تركة ثقيلة تُصَعّب مهام الحكومة المصرية الجديدة

تجد الحكومة المصرية الجديدة برئاسة شريف إسماعيل نفسها أمام جملة من الأولويات العاجلة، في ظرف يتسم بتفشي الإرهاب وارتفاع سقف التحديات، مما يستوجب منها المُضي قدما في تحمل مسؤولياتها كاملة في هذه الفترة الحساسة، خاصة أنه منوط بعهدتها التحضير لإجراء الانتخابات التشريعية المقبلة بشكل شفاف وديمقراطي على أتم وجه، بغضّ النظر عن ثقل تركة سابقتها وفرضية بقائها بعد إجراء الانتخابات من عدمها، وفق دراسة للباحث إبراهيم منشاوي صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات.
الاثنين 2015/09/21
تغييرات واسعة شملت تشكيل الحكومة الجديدة خاصة بالنسبة إلى الوزراء الذين كثر حولهم الجدل في الآونة الأخيرة

القاهرة - تقدّمت حكومة رئيس الوزراء المصري السابق إبراهيم محلب باستقالتها للرئيس عبدالفتاح السيسي، منذ أيام، عقب قضية الفساد الشهيرة في الأيام القليلة الماضية، والتي طالت وزير الزراعة المصري، حتى تفسح المجال واسعا أمام حكومة جديدة برئاسة شريف إسماعيل، أدّى وزراؤها اليمين الدستورية، السبت الماضي، أمام رئيس الجمهورية في قصر الاتحادية.

وفي التشكيل الجديد للحكومة، تم الإبقاء على 17 وزيرا وتغيير 16 وزيرا، فيما تم دمج 6 وزارات في ثلاث لتصبح 33 حقيبة بدلا من 36 حقيبة.

ويوحي ذلك بأنّ تشكيل الحكومة الجديدة قد شهد تغيرات واسعة، خاصة بالنسبة إلى الوزراء الذين كثر حولهم الجدل في الآونة الأخيرة. وبصرف النظر عن دمج أو استحداث وزارات جديدة في حكومة شريف إسماعيل، يبقى هناك عدد من الأولويات والتحديات أمام عمل هذه الحكومة أبرزها التحدي الإرهابي والفساد، وكذلك هناك قضية أخرى ترتبط بعمل الحكومة وهي تلك المتعلقة بموضوع مدى إمكانية استمرارها بعد الانتخابات البرلمانية القادمة.

أولويات عاجلة

نظرا إلى الآمال العريضة التي يعلقها المصريون على نظام عبدالفتاح السيسي، يبدو أنّ مهمة الحكومة الجديدة ستكون صعبة بجميع المقاييس خاصة أنها مطالبة بالعمل على تحقيق مجموعة من الأولويات العاجلة من أجل دفع عجلة الاقتصاد الوطني إلى الأمام، وتوفير الحياة الكريمة للمواطن، حتى يتسنى تحقيق التقدم المنشود، وإعادة مصر إلى وضعها الطبيعي مرة أخرى على المستويين الإقليمي والدولي، وتتمثل جملة هذه الأولويات في:

* أولا إنجاز المشاريع القومية، فقد تبنت الدولة المصرية مجموعة من المشاريع القومية العملاقة عقب وصول السيسي إلى سدّة الحكم من أجل التغلب على التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، مثل مشروع قناة السويس الجديدة، ومشروع الاستصلاح الزراعي الذي سيشمل مليون ونصف المليون فدان، وغيرها من المشاريع الأخرى.

تشكيل وزاري جديد مهمته الأساسية الاستجابة لتطلعات المصريين وإعادة مصر إلى وضعها الطبيعي إقليميا ودوليا
ولا شك أن تلك المشاريع تحتاج إلى تضافر كل الجهود من أجل إنجاحها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعصف بالمنطقة، والتحولات الكبرى في هيكل موازين القوى على المستوى العالمي والإقليمي. كما أنّ هناك بعض المشاريع التي تواجه صعوبات في تنفيذها مثل العاصمة الإدارية الجديدة، نتيجة لوجود بعض الغموض في التفاوض مع المستثمر الرئيسي في المشروع، محمد العبار.
ولكل ذلك فإنّ الحكومة الجديدة تجد نفسها مطالبة بأن تضع برنامجا قويا وسريعا وفعالا من أجل العمل على إنجاز تلك المشاريع في مداها الزمني المحدد.

