ترشيح البشير نتيجة مباشرة لتحييد الأصوات المعارضة في الحزب الحاكم

مجلس شورى المؤتمر الوطني يوافق على الترشح في انتظار تعديل الدستور، ومخاوف من تداعيات القرار على الاقتصاد السوداني المترنح.
السبت 2018/08/11
اليد الطولى

الخرطوم – خطى الرئيس السوداني عمر حسن البشير خطوة مهمة في مسار الترشح لولاية رئاسية جديدة، بموافقة مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالأغلبية على تعديل النظام الأساسي للحزب، بعد أن نجح البشير خلال الأشهر الماضية في تحييد الأصوات الرافضة لترشحه وتحجيم دورها.

وأجاز مجلس شورى المؤتمر الوطني مساء الخميس، تعديل النظام الأساسي للحزب، بما يسمح بترشيح الرئيس عمر البشير للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في العام 2020.

ويعد مجلس الشورى أعلى هيئة قيادية في المؤتمر الوطني بعد المؤتمر العام، ويضم في صفوفه 400 عضو، ومن مهامه انتخاب أعضاء المكتب القيادي للحزب.

وقال كبشور كوكو، رئيس المجلس للصحافيين الجمعة، “كل أجهزة الحزب اعتمدت البشير مرشحا للرئاسة في انتخابات 2020 واتخذنا الإجراءات اللازمة لذلك”.

ولم تعد أمام البشير من الناحية القانونية سوى عقبة وحيدة تحول دون ترشحه وهي أن دستور الدولة لا يجيز للرئيس إعادة الترشح لأكثر من دورتين، ويقول مراقبون إنه سيكون من الضروري تعديل الدستور، وهذا أمر ليس صعبا في ظل امتلاك الحزب الحاكم لأغلبية مطلقة في البرلمان.

وتنص المادة 57 في الدستور الحالي على أن “يكون أجل ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات تبدأ من يوم توليه لمنصبه وتجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب”.

وتعمل البلاد بدستور 2005، الذي جاء وفق اتفاق السلام الشامل، وعلى ضوئه منح جنوب السودان “حق تقرير المصير”، الذي أدى لاحقا إلى انفصاله عبر استفتاء شعبي عام 2011 .

وانتخب عمر البشير رئيسا في 2010، ثم أعيد انتخابه ثانية في 2015 لدورة رئاسية تنتهي في 2020، دون احتساب فترات حكمه منذ وصوله إلى السلطة في يونيو 1989 بانقلاب عسكري على رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي.

عثمان ميرغني: قرار الترشح كان متوقعا كونه محصورا في دائرة ضيقة داخل الحزب
عثمان ميرغني: قرار الترشح كان متوقعا كونه محصورا في دائرة ضيقة داخل الحزب

وأعلن الرئيس البشير، قبل فترة عن زهده في السلطة، وعدم ترشحه في الانتخابات المقبلة، بيد أن محللين ومعارضين، لم يأخذوا تصريحاته على محمل الجد حيث سبق وأن تعهد بذلك قبل الانتخابات الماضية بيد أنه تراجع عن ذلك.

وترفض المعارضة الرئيسية في السودان ترشح البشير للسلطة مجددا وتطالب بهيئة حكم انتقالي، كما تتحفظ العديد من القيادات داخل حزبه على ذلك بيد أنها لا تملك القدرة الفعلية لمنع الأمر.

وكان البشير قد تحضر طويلا لهذه المرحلة، بعد جملة تغييرات قام بها على مدار العامين الأخيرين كان أبرزها إقصاء الوجوه الرافضة لخطوته، ولم يشمل هذا التغيير فقط القيادة الهرمية لحزب المؤتمر الوطني بل وأيضا داخل أجهزة الدولة (الرئاسة، المخابرات والجيش).

ويقول متابعون إن المعارضة في السودان لن يكون أمامها من خيارات سوى مقاطعة الانتخابات كما حصل في السابق. وقد اتخذت بعض الأحزاب بالفعل هذا القرار على غرار الحزب الشيوعي.

