مع الجهود المبذولة للتوصل إلى صيغة مستقرة للسلام.

يتجاوز تسليط الأضواء على فك شفرة الحركات المسلحة البعد الداخلي، ويمتد إلى ما يحمله من مكونات إقليمية ودولية دقيقة، فالدول المجاورة للسودان معنية بحل هذه الأزمة ومنع تفاقمها، بعد أن امتدت روافدها إلى المنطقة، وباتت طرفا في بعض الحروب التي تجري بالوكالة، وبالتالي فتسوية هذا الملف سيجد من يدعمه، ويمنحه جانبا من الوقت.

كما أن عدم حل الصراعات المتجذرة في الغرب والجنوب ساهم في فرض عقوبات اقتصادية على السودان، وتسببت التعقيدات السياسية والأمنية في دوامها، وأضرت بمصالح البلاد، ولم يعبأ البشير بالنتائج حينذاك، وكأنه ارتاح لما تحقق من فوائد معنوية، دون التفات لعواقبها المادية، واعتبر الاستقرار خصما لدودا لبقائه في السلطة، والحرب ملاذا آمنا، حتى خسرهما معا.

تريد الطبقة الصاعدة في السودان تخطي هذه العقبة، وتوفير البنية الصحيحة اللازمة للسلام كمدخل لتبديل بعض التوجهات الخارجية، عقب تصميم أصحابها على إحداث تغيير ملموس يتعدى الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وتحالف الحرية، ويصل إلى مستوى التسوية الشاملة للنزاعات المسلحة، خاصة تلك التي ارتبطت بجرائم حرب وانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، كما حدث في إقليم دارفور.

مساعدة الخرطوم

Thumbnail

أبدت دول مختلفة استعدادها لمساعدة السودان في الخروج من أزمته الراهنة، وكان ترسيخ السلام عنصرا مشتركا في التلميحات والتصريحات خلال الفترة الماضية، ما يشير إلى رغبة في عودة الخرطوم إلى التعامل مع المجتمع الدولي بصورة طبيعية، عقب تصفية جملة من القضايا الخلافية التي أفضت في النهاية إلى نبذها وحشرها في زاوية ضيقة من العقوبات.

وكشف استيفن كوتيسيس القائم بأعمال السفارة الأميركية في الخرطوم، الأحد، عن طرف الخيط في هذا الفضاء، عندما أشار إلى أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب أصبح وشيكا، ويتوقف على مدى إدماج الحركات المسلحة في الاتفاق الموقع في العام 2011، وإحلال السلام في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

رفعت واشنطن عقوبات اقتصادية وحظرا تجاريا عن السودان في أكتوبر 2017، كانا مفروضين عليه منذ حوالي عقدين، لكن الفساد وسوء الإدارة والجدل حول مكافحة التطرف والإرهاب حرمت السودان من جني ثمار القرار في عهد الرئيس المعزول، ولم يهتم كثيرا باتخاذ الإجراءات الواجبة لمحو الآثار السلبية السابقة، بل تكيف مع معطياته، واتخذ العقوبات سبيلا للمزايدة على واشنطن، والتظاهر بأنه يناطح قوتها الملموسة بقوة رمزية باهتة، فلم تتقدم الولايات المتحدة خطوة لرفع العقوبات، وتراجع البشير خطوات.

يحل ترسيخ السلام في الأقاليم المتوترة جزءا من أزمات السودان، لكنه لن يكون كافيا لتثبيته، ما لم يتم تبني سياسات عادلة لتوزيع السلطة والثروة، وتحاشي تكرار الأخطاء التي جعلت الحركات المسلحة جرحا غائرا في جسد السودان.

7