تركيا أردوغان.. عبء كبير

لم يتحدث أي سياسي من المعارضة تقريبا ضد الخط الذي يُرَوّج له في الشارع التركي، فقد انضم معظمهم إلى مناخ العصبية القومية. وقضى هذا على أي أمل في بديل سياسي وعزز موقف أردوغان ونظامه الشمولي.
الجمعة 2019/10/18
أردوغان عزز نظامه الشمولي

أطلق الجيش التركي وحلفاؤه الجهاديون هجوما عسكريا على مناطق مأهولة بالأكراد في شمالي سوريا. هؤلاء الجهاديون، الذين يُطلق عليهم اسم “الجيش الوطني السوري”، يحصلون على المال من تركيا ويرتدون زيّا موحدا توفره لهم السلطات التركية. ويعتبر هؤلاء الرئيس رجب طيب أردوغان زعيما روحيّا.

خلال أيام قليلة، ارتكب هؤلاء جرائم حرب موثّقة ضد مدنيين عُزّل وأَسرى.

بالنسبة للمعتدين، فإن قوانين الحرب لا تنطبق في هذه الحالة، لأن تركيا ترى من وجهة نظرها أنها تُنفّذ عملية لمواجهة الإرهاب. ومن المرجّح تنفيذ المزيد من الإعدامات خارج إطار القانون بحق مدنيين عُزّل وأسرى ما لم يتوقف الهجوم. وقال أردوغان الأحد “لا يعنيني ما إذا كانوا أكرادا أو هذا أو ذاك، فهؤلاء ليسوا بشرا في المقام الأول. إرهابيون. ننظر إلى الإرهابيين والبشر نظرتين مختلفتين”.

وفي تركيا، ترحب السلطات ووسائل الإعلام الرسمية والأغلبية العُظمى من جموع الشعب بهذه الأفعال وتهلل لها، نظرا إلى أنها تدعم “عملية نبع السلام” المتناقضة.

واحتفلت صحيفة يني شفق، التي تُحرّض دائما على الحرب، بقتل سياسية كردية. لكنها سارعت بحذف المنشور، ربما بعد أن طُلب منها ذلك حتى لا يشكّل هذا خطرا على الخط الرسمي الرئيس الذي يشير إلى أن كل شيء على ما يرام. ومن المؤسف أن ما يُعَد “أخبارا جيدة” لوسائل الإعلام التركية غالبا ما يكون دليلا على جريمة حرب ارتُكبت.

في الوقت ذاته، فإن بعض صحف المعارضة المقرّبة من الأتاتوركيين توقفت تماما عن انتقاد الهجوم، وسارت مع الخط الرسمي. وعدد قليل جدا من وسائل الإعلام، لا يتجاوز العشرة، ينشر الأخبار بشروط صارمة والكثير من ضبط النفس، إن لم يكن ذلك رقابة ذاتية. لا ينطبق هذا على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي قد تُحظر قريباً، حيث يخضع مستخدمو تويتر لرقابة صارمة.

في واقع الأمر، هناك تعتيم رسمي على الأخبار التي لا تتسق مع الخط الرسمي الذي رسمته الرئاسة. وأي شخص يتجاوز هذا الخط، أو ينتقد الهجوم، أو يتحدث عن غزو، يكون عرضة لاتخاذ إجراءات قانونية بحقه.

وتتبع التغطية التركية للحرب القواعد. على سبيل المثال، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية عن هجوم نفذته القوات الكردية على مدينة نصيبين، وقالت إنه تسبب في مقتل ثمانية مدنيين. وبداية، مُنع نواب معارضة ينتمون إلى حزب موال للأكراد من الذهاب إلى المدينة لتحرّي الأمر. ثم، رفض السكان الأكراد أمام عدسات وسائل الإعلام الرسمية تحميل القوات الكردية المسؤولية، وهو ما زاد الشكوك في أن القوات التركية هي التي نفذت الهجوم على الأتراك لتحميل المسؤولية عن هذا الهجوم للأكراد.

أخيرا، فإن الهدف الأساسي لتركيا هو بسط السيطرة الكاملة على الأخبار وحظر نشر أي أخبار من منطقة العمليات العسكرية كما فعلت في البلدات التي احتلتها من قبل، مثل الباب وعفرين وأعزاز، والتي لم تخرج أخبار منها بصورة مستقلّة منذ ذلك الحين.

وأيدت المعارضة حرب الغزو هذه بكل حماس. ولم يتحدث أي سياسي من المعارضة تقريبا ضد الخط الذي يُرَوّج له في الشارع التركي، فقد انضم معظمهم إلى مناخ العصبية القومية. وقضى هذا على أي أمل في بديل سياسي وعزّز موقف أردوغان ونظامه الشمولي.

ويكاد يكون لم يتحرك ساكن لأحد من المعارضة العلمانية المتشددة في معارضتها لأردوغان، عندما أمرت السلطات مساجد البلاد –البالغ عددها 90 ألف مسجد– بتلاوة سورة الفتح. الأمر ذاته تكرر عندما كتب أردوغان تغريدة باللغة العربية حيّا فيها غزو “الجيش المحمدي” شمالي سوريا بالنيابة عنه لمحاربة القوات الكردية.

وتحمل تركيا عار إبادة جماعية عمرها قرن من الزمان، ومذابح ارتكبت بحق غير المسلمين، وغير السنّة، وغير الأتراك. ومحُيت تلك الأمور من ذاكرة الشعب بفعل التركيز الشديد على الرواية الرسمية، ومن خلال نوع من ميثاق الصمت. لقد بُنيت الأُمة التركية على جثث هؤلاء البشر قبل مئة عام، لذلك فإن أساس هذا البناء هشّ للغاية. ويشعر الأتراك دون وعي بهذا الخطر ويميلون دائماً إلى التفاعل مع أيّ دعوة تُحيي غريزة البقاء بداخلهم. هذا المرض الضارب بجذوره في عمق الشخصية التركية يعود للظهور على السطح من جديد اليوم ضد أكراد سوريا وحلفائهم الغربيين.

هذه هي تركيا التي يسترضيها الغرب. فما فرص نجاح هذا الاسترضاء؟

6