* ثانيا الإعداد لاستكمال استحقاقات خارطة الطريق، وهي تلك المتعلقة بإجراء الانتخابات البرلمانية، فمصر مقبلة على إجراء الاستحقاق الثالث لخارطة الطريق المعلن عنها في 3 يوليو 2013، وهي الانتخابات البرلمانية، والتي من المقرر إجراؤها في الفترة الممتدّة ما بين 17 أكتوبر وحتى 2 ديسمبر 2015، وفق ما أعلنت عنه اللجنة العليا للانتخابات. وهو ما يقتضي من الحكومة الجديدة توفير عدد من الترتيبات اللوجستية المهمة لضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها، وتوفير عامل الأمن والأمان للمواطنين المشاركين في الاقتراع.

وهذا الأمر يتطلب بالضرورة العمل على تحقيق الإشراف القضائي الكامل على كل اللجان الانتخابية، والتأمين القوي لهذه اللجان بقوات مشتركة من الشرطة المصرية والقوات المسلحة، لإخراج تلك العملية إلى بر الأمان، والحفاظ على صورة الدولة المصرية أمام كل دول العالم.
تشكيلة الحكومة المصرية الجديدة
القاهرة - أدت الحكومة المصرية الجديدة، التي يقودها رئيس الوزراء الجديد شريف إسماعيل، اليمين الدستورية، السبت، أمام الرئيس عبدالفتاح السيسي في قصر الاتحادية الرئاسي شرقي القاهرة.

وأبقى رئيس الحكومة على وزراء الحقائب السيادية دون تغيير، فيما استحدث وزارة جديدة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، وتم دمج وزارة البحث العلمي مع التعليم العالي، ووزارة التعليم الفني مع التربية والتعليم، والسكان مع الصحة.

وفي ما يلي تشكيلة الحكومة التي تضم 33 وزيرا من بينهم 16 وزيرا جديدا:

*رئيس الوزراء: شريف إسماعيل.

* وزير الدفاع والإنتاج الحربي: صدقي صبحي.

* وزير الداخلية: اللواء مجدي عبدالغفار.

* وزير الخارجية: سامح شكري.

* وزير المالية: هاني قدري يوسف دميان.

* وزير العدل: أحمد الزند.

*وزير التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري: أشرف العربي.

* وزير الاستثمار: أشرف عبدالتواب سلمان.

* وزير الآثار: ممدوح الدماطي.

* وزير التموين: خالد محمد حنفي محمود.

* وزير الأوقاف: محمد مختار جمعة.

* وزير الشباب والرياضة: خالد محمود عبدالعزيز.

* وزير الري: حسام محمد مغازي.

* وزير الكهرباء والطاقة المتجددة: محمد حامد شاكر.

* وزير الطيران المدني: محمد حسام الدين.

* وزيرة التضامن الاجتماعي: غادة فتحي إسماعيل والي.

* وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية: مصطفى كمال مدبولي.

* وزير البيئة: خالد فهمي.

* وزيرة التعاون الدولي: سحر نصر (جديدة).

*وزير السياحة: هشام زعزوع (جديد).

* وزير البترول: المهندس طارق عبدالقادر الملا (جديد).

* وزير التجارة والصناعة: طارق قبيل (جديد).

*وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات: ياسر سيد القاضي (جديد).

* وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب: مجدي العجاتي (جديد).

* وزير الصحة والسكان: أحمد عمادالدين راضي (جديد).

* وزير التربية والتعليم والتعلم الفني: الهلالي الشربيني هلالي (جديد).

* وزير التعليم العالي والبحث العلمي: أشرف الشيحي (جديد).

* وزير الثقافة: حلمي النمنم (جديد).

* وزير النقل: سعد الجيوشي (جديد).

*وزير الزراعة واستصلاح الأراضي: عثمان فايد (جديد).

* وزير الدولة للإنتاج الحربي: اللواء محمد العصار (جديد).

