تركسيل مجرد نموذج لديون الشركات التركية المتعثرة

حكومة أنقرة تضع القانون جانبا وتستحوذ على الشركات، وإدارة أردوغان تحاول إخفاء تعثر كبرى الشركات التركية.
الثلاثاء 2019/03/19
أنقرة تتسلل إلى إدارة تركسيل لإخفاء متاعب ديونها

تختزل أزمة شركة تركسيل للاتصالات حالة عامة تمتد إلى معظم الشركات التركية، التي ترزح تحت جبال الديون بسبب انحدار قيمة الليرة وانتشار مواطن الخلل الكبيرة في جميع أنحاء الاقتصاد، حيث تضع الحكومة القانون جانبا للاستحواذ على إدارة الشركات وإخفاء تعثر معظم الشركات الكبرى.

في حالة تركسيل، فقد رجل الأعمال التركي محمد أمين كارا محمد، صاحب مجموعة تشوكوروفا، وهو أكبر أثرياء تركيا بثروة تصل إلى 20 مليار دولار، كامل حقوقه في إدارتها، رغم أنه أحد أهم مؤسسيها.

وحصل كارا محمد على قرض من بنك “زراعت” في عام 2014 بفترة سداد 10 سنوات مع إعفاء للسنوات الثلاث الأولى منها، من أجل سداد ديونه لمجموعة ألفا الروسية، لكن تعثَر في سداد أقساط القرض، ما أدى إلى استحواذ البنك على حق تمثيل تركسيل، الذي لا يمنح إلا لشخص واحد في مجلس الإدارة.

وقد حل محله حسين أيدن المدير العام لبنك “زراعت” ويتولى إدارة تركسيل بالنيابة عن مجموعة تشوكوروفا التي تملك الحصة الكبرى في تركسيل.

ويسعى من خلال ذلك لتحصيل 1.6 مليار دولار متأخرات أقساط لم يتم سدادها منذ ما يقرب من عامين، حيث كان عقد القرض ينص على بدء تسديد الأقساط في بداية عام 2017.

وكانت مجموعة تشوكوروفا قد وضعت أسهمها في شركة تركسيل وشركة جينل انرجي، التي تعمل في استخراج النفط في شمال العراق كضمانات للبنك من أجل الحصول على القرض.

وفي أعقاب أزمة ديون تركسيل أصبح 5 أعضاء من أصل 7 هم إجمالي أعضاء مجلس الإدارة، من الموالين لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى جانب 3 أعضاء آخرين يمثلون هيئة البورصة التركية.

وكان المساهمون الباقون وأصحاب رأس المال الرئيسيون للشركة، وهم شركة تلياسونيرا السويدية ومجموعة ألفا الروسية ومجموعة تشوكوروفا، ممثلين بمقعد واحد لكل منهم، لكن التغييرات الأخيرة جعلت الحكومة تهيمن على الشركة.

ورغم أن دخول المدير العام لبنك “زراعت” إلى مجلس إدارة تركسيل كممثل لجهة دائنة، في وضع مشابه تماماً لما حدث من قبل مع شركة ترك تليكوم، عملاق الاتصالات في تركيا، فإن مصير القرض الذي منحه البنك وقدرة تركسيل على السداد لا يزالان مجهولَيْن.

ويمثل القرض البالغ 1.6 مليار دولار أحد أكبر القروض التي قدمها بنك واحد حتى الآن لمقترض واحد. وتم إدراج ذلك القرض، من الناحية الفنية، تحت بند القروض غير القياسية، التي تخضع “للمتابعة الدقيقة” منذ أكتوبر 2017.

5 أعضاء من أصل 7 هم أعضاء مجلس الإدارة أصبحوا من الموالين لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان

ورغم انقطاع الشركة المقترضة عن سداد الأقساط المستحقة لمدة تزيد عن عامين، وهو الأمر الذي كان يقتضي أن يتم تصنيف هذا القرض ضمن “القروض المتعثرة”، إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي بيان من بنك “زراعت” بشأن اعتبار القرض متعثرا.

ويعتبر ذاك الإجراء ضروريا من الناحية القانونية لكي يبدأ البنك باتخاذ إجراءات وضع اليد على الأصول التي قدمتها الشركة كضمانات للقرض في بادئ الأمر.

من ناحية أخرى، لم تتضمن تفاصيل الميزانية العمومية للبنك، التي تعتمد في الأساس على تقرير المراجع العام في البنك، أية إشارة إلى هذا الموضوع من قريب أو من بعيد.

ومع ذلك، فإن البنوك الخاصة، التي سبق أن واجهت مخاطر مماثلة بخصوص قرض بقيمة 4.5 مليار دولار حصلت عليه شركة ترك تليكوم، كانت تنشر بياناتها حول مصير القرض، استناداً إلى تقارير المراجع العام لديها.

ورغم أن موقف البنك من ذلك القرض لا يزال غامضا بشأن اعتباره قرضا متعثرا، إلا أنه حدث هنا أمر مختلف! حيث يشير بيان ميزانية البنك الأخير إلى أن بنك “زراعت” من أقل البنوك في تركيا معاناة من القروض المتعثرة.

وتؤكد البيانات الصادرة عن البنك أن نسبة القروض المتعثرة لديه أقل من نظيرتها لدى بنك “دنيز بنك”، الذي لا يتعدى حجم تعاملاته ثلث تعاملات بنك “زراعت” مما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول ما إذا كان البنك قد تحرى الشفافية في البيان الذي أصدره أم لا.

إلى جانب ذلك أشار تقرير لوكالة رويترز الأسبوع الماضي إلى أن مجموعة تشوكوروفا لن يكون بمقدورها هذا العام أيضا سداد الأقساط التي تعثرت في سدادها منذ عام 2017.

ومن الواضح أيضا أن الدفعة الثالثة من القرض، التي يستحق سدادها في يوليو من العام الحالي، لن يتم سدادها هي الأخرى. وتشير البيانات إلى أن مجموعة تشوكوروفا لم تقم بسداد أي أقساط عدا الفوائد السنوية للقرض.

وهذا يعني أنها لم تقم بسداد أي مبالغ من أصل مبلغ القرض الذي من المفترض أن تبدأ في سداده منذ بداية 2017. وغي المقابل ترددت أنباء حول طلب مجموعة تشوكوروفا الدخول في مفاوضات مع المسؤولين في بنك “زراعت” من أجل إعادة هيكلة الديون المستحقة عليها.

وفي الوقت الذي التزم فيه بنك “زراعت” الصمت حيال هذه المسألة، نجد أنه سيتحول إلى شريك رسمي في شركة تركسيل، في حالة عدم التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة هيكلة الديون المستحقة على مجموعة تشوكوروفا.

وهناك حالات أخرى مشابهة تم خلالها استحواذ بنوك “غرانتي” و”أق بنك” و”إيش بنك” على أسهم شركة ترك تليكوم في إطار خصخصة الشركة بسبب قرض بقيمة 4.5 مليار دولار تعثرت في سداد أقساطه أيضا، لتتربع بذلك البنوك على عرش أكبر شركة اتصالات في تركيا.

10