تركة العم سام الثقيلة في العراق

السبت 2014/06/21

يقول المحلل الأمني بيتر بيرغن _ مدير مؤسسة أميركا الجديدة، ومؤلف كتاب: “أطول الحروب: الصراع المستديم بين أميركا والقاعدة” : “قبل الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تمسك كبار المسؤولين إبان ولاية بوش بوجود محور شر يجمع بين العراق والقاعدة، بزعم أن أعضاء التنظيم يتلقون تدريبات بواسطة رجال صدام لكيفية صنع أسلحة دمار شامل، ضمن واحدة من أكثر الحجج اللازمة لشن حرب كانت بالانتظار”.

منذ ذلك الحين لم تنجح إدارة بوش الابن من ايجاد دليل واحد على ارتباط النظام العراقي السابق بالقاعدة، كما أنها لم تنجح أيضا في إيجاد دليل على وجود الأسلحة الكيماوية في العراق! ليكون قرار احتلال العراق من قبل إدارة بوش الابن، كارثة غرست سمومها في المنطقة.

بعد سقوط نظام صدام حسين، لم يُعثر على أي وثائق تثبت ارتباطه بالقاعدة. وترجمت وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية عام 2006 أكثر من 34 مليون صفحة من وثائق صدام ولم تعثر على أي أثر لأدلة تشير إلى شراكة بينه والقاعدة (بحسب مؤسسة أميركا الجديدة).

معهد التحليلات الدفاعية الأميركي، المرتبط بالبنتاغون، قام بعد ذلك بفحص 600 ألف وثيقة رسمية، بجانب الاستماع إلى تسجيلات صوتية ومرئية، مدتها آلاف الساعات، ليصل في النهاية إلى ذات الاستنتاج (لا علاقة بين نظام صدام والقاعدة).

إدارة بوش التي جاءت لمحاربة النظام “الإرهابي” وقطع علاقته بالقاعدة، قامت بدل ذلك بفتح الطريق أمام القاعدة لدخول العراق ولتبدأ بإخراج من واشنطن مسرحية الإرهاب الدموي الذي فتك، ولايزال، بالعراقيين.

في 17 تشرين الأول 2004، تعهد زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي بالولاء إلى زعيم تنظيم القاعدة، أسامه بن لادن، وفي مطلع عام 2004، اعترض الجيش الأميركي رسالة منه إلى بن لادن اقترح فيها إشعال حرب أهلية بين السنة والشيعة في العراق.

وبحسب (بيرغن ) فقد تمثلت استراتيجية الزرقاوي في ضرب الشيعة لينتقموا من السنّة، مطلقا بذلك دائرة من العنف لعبت فيها القاعدة دور المدافع عن السنّة. وأثبتت الاستراتيجية نجاحها البالغ بإشعال جذوة صراع طائفي تحول لاحقا لحرب أهلية.

بعد مرور ثلاث سنوات من احتلال العراق، أصبح تنظيم القاعدة أكثر قوة، فقد أظهرت تقديرات استخباراتية لقوات المارينز الأميركية، يعود تاريخها إلى 17 آب 2006، أن القاعدة هي الحاكم الفعلي على محافظة الأنبار، شرقي العراق، وهي منطقة استراتيجية مهمة حدودها متاخمة لثلاث دول عربية هي سوريا والأردن والسعودية ، بالإضافة إلى حيز كبير من الحزام المحيط ببغداد وهو ما يسمى ( مثلث الموت) الذي يمتد من شمال العاصمة مرورا بعدد من البلدات بالشمال وحتى نهر دجلة وصولا إلى الحدود السورية، وبذلك، سيطر التنظيم على مناطق أكبر وبسط قبضة حديدية على سكان المنطقة ( السنّة). إدارة بوش عملت، وبدقه، على بروز نجم القاعدة، في تناقض تام مع أهداف الحرب على العراق، وهي تدمير الملاذ الآمن للتنظيم في قلب العالم العربي.

وبحلول 2007، انقلبت العشائر السنيّة على التنظيم، وشكلت جماعات مقاتلة عرفت حينها بالصحوات، تلقى العديد منهم رواتب من واشنطن تحت برنامج سمي (أبناء العراق)، وفي الفترة ما بين 2006 و2008، تقلصت القاعدة في العراق، من تنظيم مسلح يسيطر على مناطق شاسعة، إلى مجرد تنظيم إرهابي مشتت. لكن تنظيم القاعدة لم يختفي، بل توارى، وأيقظته الحرب في سوريا ليحول نشاطه هناك تحت اسم جديد ( الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام _ داعش).

التنظيم الذي تبنى عبر قائده السابق أبو مصعب الزرقاوي سياسة ضرب السنّة بالشيعة في العراق، يبدو اليوم أكثر حنكة في السياسة، فقد نجح مؤخرا في التواصل مع المكون السنّي في نينوى وصلاح الدين والأنبار ليشكل معهم قوة طردت قوات المالكي من المحافظات السنيّة وزحفت لتصبح على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة بغداد!

ورغم أن زعماء الحراك الشعبي من قيادات الجبهة الإسلامية والوطنية في العراق يرفضون نسب ما يحدث في العراق لداعش ويصرون على أن ما يحدث هو ثورة شعبية تقوم على اساس المواطنة، إلا أن بصمة التنظيم تبدو واضحة فيما يحدث، لكن “شهر العسل” بين داعش والعشائر لن يدوم كثيرا اذا استمرت في محاولة فرض ايديولوجيتها على أبناء السنّة في العراق.

6