تركة النظام السابق تحاصر فرص الحوار بين السلطة والحراك في الجزائر

الرئيس الجزائري الجديد عبدالمجيد تبون يريد تفكيك تراكمات الحملة التي استهدفت تماسك المجتمع في بلاده.
الأحد 2019/12/15
رسائل التودد

أطلق الرئيس الجزائري الجديد عبدالمجيد تبون وعودا للشعب بفتح حوار شامل وجدي مع المتظاهرين بهدف التوصل إلى صيغة ترضي الغاضبين بالاستجابة لطلباتهم التي انتفضوا من أجلها لأشهر، لكن هذه الوعود تصطدم بتركة ثقيلة أرسلتها المنظومة السياسية القائمة منذ عقود وتدير البلاد بقبضة من حديد ويعتبرها الشعب تسعى لإعادة إنتاج أساليبها وسياساتها القديمة لكن تحت مسميات جديدة.

الجزائر - تعهد الرئيس الجزائري المنتخب عبدالمجيد تبون بفتح حوار شامل ومباشر مع الحراك الشعبي من أجل التوصل إلى حل توافقي بين جميع الأطراف يخرج البلاد من الأزمة التي تتخبط فيها.

ويعد هذا الموقف خطوة تنهي التجاهل الذي تتحصن به السلطة القائمة في تعاملها مع الأوضاع المضطربة في الجزائر خلال الأشهر الأخيرة، ووصلت إلى حد تبادل التخوين والتوصيفات المستفزة.

واعترف تبون، في أول تصريح له للرأي العام، بثقل وشرعية مطالب الحراك الشعبي والتزم بفتح حوار شامل ومباشر معه.

ويؤشر هذا الأمر إلى إمكانية الذهاب في اتجاه تجاوز خطاب السلطة والمؤسسة العسكرية خلال الأشهر الأخيرة.

ويبدو أن الحملة القوية التي شنتها السلطة من أجل إجهاض الحراك الشعبي، بوسائل دعائية وببروباغندا انطوت على العديد من المخاطر، تمس وحدة وتماسك المجتمع الجزائري، قد تركت تراكمات كثيرة في حاجة إلى تفكيك من أجل استعادة الثقة وقنوات التواصل.

سيف الإسلام بن عطية: الحراك الشعبي  مستعد فتح حوار جاد وناجع مع السلطة
سيف الإسلام بن عطية: الحراك الشعبي  مستعد لفتح حوار جاد وناجع مع السلطة

وعبر الناشط السياسي المعارض، سيف الإسلام بن عطية، عن “استعداد الحراك الشعبي لفتح حوار جاد وناجع مع السلطة، لتجسيد المطالب السياسية المشروعة التي رفعها الشارع الجزائري منذ شهر فبراير الماضي”.

ويمثل بن عطية الصوت المعتدل داخل فعاليات الشارع الجزائري بتشديده على “ضرورة العودة إلى خارطة الطريق التي أطلقتها مجموعة العشرين خلال منتصف شهر أكتوبر الماضي”، والتي تضمنت عدة شروط من أجل التتويج بحوار شامل يخرج بحل توافقي للأزمة.

لكن الهوة العميقة بين طرفي الأزمة المشتعلة في الجزائر صنعت تيارا متشددا داخل الحراك الشعبي لا يرى الحل إلا في تنحي السلطة القائمة.

وكانت الاحتجاجات الحاشدة التي عاشتها الجزائر الجمعة، تزامنا مع إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وتواتر ردود الفعل حولها وتصريحات الرئيس الجديد، أحد تجليات تصلب مواقف قطاع عريض داخل الحراك الشعبي.

