تركة أوباما: إمبراطورية تتوارث الحروب دون توقف

مع اقتراب موعد خروج باراك أوباما من البيت الأبيض إثر انتهاء ولايته الثانية والأخيرة على رأس الولايات المتحدة الأميركية، تتوجه أغلب التحليلات المختصة في السياسة الدولية إلى النظر في تركة أوباما وما سيرثه الرئيس القادم، وجل تلك التحليلات تصب في أن نتائج فترة أوباما لا تختلف كثيرا عن نتائج فترة جورج بوش، وخاصة في تواصل الحروب والنزاعات وعدم إيجاد حل جذري للمعضلات الكبرى في العالم، بل إن فترة أوباما شهدت بداية تفكك الاتحاد الأوروبي بخروج بريطانيا.
الخميس 2016/08/18
تسلم حربا أخرى من الإدارة القادمة

واشنطن - ربما لن تتذكر كتب التاريخ عن باراك أوباما، سوى ما حدث في 31 أغسطس 2013، قبل ذلك بأحد عشر يوما، كان سيد البيت الأبيض قد حدد الخطوط الحمراء التي لا يجب أن يتعداها الرئيس السوري بشار الأسد، وهدده بالقصف الجوي، إذا لجأ لاستخدام أسلحته الكيميائية ضد شعبه، ولكن الأسد تجاوز الخط الأحمر.

حدث ذلك مع الهجوم الكيميائي على الغوطة، وهي مجزرة وقعت في الغوطة شرق دمشق، يوم الأربعاء 21 أغسطس 2013، راح ضحيتها المئات من سكان المنطقة بسبب استنشاقهم لغازات سامة ناتجة عن هجوم بغاز الأعصاب.

وقد حدث الهجوم بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى دمشق، وتبادل كل من النظام والمعارضة المسلحة الاتهامات بالمسؤولية عن هذه المجزرة، كما طالبت قوى عربية وغربية بتحقيق وببحث الحادث في مجلس الأمن. كانت المقاتلات الأميركية جاهزة فعلا لتنفيذ الهجوم، وكان الجميع ينتظر أمر التنفيذ من القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن الرئيس تردد، وغير رأيه في اللحظة الأخيرة.

والآن، وبعد أن تمت تلك الجريمة ضد السوريين، وبعد أن غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي وبعد أن استفحلت الحروب في العديد من المناطق في العالم، ماذا تبقى من صورة أوباما؟ وما هي تركته بعد ثماني سنوات على رأس القوة العظمى رقم واحد في العالم؟

كانت قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة في وارسو، آخر فرصة أمام أوباما للحديث أمام محفل دولي قبل انتهاء ولايته الثانية، إلا أنه لم ينصت للكثير من الأصوات المتزايدة داخل بلاده ألا يهرب من مسؤولياته القيادية، إذ يرى الأميركيون أن أوباما يجب أن يخرج إلى الساحة وأن يواجه، وأن يمسك بزمام الأمور ويوحد الأوروبيين للتصدي لتبعات صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

إلا أن أوباما لم يبد طوال فترتي ولايته أدنى اهتمام بالقيام بدور الزعامة، وفي آخر لقاء له بالقادة الأوروبيين في ويلز عام 2014 كان هذا هو الانطباع الذي تركه لدى حلفائه الـ27 في القارة العجوز. لم يعر أوباما أوروبا اهتماما كبيرا، وفي المقابل، كان أكثر انفتاحا على آسيا.

باراك أوباما ترك فراغا في السلطة في الكثير من الأمور وإرث الفوضى الذي تركه في الشرق الأوسط يفوق أي إنجاز

فراغات كثيرة

ظهر التردد في إدارة ملف حلف شمال الأطلسي من قبل إدارة أوباما خاصة مع اللاعب التركي، الذي ظل منذ فترة (منذ أن تغولت سلطة أردوغان) مزعجا لجيرانه الأوربيين وأيضا لدول الناتو خاصة وأن تركيا قد دخلت في خلافات عميقة مع روسيا ثم أعادت العلاقات معها بشكل طبيعي.

وقد عبر أردوغان مؤخرا، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، عن امتعاضه من موقف الغرب تجاهه والذي حمله مسؤولية القيام بعمليات تطهير مقصودة لخصومه السياسيين بتعلة تنفيذ القانون على الانقلابيين، وهذا الواقع الجديد لم تتمكن إدارة أوباما من إدارته بشكل جيد.

