"ترشيد نفقات" ينذر بمستقبل قاتم للدراما الجزائرية

يتوقع نقاد وجمهور الفن الدرامي في الجزائر، فراغا كبيرا في قادم الأيام، فعلاوة على الطابع الموسمي الذي تميز به على مر السنوات الأخيرة، وارتباطه بشهر رمضان فحسب، فإن تشاؤما يخيم على شركات الإنتاج التنفيذي، بسبب ملامح الشح البارزة على أروقة مديرية الإنتاج في التلفزيون الحكومي.
الخميس 2016/11/03
"عاشور العاشر 2" يصور في تونس

تتردد إدارة الإنتاج في التلفزيون الحكومي الجزائري إلى حد الآن في الكشف عن هوية الأعمال المحظوظة بالتجسيد لرمضان القادم، بينما تبحث بعض القنوات الجزائرية الخاصة عن تجديد أعمال مكررة لإنقاذ موسمها أمام الجمهور، وسعيا لاستقطاب معلنين لتمويل حساباتها التي تعاني متاعب كبيرة جراء تداعيات تقلص المداخيل وسياسات التقشف.

ونقلت مصادر مطلعة في إدارة الإنتاج في التلفزيون الحكومي في الجزائر لـ”العرب”، تخبط مسيري موازنة الإنتاج الدرامي، في الكشف عن هوية الأعمال المقترحة عليها من قبل شركات الإنتاج التنفيذي، وذلك بسبب الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها المؤسسة، فرغم إجراءات التقشف التي طبقتها وتقليصها لآليات الإنتاج وأجور الفنانين والتقنيين، إلاّ أنها لم تهتد بعد لمن يكون صاحب الحظ في تجسيد مشروعه، رغم ضغط الوقت من أجل أن يكون جاهزا خلال الموسم المقبل.

وذكر صاحب شركة خاصة للإنتاج التلفزيوني، سبق له إنجاز مسلسل من نوع “سيتكوم” منذ ثلاث سنوات، أنه اقترح منذ موسمين مسلسلا دراميا لإدارة الإنتاج، إلاّ أن البيروقراطية والأزمة المالية أجلتا العمل، ولا توجد لديه أي بوادر لتبنيه خلال الموسم القادم، في ظل التكتم السائد على المشاريع الفنية المقبولة.

وأضاف “القطاع الثقافي والفني هو أول من دفع فاتورة التقشف الحكومي، وحتى موازنة الوزارة الوصية تقلصت بحوالي 40 بالمئة، وهو ما ينعكس على كم ونوع الإنتاج التلفزيوني والدرامي على وجه التحديد، ويمكن توقع أشياء مماثلة في السنوات القادمة، ومن المرجح اعتماد عملين لا يتعديان 15 حلقة، وبعض ‘السيتكومات’، لتغطية الفراغ وإنقاذ الموسم”.

وتابع “لا أكشف سرا إذا قلت إن العشرات من الشركات تتجه نحو الإفلاس وتسريح الموظفين، ومنه إفلاس الإنتاج الدرامي في الجزائر، فعلاوة على ما يحسب عليه في الحالات العادية من محدودية في الطرح، وضعف في الأداء وتكرار للمواضيع، فإنه سيشهد ابتداء من الموسم المقبل ندرة غير مسبوقة”.

هشاشة المشاريع

حاولت بعض التبريرات الإدارية إلقاء اللائمة على ما أسمته بـ”هشاشة المشاريع الفنية” المقترحة عليها، وأن الارتباك المسجل مرده اشتغال إدارة الإنتاج في التلفزيون الحكومي على الانتقاء الدقيق للنصوص والأعمال المقدمة، قبل الكشف عن المشروعات المرشحة، لتتجه في المقابل بعض التلفزيونات الخاصة نحو إعادة تكرار أعمال سابقة بحلة متجددة، من أجل إنقاذ موسمها أمام الجمهور.