* وزير القوى العاملة: جمال سرور (جديد).

* وزير التنمية المحلية: أحمد زكي بدر (جديد).

* وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج (وزارة جديدة): نبيلة مكرم عبد الشهيد (جديدة).

* ثالثا مواجهة موجة ارتفاع الأسعار: فالمواطن المصري يعاني من موجة شديدة في ارتفاع الأسعار منذ رمضان الماضي، فقد بلغ معدل التضخم في شهر أغسطس الماضي وفقا لما أعلن عنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 7.9 بالمئة، واستمر ارتفاع الأسعار على الرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السابقة مثل التسعير الجبري، وفتح منافذ لبيع السلع بأسعار مخفضة لإجبار التجار على تخفيض الأسعار.

لذلك وجب على الحكومة الجديدة العمل على اتخاذ بعض الخطوات في سبيل خفض أسعار السلع.

*رابعا الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطن، ويتمّ ذلك من خلال تطوير الجهاز الإداري بالدولة ورفع كفاءته، حيث أنّ هذا الجهاز بات يعاني من العديد من المشكلات التي تعيق تحقيق الكفاءة المطلوبة في عمله، ومنها على سبيل المثال التضخم الكبير في حجم الجهاز الإداري حتى وصل عدد الموظفين إلى 6.5 مليون موظف، وانتشار الفساد والرشوة والمحسوبية.

وقد اتضحت هذه العيوب في عدد من القضايا التي أثارت الرأي العام في الأشهر الأخيرة مثل قضية إصلاح التعليم والمرتبطة بقضية صاحبة صفر الثانوية العامة، وقضايا الرشوة في وزارة الزراعة، وقضية اللحوم الفاسدة نتيجة لغياب الرقابة الفاعلة. وترتبط بهذه النقطة أيضا كيفية العمل على تهيئة المناخ الملتهب لتطبيق قانون الخدمة المدنية الجديد، وهي كلها ملفات مهمة يجب أن تعمل عليها الحكومة الجديدة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حجم الرواتب التي تدفع لموظفي الدولة تشكل 26 بالمئة من حجم الإنفاق العام في مصر.

تحديات ملحة

تجابه الحكومة المصرية الجديدة، بالإضافة إلى الأولويات العاجلة المطروحة عليها، جملة من التحديات الملحة التي يجب أن تأخذها في الاعتبار عند البداية في عملها، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب وضرورة العمل على مواجهة الفساد، وخلق البيئة المواتية لجذب الاستثمار الأجنبي.

وهذا بالطبع يتطلب وضع إستراتيجية شاملة من أجل خلق وضع أفضل للاقتصاد المصري تتفرع إلى ثلاثة فروع رئيسية هي التالية:

* أولا مكافحة الإرهاب: وهو العائق والتحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة الجديدة، ولعل ما اتخذته الحكومة السابقة من إجراءات في هذا الإطار لمواجهته، مثل إصدار قانون مكافحة الإرهاب، هو خطوات هامة ولكن يجب على الحكومة الجديدة أن تبني عليها، خاصة في ظل توتر الأوضاع في المنطقة بدرجة مقلقة. ولذلك فإنّ الحكومة مطالبة بأن تتصدي للعناصر الإجرامية من خلال تكثيف العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة والشرطة المصرية لمواجهة هذه الآفة، مع ضرورة العمل على تبني رؤية اقتصادية واجتماعية وثقافية، إلى جانب المواجهة الأمنية للتصدي لهذا الخطر الداهم الذي لا يهدد فقط حياة المواطن، بل يهدد أركان الدولة بأكملها.

* ثانيا مواجهة الفساد: وهو من القضايا الشائكة التي تواجه عمل الحكومة الجديدة، فالدولة المصرية تعاني من مشكلة الفساد منذ زمن طويل نتيجة لترسخ مجموعة من العوامل، وشيوع ثقافة الفساد داخل المؤسسات المصرية الحكومية.

