تركيا، إيران وروسيا: كل يخبئ خنجره وراء ظهره للآخر

السبت 2015/08/22
حسابات سياسية معقدة تدار على حساب معاناة السوريين

واشنطن- يكشف تقرير صادر عن مجموعة الشرق الاستشارية أن طهران تحاول إنقاذ بشار الأسد من خلال السيرك الدبلوماسي الروسي. وقد أطلق عليه السعوديون تسمية سيرك بعد أن رفضوا اقتراح موسكو بعقد اجتماع مع الإيرانيين للتنسيق في سياسات مكافحة الإرهاب. وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا مفاده هل كان الروس سذجا، أم أنهم يسعون إلى أمر آخر؟

وقد كان هناك اجتماع ثلاثي في نهاية يوليو الماضي جمع بين السعوديين والسوريين والروس، لحقه تسريب من طرف السوريين لأنباء ذاك الاجتماع بغاية خرق اتفاقهم مع موسكو والرياض، لكن على الرغم من ذلك واصل الكرملين سعيه لكي يجلس ثلاثتهم ،الروس والسعوديون والإيرانيون، إلى طاولة واحدة رغم الرفض السعودي القاطع.

الثابت، وفق تقرير مجموعة الشرق، أنّ الروس ليسوا سذجا. بل إنّ جهودهم تتنزل في إطار رد الجميل إلى حليفتهم إيران التي لم تقف بدورها عند تلك الخطوة، حيث يستعد جواد ظريف، الذي يقابل شخصية دارتانيان في قصة الفرسان الثلاثة، الشهر المقبل للذهاب إلى الأمم المتحدة محمّلا باقتراح ينقذ صديقه الأسد من السقوط. وأعلنت إيران أن ظريف يعتزم تقديم مشروع مقترح يحتوي على عناصر أساسية من شأنها توفير حل سياسي للأمم المتحدة خلال الشهر المقبل، تتكون الخطة من أربع نقاط هي: أولا الوقف الفوري لإطلاق النار، ثانيا تشكيل حكومة وحدة وطنية، ثالثا كتابة الدستور الجديد يحمي الأقليات ورابعا إجراء انتخابات عامة تحت إشراف الأمم المتحدة.

ومع ذلك، تظل الألغام قائمة حول مستقبل الأسد، فالدعوة المشروعة للسماح لجميع السوريين لتقرير حكومتهم المستقبلية تؤدي إلى نسيان دعوة مشروعة أخرى تقضي بمثول الذين ارتكبوا جرائم حرب، بدءا من الأسد ومساعديه، أمام العدالة.

الألغام تظل قائمة حول مستقبل الأسد، فالدعوة المشروعة للسماح لجميع السوريين لتقرير حكومتهم المستقبلية تؤدي إلى نسيان دعوة مشروعة أخرى

وهنا يبرز أنّ الهدف الروسي غير المعلن هو “ملء الفراغ” ببعض الجعجعة الدبلوماسية، حيث أنه عندما يحين وقت التقدم الحقيقي سوف يتم فتح المسار. لكنهم سوف يبيعون جهدهم بشكل مختلف للإيرانيين. وبالنسبة لموسكو، حان الوقت لتثبت بأن إيران ما بعد العقوبات لديها أصدقاء يمكن الاعتماد عليهم في الكرملين، وأكثر وثوقا من العواصم الغربية المتلهفة لتحقيق مكاسب من طهران. ويعتبر هذا استثمارا جيدا اقتصاديا واستراتيجيا، ولكن الأصدقاء الموثوقين نادرا ما يكونون قادرين على تغيير الحقائق.

وبما أن الموقف الروسي يسعى إلى تحديد التطورات المستمرة على الساحة السورية، إلا أنّ هنالك طرفا آخر غير بعيد يرزح تحت مطرقة هذه الحرب بشكل مباشر وهم الأتراك، وبذلك أضحت الأزمة في سوريا تتطور تدريجيا بطريقة تفرض على الأطراف المعنية تحديد مواقفهم بمزيد من الوضوح.

في الوقت الذي تبدو فيه مبادرة موسكو لا معنى لها، وسوف يتم الضرب بها عرض الحائط، يتضح أن الأتراك لهم حسابات مختلفة، حيث أنهم ساروا في طريق معاكس لما كان متوقعا، حيث كان هناك اعتقاد سائد بأن أردوغان سوف يتردد بين العرب والإيرانيين بعد رفع العقوبات عن طهران وتحت إغراء من الصفقات التجارية مع إيران، إلاّ أنه لم يفعل ذلك.

والأمر الذي دفع أردوغان لتغيير اللعبة هو حصوله على موافقة الولايات المتحدة لتدخل تركيا عسكريا في شمال سوريا. ويبدو أن أردوغان يعتقد أن الإيرانيين في النهاية سوف يهزمون في سوريا وسوف يلعقون جراحهم. ولذلك فبالنسبة للأتراك، هناك تهديدات وشيكة، وخاصة توسع حزب العمال الكردستاني قرب حدودهم، وهو أمر بالغ الأهمية خاصة إذا ما تم دفع الأسد نحو السيطرة على جيب في غرب البلاد، أو ربما التخلي عنه والحفاظ على وحدة سوريا، ولذلك فإن الانقسام بين طهران وأنقرة آخذ في الاتساع.

من خلال نظرة شاملة على المشهد، يبدو من الواضح أن كلا من إيران وتركيا يتنافسان الآن من أجل التأثير على منطقة الشرق الأوسط

ومن خلال نظرة شاملة على المشهد، يبدو من الواضح أن كلا من إيران وتركيا يتنافسان الآن من أجل التأثير على منطقة الشرق الأوسط، فالأتراك يشعرون بأن رياح التغيير تسير لصالحهم، وحسابات أردوغان تكشف أن تركيا هي في وضع أفضل كي تكون وسيطا مدافعا عن العالم السني على الأقل حتى تتم تسوية النزاع. ولذلك قرر أن يجرب حظه في الجمع بين هذين الهدفين، على المدى القصير وهما ملاحقة حزب العمال الكردستاني والحصول على منطقة آمنة في سوريا والعمل لصالح العرب، ومراعاة الشروخ في علاقاته مع طهران في مرحلة لاحقة.

لكن وبما أنّ كل شيء سيتم اختزاله في ما ستؤول إليه الأمور على الساحة السورية، هنا، يبدو الفارس الثالث في القصة، وهو بشار الأسد عاريا تماما وقد بدأ يتهاوى والجميع يعلم ذلك، فظريف مستعد للمتاجرة برفيقه السابق في سبيل تحقيق مكاسب إستراتيجية محددة في سوريا ما بعد الأسد. ولكن لا يوجد مشترون لما يعرضه، حيث أن العرب يصرون على أن إيران يجب أن تغادر سوريا سواء بقي الأسد أو سقط.

ويبدو أنّ الفارس الثالث مستعد إلى التوجه إلى القطاع الغربي من البلاد، لكن ذلك لن يساعده كثيرا، حيث أن السوريين سوف يطاردونه أينما ذهب. وعندما يصبح أمر سقوط الأسد وشيكا، لا شك أنّ الإيرانيين سوف يجلسون إلى طاولة المفاوضات، بطبيعة الحال محاطين بأنصارهم الروس، لإجراء محادثات مع الفارس الآخر، رجب الطيب أردوغان، الذي يبدو أنه لم يعد في عجلة من أمره، خاصة أنه ليس هو من يقبع في الزاوية إلى حين.
7