وفي هذا الشأن شرعت قناة “الشروق” الخاصة، في إنتاج الطبعة الثانية من المسلسل الفكاهي “عاشور العاشر”، حيث ينتظر بدء عملية التصوير في تونس، ووعد مخرج المسلسل جعفر قاسم، بتقديمه في حلة جديدة أكثر جاذبية، وأنه سيكون العمود الفقري للشبكة البرامجية للقناة خلال موسم رمضان المقبل.

البيروقراطية والأزمة المالية التي تمر بها الجزائر أجلتا العديد من الأعمال، ولا توجد أي بوادر لتبني أي عمل إلى الآن

وأوضح المخرج أنه تم تحسين السيناريو، والحفاظ على أبرز شخصياته، وعلى رأسهم الفنان الفكاهي صالح أوقروت والكوكبة التي عرفها الجمهور في الطبعة الأولى التي عرضت خلال موسم 2015، على غرار الممثل سيد أحمد أقومي، كنزة.. وغيرهما.

ويعد العمل، الوحيد من نوعه لدى التلفزيونات الخاصة في الجزائر، حيث لم تسمح التجربة الحديثة للفضائيات الخاصة في البلاد منذ انبعاثها في العام 2011، بالتوجه إلى الإنتاج الفني والدرامي، بسبب شح مواردها المالية، وكانت قناة “الشروق” السباقة لإنتاج مسلسل “عاشور العاشر” بإمكانياتها الخاصة، وقد كلفتها الطبعة الأولى حوالي مليوني دولار، كما انتهت خلال الأسابيع الأخيرة من دبلجة المسلسل التركي “أليف” إلى اللهجة الجزائرية.

احتكار حكومي

يبقى التلفزيون الحكومي المدعوم من خزينة الدولة ومن ضرائب يدفعها الجزائريون، المحتكر الأول للإنتاج التلفزيوني والدرامي إلى غاية الآن، حيث تتكفل مديرية الإنتاج التابعة له، بدراسة السيناريوهات والمشاريع الفنية المقترحة عليها من قبل الشركات الخاصة، الأمر الذي جعل الدراما الجزائرية لا تخرج عن سياق إرادة ورقيب التلفزيون الحكومي، عكس

السينما والمسرح اللذين لامس من خلالهما الإنتاج الجزائري، سقف العالمية في البعض منهما.

وعمقت حالة الاحتكار المتضرر من تداعيات الأزمة المالية، من حدة الشكوك والانتقادات حول اختيار الأعمال المؤهلة للإنجاز، وتوجه أصابع الاتهام للجنة النصوص بممارسة المحسوبية والمحاباة، حيث تحوز شركات مقربة من دوائر صنع القرار الفني في التلفزيون الجزائري، على الأفضلية في المشروعات التلفزيونية، الأمر الذي غيب الجوانب الفنية والإبداعية وحتى الانحدار نحو الرداءة والسفاهة في الأعمال المنجزة.

وباتت نماذج “السيتكوم” الخيار الغالب لدى التلفزيونات الجزائرية (حكومية وخاصة)، بحجة شح الموارد المالية، كونها لا تستقطب رؤوس أموال كبيرة عكس المسلسلات العادية، مما يهددها بفقد جمهورها خاصة مع الندرة المنتظرة بداية من الموسم الدرامي القادم، لا سيما وأن النماذج المذكورة لم تلب حاجيات الجمهور، وكثيرا ما أصابته بالملل والقرف، ودفعته للعودة إلى عاداته القديمة بمتابعة الفضائيات العربية المعروفة.

وتراهن وزارة الثقافة في الجزائر، في إطار ما أسمته بـ”ترشيد نفقات القطاع”، على استقطاب رجال المال والأعمال للاستثمار في الإنتاج الفني والتلفزيوني، من أجل الوصول إلى صناعة فنية تكفل لنفسها المردودية اللازمة، بدل الاستمرار في السياسات الريعية، ويجري التفكير في إطلاق مدينة واستوديوهات فنية وشركات تقنية محلية، لتلافي الاعتماد على الإمكانيات والخبرات الأجنبية المكلفة.

16