ويقول الدبلوماسي الأميركي السابق نيكولاس بيرنز “نحن قادة هذا التحالف، وطالما كنا كذلك، والأطلسي الآن في أمس الحاجة إلى قيادة”.

وخلال فترتي ولايته، يبدو أن أول رئيس أميركي من أصول أفريقية (54 عاما) قد ترك فراغا في السلطة في الكثير من الأمور، لكن يحسب له الاتفاق الذي أنجزه حول البرنامج النووي الإيراني، واستئناف العلاقات مع كوبا، إلا أن إرث الفوضى والصراعات الدامية الذي تركه في الشرق الأوسط، يفوق أي إنجاز. فالرئيس الذي حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2009، بعد أقل من عام من وصوله إلى السلطة، غرق في الحروب أكثر بكثير من سلفه الجمهوري جورج بوش الابن، أو أي رئيس أميركي سابق على الإطلاق، ولكن لم يلتفت أحد في الولايات المتحدة إلى ذلك.

جيمس جونز: الإدارة القادمة يجب أن يكون لديها وعي بالاتجاه الذي تريد أن تقود البلاد إليه

عندما وصل أوباما إلى السلطة كان الشعب الأميركي قد أنهكته الحروب خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، خاصة في أفغانستان والعراق، وكان قد سحب قوات بلاده من هذين البلدين ووضع حد للصراعات المسلحة أحد أهم وعود حملته الرئاسية.

وقد أكدت “مباردة ناشيونال بريوريتيز” أو “مبادرة الأولويات الأميركية” المرشحة لجائزة نوبل للسلام في تقرير لها أن تكلفة الحرب في أفغانستان قدرت تقريبا بمبلغ ضخم جدا وصل إلى 6 ترليونات من الدولارات.

كما أكدت صحيفة “ذي دايلي تليغراف” البريطانية في تقرير لها عن دراسة نشرتها مجلة “ذي لانسيت” البريطانية سنة 2013 أن خسائر أميركا في الحرب على العراق بلغت 801 مليار دولار. كما أشارت إلى مقتل 4487 جنديا أميركيا و179 عسكريا بريطانيا على أقل تقدير.

ولكن بعد ثماني سنوات من الوعود بالكف عن الحروب والانسحاب، لا تزال هناك قوات أميركية منتشرة في العراق وأفغانستان، على الرغم من اختلاف مهامها في الوقت الراهن. بعد أن أعلن أوباما سحب القوات الأميركية من العراق في 2011، ولكن بعد ظهور وانتشار ميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أي في العراق وسوريا، واستيلائها على مساحات كبيرة من الدولتين، اضطر أوباما لإعادة قوات أميركية في العراق، وأن تقصف مقاتلات الجيش الأميركي، معاقل داعش يوميا تقريبا.

كما صرح أوباما بقصف معاقل التنظيمات الإرهابية في ليبيا وباكستان والصومال واليمن، ليتسع بذلك استخدام الطائرات دون طيار، بصورة تفوق بكثير ما كان يقوم به سلفه بوش، معرضا حياة الآلاف من المدنيين للخطر.

ارتباك في سوريا

يبدو أن عصر إبقاء وحدات ضخمة مقاتلة في الخارج لفترات طويلة، المستمر منذ الحرب الباردة، شارف على الانتهاء، لكن القواعد العسكرية الأميركية في الأركان النائية من المعمورة، والمقامة منذ الحرب العالمية الثانية، لا تزال على حالها في جنوب شرق آسيا وغيرها، دون أن يلتفت أحد إليها، فضلا عن القوات الخاصة الموجودة في أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى سوريا والعراق والصومال وتونس والنيجر. إنها حرب تدار عن بعد.

يقول المؤرخ ريتشارد كوهن “يواجه أوباما انتقادات كثيرة لعدم اهتمامه بتوضيح المشاركات التي تقوم بها وحدات الجيش الأميركي في الخارج، وهذا دليل على أنه ليس رئيسا محاربا، بعكس سلفه، الذي ورث صراعاته”.