وقد تعددت أسباب تلك الظاهرة مثل عدم فاعلية المشاركة السياسية، وجمود الجهاز البيروقراطي، ووجود خلل كبير في نظام الأجور والرواتب، مع اختلال سلم القيم الاجتماعية ووجود ثقافة اجتماعية مؤيدة ومروجة لتلك الظاهرة.
ولمكافحة الفساد في مصر لا بد من توافر إرادة سياسية حقيقية وغير مشروطة، وكذلك تحقيق التناسق والاستقرار التشريعي والعمل على إنفاذ القانون.
ولذلك فإن العمل على تقوية المؤسسات المسؤولة عن محاربة الفساد، هو أمر لا غنى عنه مع ضرورة تحقيق استقلالية تلك المؤسسات، بالإضافة إلى تبنى مجموعة من المبادئ المهمة والفاعلة في هذا المجال مثل مبادئ حكم القانون، الحكم الجيد، الشفافية والنزاهة. وكذلك وضع إستراتيجية شاملة لمحاربة الفساد ترتكز على مجموعة من المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.

* ثالثا العمل على خفض عجز الموازنة العامة للدولة: وهو من أهم الملفات الاقتصادية العاجلة للحكومة، وهنا يمكن البناء على الإجراءات السابقة التي اتخذتها حكومة إبراهيم محلب، مثل تخفيض الدعم الموجه إلى قطاع الطاقة، وبعض الإجراءات الخاصة المتعلقة بمنظومة الضرائب، والإصلاحات التشريعية لتهيئة مناخ الاستثمار، وكان منها قانون الاستثمار الموحد، بالإضافة إلى إقامة عدد من المشاريع القومية لتشجيع الاستثمار الأجنبي.

حيث يبلغ عجز الموازنة نحو 251 مليار جنيه أو ما يعادل 8.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويتطلب العمل على خفض عجز الموازنة العامة ضرورة تطبيق سياسة مالية منضبطة وتوجيه الإنفاق بما يحقق أكبر فاعلية وأفضل عائد للمجتمع، وتحديث المنظومة الضريبية للقضاء على عمليات التهرب، ووقف تفاقم الدين العام، وتحقيق رقابة فعالة على الأسواق من أجل تقليل معدلات التضخم.
دفع عجلة الاقتصاد الوطني وتوفير الحياة الكريمة للمواطن أساسان لنجاح عمل الحكومة الجديدة

مستقبل الحكومة الجديدة

بالتوازي مع جملة الأولويات والتحديات الجاثمة أمام الحكومة المصرية الجديدة، مازال هنالك سؤال يشغل الرأي العام المصري، يتعلق بمدى استمرارية عمل هذه الحكومة عقب إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة.

ويبدو أنّ استمرار الحكومة يتوقف على تجديد الثقة فيها من قبل الرئيس عبدالفتاح السيسي، وقيام رئيس الحكومة بعرض برنامجه على البرلمان المقبل، للحصول على ثقة أغلبية أعضاء المجلس، ممّا يعني أن عمر هذه الحكومة قد يكون قصيرا إذا لم تحصل على ثقة أغلبية أعضاء البرلمان، وهو ما يستوجب تشكيل حكومة أخرى من خلال تكليف رئيس الجمهورية رئيسا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب، وهو ما أشارت إليه المادة الـ146 من الدستور المصري الحالي.

ويعني هذا النص الدستوري أنّ البرلمان القادم سيكون له نصيب وتدخّل في تشكيل الحكومة، مما قد يتعذر معه استمرار حكومة شريف إسماعيل، بعد إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة، خاصة أنها تعتبر بمثابة حكومة انتقالية من المتوقع تقديم استقالتها بعد انتخاب البرلمان القادم، إذ لم يجدد الرئيس الثقة فيها وتحظى أيضا بموافقة أغلبية أعضاء البرلمان.

خلاصة القول، يبدو أنّ الحكومة المصرية الجديدة برئاسة شريف إسماعيل، تجد نفسها أمام تركة ثقيلة من الأولويات والتحديات التي خلفتها من سابقتها، وهو ما يضعها أمام مسؤولية كبيرة لا خيار أمامها سوى أن تتحملها وأن تنجزها على أفضل وجه سواء كانت ضامنة لبقائها بعد الانتخابات البرلمانية القادمة، أو غير ضامنة لذلك.

اقرا أيضا:

الحكومة المصرية الجديدة تثير جدلا على تويتر

6