وتزداد مواقف الحراك تصلبا خاصة أن السلطات الأمنية أفرطت في قمع المتظاهرين بغرب البلاد، بحسب شهود عيان تحدثوا عن استعمال الغاز المسيل للدموع والهراوات، فضلا عن اعتقال العشرات من المحتجين بمدينة وهران. وعبر هؤلاء عن رفضهم للخيار الانتخابي في الشكل المنظم من طرف السلطة، وعن عدم اعترافهم بانتخاب تبون رئيسا للبلاد

واعتبروا أن تبون مرشح المؤسسة العسكرية وواجهتها المدنية، خاصة وأن الرجل ابن النظام السياسي القائم، وتدرج في مناصب ومسؤوليات عديدة ومختلفة.

ودعا حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارضة إلى فتح “حوار جاد عبر تهيئة جو من التهدئة مواتٍ للتشاور والحوار، يبدأ بإطلاق سراح معتقلي وسجناء الرأي واحترام حريات التعبير والتظاهر والاجتماع”.

ويجمع المعارضون السياسيون في الجزائر، سواء كانوا أحزابا أو شخصيات مستقلة، على ضرورة قيام السلطة بجملة من إجراءات التهدئة لاستعادة الثقة بين الطرفين، وعدم توظيف الحوار كمناورة سياسية لتمرير أجندتها كما حدث مع الحوار الفاشل المنظم من طرف الدبلوماسيين لخضر الابراهيمي ورمطان لعمامرة، وبعدهما من طرف لجنة البرلماني السابق كريم يونس.

وتأتي مطالب إطلاق سراح سجناء الرأي ورفع اليد عن حريات التعبير والتظاهر والتنقل ووقف خطاب التخوين والاستفزاز للمعارضة في صدارة اللائحة التي عبرت أكثر من جهة عن تبنيها وجعلها شرطا لفتح حوار مباشر مع السلطة وعدم تعويمه عبر تضمينه لمن يصفونهم بـ”الانتهازيين والموالين للسلطة”.

وجاء بيان جبهة القوى الاشتراكية، الصادر السبت، في صميم هذا الموقف حيث أكد “التبني المشترك لجدول الأعمال واختيار المشاركين والطبيعة السيادية والشفافة للحوار، والاعتماد -بالإجماع- على برنامج الخروج من الأزمة، والتزام الأطراف المشاركة فيه بتنفيذه في المواعيد المحددة”.

الهوة العميقة بين طرفي الأزمة المشتعلة منذ أشهر في الجزائر صنعت تيارا متشددا داخل الحراك الشعبي لا يرى الحل إلا في تنحي السلطة
الهوة العميقة بين طرفي الأزمة المشتعلة منذ أشهر في الجزائر صنعت تيارا متشددا داخل الحراك الشعبي لا يرى الحل إلا في تنحي السلطة

وحذر حزب جبهة القوى الاشتراكية مجددا من ”تنظيم أي حوار مزيف تحت رعاية السلطة في مؤتمر غير سيادي يهدف إلى المصادقة على خارطة طريق محددة سلفا مع جدول أعمال مثبت من قبل، مع مشاركين على مقاس مِن اختيارها”.

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن ممارسات السلطة طيلة الأشهر الماضية وخطابها الاستفزازي المتجاهل لحراك الشارع الجزائري، أفضيا إلى تنظيم انتخابات رئاسية قاطعها أغلب الجزائريين.

ويقول هؤلاء إن السلطة في الجزائر الآن أمام حقائق جديدة تحاول من خلالها تدارك الوضع المتأزم، لكن العقبة الأولى أمامها ستكون ما صنعته خطابات التشدد والاستفزاز والقمع خلال الأشهر الماضية، والذي ساهم في رفع سقف المخاوف والشروط لدى الطرف الآخر للانخراط في الحوار السياسي.

ويبقى الوضع الداخلي المتوتر أكبر التحديات التي تواجه الوافد الجديد إلى قصر المرادية، لاسيما استعادة قنوات التواصل مع منطقة القبائل التي امتنعت عن التصويت تماما في الاستحقاق الرئاسي، وتحولت إلى قنبلة سياسية موقوتة بسبب تركيز خطاب التخوين والعمالة عليها، وهو ما اضطر عبدالمجيد تبون إلى إطلاق رسائل تودد في تصريحه الأول لوسائل الاعلام.

2