تركة ثقيلة

الأحد 2015/05/17

تفتّحت عيناي للدنيا على جملة خالدة “التركة ثقيلة”.. رددها كل مسؤول أو وزير أو محافظ منذ 1952 وحتى الآن.. أيام عبدالناصر أقنعنا رجاله أنهم يفعلون الأعاجيب لعلاج ما خلفته الملكية من الفقر والجهل والمرض.. وتولى السادات وتشدق مسؤولوه بنفس لبانة “التركة الثقيلة” زاعمين أن الناصرية فشلت اقتصاديا وعسكريا ولحقتنا هزيمة قاسية عام 1967 من إسرائيل وترك “الزعيم” الخزانة خاوية.

بعد حرب أكتوبر 1973 وتحقيق السلام بين القاهرة وتل أبيب اكتفى السادات بألقاب “الرئيس المؤمن” و”بطل الحرب والسلام”.. كان يغضب ممن يشكو من تدني الخدمات وارتفاع الأسعار والبيروقراطية ويكرر “التركة ثقيلة” ألا يكفى أننا حاربنا وحققنا السلام؟ جاء مبارك وعمل بهمة في البداية وأنقذ شبكة التليفونات والمجاري ودخل البرلمان 115 نائبا معارضا في أول وآخر انتخابات نزيهة في عهده.. وبدأ يردد مثل سابقيه “التركة ثقيلة” لأن المصريين يتوالدون كالأرانب. ثم إنهال علينا رجاله بأننا السبب في التخلف والجهل والأمراض وغيرها من الأمراض الاجتماعية التي تجذرت طوال 30 عاما.

قامت ثورة يناير 2011 وتولى المشير طنطاوي الحكم وأضاع في عام واحد 36 مليار دولار تركها مبارك قائلا “التركة ثقيلة والفساد نهب البلد”.. الفاسد ترك مليارات.. والطاهر أضاعها.. وركب الإخوان الثورة والحكم وقالوا “التركة ثقيلة”.. اصبروا علينا”.. وبددوا ثروات مصر.. ولم تتغير الجملة مع حكومة “السيسي” التي تؤكد في كل محفل ومجال “التركة ثقيلة”.

المسؤولون على مر العصور يبررون فشلهم بهذه الجملة.. وأنهم لا حول الله عاجزون عن التصرف بسببها.. لم أصادف مسؤولا مصريا على مدار 65 عاما قال ولو بالصدفة أنه ورث تركة خفيفة.

ولأن التركة ثقيلة فهم لا يعملون ولا يبتكرون ولا يحاسبهم أحد فهم ملائكة منزهون ابتلاهم الله بشعب نمرود لا يقدر حجم “التركة”.. لذلك هداني عقلي الشيطاني إلى فكرة أتمنى تطبيقها مع كل وزير أو مسؤول يتولى منصبه.. وهي أن نعين له مساعدا ليحمل معه التركة الثقيلة.. فإذا زاد وزن “التركة” في عهدهما الميمون أصبح حتما علينا إعلان فشلهما وأنهما زادا الأمور سوءا.. أما إذا خف وزنها فلا بد أن نقدم لهما وساما جديدا يتم اختراعه لأول مرة وهي ميدالية “التركة الخفيفة” ونضع اسمهما وصورتهما في مدخل الوزارة أو الهيئة أو المحافظة..

ومن ثمة يتولى أي مسؤول بعدهما منصبه “على نظافة” وإذا قال إن التركة ثقيلة مرة أخرى عليه أن يحملها في حلّه وترحاله وينام ويستيقظ بها مثل “سيزيف” الذي عاقبته الآلهة بأن جعلته يدفع صخرة لأعلى الجبل ثم تسقط ويدفعها من جديد.. ساعتها ستختفى هذه الكلمة المستفزة من قاموسنا السياسي.

24