ويشير مراقبون إلى أنه وإن تبدو الطريق معبدة أمام البشير للترشح للانتخابات المقبلة، خاصة أن الأجواء الإقليمية والدولية تصب في صالحه، بيد أن ذلك لا ينفي وجود صعوبات، لعل في مقدمتها الوضع الاقتصادي المتدهور والذي يخشى من أن يفضي إلى انفجار شعبي.

وأعلن الرئيس السوداني، في خطابه أمام الجلسة الافتتاحية لمجلس الشورى الخميس عن ترتيبات وإجراءات اقتصادية جاهزة للتنفيذ خلال أيام لحل الأزمة الاقتصادية في البلاد بصورة جذرية ونهائية.

وقال البشير “خرجنا من أخطر الظروف الاقتصادية الحالية، ورفضنا الضغوط الخارجية من أجل تركيع بلادنا، ورفضنا بيع استقلالنا وكرامتنا بأي ثمن”، دون تفاصيل.

ويعاني السودان، منذ انفصال جنوب السودان 2011، من ندرة في النقد الأجنبي، لفقدانه ثلاثة أرباع موارده النفطية، وتساوي 80 بالمئة من موارده من النقد الأجنبي.

واعتبر محلل سياسي سوداني أن قرار ترشح البشير سيترك انعكاسات اقتصادية على البلاد التي تعاني من ارتفاع معدلات التضخم الذي وصل إلى 64 بالمئة، وفق تقارير رسمية إضافة إلى استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني.

وقال عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة “التيار” المستقلة، إن “قرار اختيار البشير مرشحا لانتخابات 2020 سيكون له أثر اقتصادي. عزلة البلاد ستستمر”.

وأضاف ميرغني أن “القرار كان متوقعا كونه محصورا في دائرة ضيقة داخل الحزب”.

وتصنف الولايات المتحدة الخرطوم ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عقود بتهمة مساندة جماعات إسلامية متشددة مثل تنظيم القاعدة الذي عاش زعيمه السابق أسامة بن لادن في السودان بين عامي 1992 و1996 .

وقد اتخذت وزارة الخزانة الأميركية في يوليو الماضي قرارا يخفف الإجراءات المشددة ضد النظام المالي السوداني. ويفتح هذا القرار الباب واسعا أمام البنوك السودانية للتعامل المباشر مع نظيراتها الأميركية وبالتالي تنشيط الحركة التجارية بين السودان والولايات المتحدة.

وربط مراقبون هذا القرار الأميركي بنجاح الخرطوم في إحداث خرق نوعي في ملف جنوب السودان، حيث سبق وهددت واشنطن بفرض عقوبات على أطراف النزاع هناك.

وأكد البشير الخميس أن “حل مشكلة جنوب السودان بمثابة دافع كبير لتحقيق السلام في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق”.

والأحد الماضي، وقع فرقاء دولة جنوب السودان بالخرطوم، الاتفاق النهائي لاقتسام السلطة والترتيبات الأمنية، برعاية البشير، وتحت مظلة “الهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا” (إيغاد).

وتابع الرئيس السوداني “السلام أصبح واقعا على الأرض في دارفور، بشهادة المنظمات الدولية”. وزاد “لا توجد حركات مسلحة، وما تبقى عصابات للنهب والسرقة، وسنقضي عليها”.

ومنذ 2003، تقاتل ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور ضد الحكومة السودانية، هي “العدل والمساواة” بزعامة جبريل إبراهيم، و”جيش تحرير السودان” بزعامة أركو (مني) مناوي، و”تحرير السودان”، التي يقودها عبدالواحد نور.

كما تقاتل “الحركة الشعبية لتحرير السودان/ قطاع الشمال”، قوات الحكومة منذ 2011 في جنوب كردفان والنيل الأزرق.

ويأمل البشير في أن يؤدي النجاح في ملف الجارة الجنوبية إلى تطبيع كلي مع الولايات المتحدة، ولكن يبقى هذا المسار معقدا، خاصة وأن الإدارة الأميركية تريد أن تبقي على أوراق ضغط على الخرطوم وأهم ورقة إبقاؤها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب التي تضم كذلك إيران وكوريا الشمالية.

ويواجه البشير معضلة أخرى تعقد مصالحته مع المجتمع الدولي وهي مطالبة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بالمثول أمامها بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية أثناء النزاع في إقليم دارفور.

2