كان ينبغي على أوباما أن يقرأ في كتب التاريخ أن الحروب مقدمة على أي أمور أخرى من شؤون الرئاسة، لذا سعى للتخلص من هذا الإرث، والتركيز على أجندة أكبر تشمل موضوعات تهم الدولة بالكامل. ومن ثم لم تكن أمور الحروب والصراعات ضمن أولويات إدارته. وفي تصريحات لجريدة نيويورك تايمز قال فيليب جوردن، المنسق السابق لشؤون الشرق الأدنى، “لا يوجد في قاموس مفرداتنا مصطلح حرب”.

التردد ظهر في إدارة ملف الناتو من قبل إدارة أوباما خاصة مع اللاعب التركي الذي ظل منذ فترة مزعجا لجيرانه الأوروبيين

لا يشمل برنامج المتحدث الصحافي باسم البنتاغون، تقديم إفادات بشأن عمل القوات الخاصة في سوريا والعراق ومدى تدخلها في الصراع الدائر، ولكن رسميا هذه القوات موجودة بالفعل على الأرض في هذين البلدين، لتنفيذ مهام تتعلق بالتدريب وتقديم الدعم والمشورة، بحسب جوردن.

يقول المؤرخ كوهن “وفقا لهذا الاستخدام للمفردات، وبحسب الرواية الرسمية للإدارة الأميركية فإن قواتها لا تشارك في حرب أهلية، بل تكافح من أجل القضاء على منظمات إرهابية تمثل تهديدا بالنسبة إلى الولايات المتحدة”.

إلا أن الخبراء المتخصصين يرون أن هذه الرواية الرسمية تعبر عن وجهة نظر ضيقة للغاية، نظرا لأنه بجانب داعش، الكثير من المنظمات المتطرفة الأخرى، فيما يؤكدون أن الفراغ الذي تركه الرئيس الأميركي في هذا المضمار، احتله نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حينما قام في سبتمبر الماضي بإرسال مقاتلاته إلى سوريا، مما أعاد التوازن إلى نظام بشار الأسد بعدما كاد ينهار تحت وطأة تقدم المعارضة، ويقول الصحافي جيوفري جولدبرج “لم يرغب أوباما في يوم من الأيام في التورط في الصراع السوري”. وقد سبق لجولدبرج إجراء مقابلة صحافية مع أوباما لصالح صحيفة أتلانتيك.

وحرصت إدارة أوباما على التأكيد على وحدة موقف قياداتها في هذا الشأن، إلا أنه من الواضح أن الإدارة الأميركية كانت تعاني بالفعل من انقسامات حادة بخصوص الصراع السوري. ففي وقت سابق وقع 51 دبلوماسيا أميركيا سابقا بيانا طالبوا من خلاله إدارة أوباما بتوجيه ضربات جوية ضد النظام السوري، حيث يرون أن هذه ستكون وسيلة الضغط الوحيدة الفعالة لإجبار الأسد على الجلوس للتفاوض مع المعارضة المعتدلة، كما أكدوا أن جميع خروقات الهدنة مرت من دون رادع أو عقاب.

ترى الكثير من مراكز الفكر والرأي الأميركية المقربة من البيت الأبيض أنه يجب اتخاذ موقف، لكن هذا يثير اشمئزاز أوباما ودوائر صنع القرار المقربة من الرئاسة.

يوضح جولدبرج أنه “في واشنطن، يبدو أن هناك سيناريو يتعين على جميع الرؤساء الأميركيين اتباعه ويتعلق بإدارة شؤون السياسة الخارجية وينص على التصدي لمختلف الأحداث العالمية، عن طريق التدخل العسكري في الكثير من الأحيان، إلا أن هذه بعض المواقف الخادعة التي تقود إلى اتخاذ قرارات خاطئة”.

وفي 31 من أغسطس الماضي، كسر أوباما هذا البروتوكول حينما قرر ضرب سوريا، لكن ذلك زاد من تعقيد الأمر، فحتى الآن لا يزال الدور الجديد الذي ستلعبه الولايات المتحدة غير محدد، ومن ثم ينصح خلفه أو خليفته بالعودة إلى السيناريو الأصلي.

يقول مستشار الأمن القومي الأسبق، جيمس جونز، “إذا كنا نريد أن نصبح قوة عظمى حقيقية فعلينا أن نتحرك ونتدخل، لا يمكن انتقاء مناطق بعينها لفرض أنفسنا عليها كقوة عظمى”، موضحا أن الإدارة القادمة يجب أن يكون لديها وعي تام بالاتجاه الذي تريد أن تقود البلاد إليه.

6